جدل يحيط بتعاون جامعة كامبريدج المحتمل مع وزارة الدفاع السعودية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 11
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن كلية إدارة الأعمال في جامعة كامبريدج ، المعروفة باسم “Judge Business School”، تسعى إلى إبرام اتفاق تعاون مع وزارة الدفاع السعودية لتقديم برامج تدريبية واستشارات في مجالات القيادة وإدارة الابتكار، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية البريطانية بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير. وبحسب وثائق اطلعت عليها “الغارديان”، فإن المقترح يتضمن توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى تطوير برامج “التعليم التنفيذي” وإستراتيجيات الإدارة والتطوير المؤسسي، على أن تركز بشكل حصري على الجوانب المدنية داخل الوزارة. وجاءت المبادرة بعد إشراف ومتابعة أولية من وزارة الدفاع البريطانية، التي لعبت دوراً في التعريف بين الطرفين. وأشارت الوثائق إلى أن لجنة المنح والعلاقات الخارجية في جامعة كامبريدج، برئاسة نائبة رئيس الجامعة البروفيسورة ديبورا برنتيس، وافقت مبدئياً على المضي في دراسة المقترح خلال اجتماع عقد في يناير/كانون الثاني الماضي، مع التأكيد على ضرورة مراجعة أي عقود لاحقة بشكل منفصل وفق معايير المخاطر والسمعة المؤسسية. ورغم الموافقة المبدئية، أبدى أعضاء في اللجنة مخاوف واضحة بشأن سجل النظام السعودي في ملفات حقوق الإنسان وتغير المناخ، إضافة إلى انعكاسات التعاون المحتمل على حرية العمل الأكاديمي داخل الجامعة. قد جاءت هذه المخاوف في سياق أوسع من الاعتراضات الأكاديمية في الغرب، حيث شهدت مؤسسات مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مراجعة وتجميد بعض شراكاتها مع جهات سعودية بعد قضية جمال خاشقجي، تحت ضغط من أعضاء هيئة التدريس والطلبة. وأثارت الخطوة ردود فعل قوية داخل الجامعة، حيث وصفها عدد من كبار الأكاديميين بأنها “مقلقة للغاية” و”تتناقض مع القيم الأساسية لجامعة كامبريدج”، خصوصاً ما يتعلق بحرية الفكر والتعبير. وهي انتقادات تتقاطع مع احتجاجات سابقة داخل جامعة هارفارد، حيث طالب أكاديميون وطلاب بإعادة النظر في علاقات ممولة من السعودية داخل كلية كينيدي. وقال أحد أعضاء مجلس الجامعة إن التعاون المقترح “يمثل خيانة لمبادئ المؤسسة”، معتبراً أن العمل مع جهة عسكرية في دولة مثيرة للجدل حقوقياً “يثير أسئلة خطيرة حول سلامة الأكاديميين واستقلاليتهم”. ويعكس هذا الموقف أيضاً انسحابات فردية لأكاديميين غربيين من مؤتمرات مثل مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، التي قاطعها باحثون من جامعات منها جامعة ستانفورد وجامعة هارفارد احتجاجاً على قضايا حقوق الإنسان. في المقابل، دافعت إدارة كلية “Judge Business School” عن المقترح، مؤكدة أنه ينسجم مع رسالة الجامعة في “خدمة المجتمع عبر التعليم والتدريب”، كما اعتبرت أن التعاون المحتمل يتماشى مع توجهات الحكومة البريطانية في تعزيز الشراكات الدولية في مجالات التعليم التنفيذي وبناء القدرات. وأشارت الكلية إلى وجود “ضمانات تخفيف مخاطر”، من بينها حصر التعاون في الجانب المدني، وإمكانية تحويل بعض العقود المستقبلية إلى مؤسسات حكومية سعودية أخرى غير وزارة الدفاع. ومع ذلك، فإن تجارب مماثلة في جامعات مثل جامعة أكسفورد أظهرت أن مثل هذه الضمانات لا تمنع الجدل، إذ واجهت الجامعة انتقادات بشأن قبول تمويلات وشراكات مع جهات سعودية، وسط مطالب بزيادة الشفافية أو رفض التمويل. ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع تشهده الجامعات البريطانية، حيث تعتمد العديد من المؤسسات الأكاديمية على عقود تدريب واستشارات مع حكومات أجنبية، قد تصل قيمتها إلى ملايين الجنيهات الإسترلينية، ما يثير نقاشاً متكرراً حول الحدود الأخلاقية لهذا النوع من الشراكات. قد امتد هذا النقاش أيضاً إلى جامعات أمريكية ضمن نظام جامعة كاليفورنيا، حيث طُرحت تساؤلات مماثلة حول أخلاقيات التمويل الأجنبي. وتُعد جامعة كامبريدج من أبرز المؤسسات الأكاديمية العالمية التي تقدم برامج “التعليم التنفيذي”، حيث تتجاوز رسوم بعض برامجها مائة ألف جنيه إسترليني. كما حذر ممثل طلابي داخل مجلس الجامعة من أن المضي في هذا النوع من الاتفاقات قد يضعف آليات الرقابة الداخلية، مشيراً إلى “تزايد التوتر داخل اجتماعات المجلس” ووجود مخاوف من إعادة تفسير قواعد الحوكمة بما يحد من الشفافية. ويعكس هذا التطور التوتر المتزايد بين الاعتبارات المالية والاستراتيجية للجامعات الغربية من جهة، والالتزامات الأخلاقية المتعلقة بحقوق الإنسان واستقلالية البحث العلمي من جهة أخرى، في ظل توسع التعاون الأكاديمي مع حكومات ذات سجلات مثيرة للجدل على الساحة الدولية. يبدو أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون في إبرام مثل هذه الاتفاقات بقدر ما سيكون في القدرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقلال الأكاديمي والحفاظ على القيم التي تقوم عليها هذه المؤسسات، في عالم تتزايد فيه حساسية الرأي العام تجاه قضايا حقوق الإنسان وشفافية العلاقات الدولية.