تقرير لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان حول أوضاع معتقلي الرأي في “السعودية”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 6
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في تقرير لها، أكدت لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية أن أي نظام يُفترض قيامه على سيادة القانون لا يمكن أن يحوّل الرأي إلى جريمة، ولا أن يعامل التعبير السلمي باعتباره تهديداً أمنياً. غير أن واقع معتقلي الرأي في “السعودية” يكشف عن نمط منهجي من الانتهاكات الجسيمة، حيث يُستهدف المواطن بسبب كلمة أو موقف أو نشاط سلمي، ثم يُزَج به قسراً في مسار متكامل من الانتهاكات يبدأ بالاعتقال التعسفي، ويمر بإنكار الضمانات القانونية، ولا ينتهي عند صدور الأحكام، بل يمتد داخل أماكن الاحتجاز في صورة معاملة قاسية ومهينة، وأحياناً تعذيب، في انتهاك صارخ لكرامة الإنسان ولأبسط قواعد العدالة. تعرف اللجنة معتقل الرأي بأنه كل شخص يُحرم من حريته بسبب ممارسته السلمية لحقوقه الأساسية، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير. ولا يُحتجز هؤلاء بسبب أفعال مجرّمة بمعايير قانونية واضحة، بل بسبب التعبير عن آراء سياسية أو اجتماعية، أو انتقاد السياسات العامة وأداء المؤسسات الرسمية، أو الدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بالإصلاح، أو الانخراط في نشاطات سلمية وحملات حقوقية مشروعة. وتكمن الإشكالية الجوهرية في الاستغلال التعسفي للنصوص القانونية عبر استخدام عبارات فضفاضة مثل “الإضرار بالنظام العام” أو “إثارة الفتنة”، بما يخالف مبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي وضوح الجريمة والعقوبة، ويحوّل القانون من أداة حماية إلى وسيلة قمع. وترصد اللجنة أن مسار الانتهاك بحق معتقل الرأي لا يبدأ عند دخوله السجن، بل منذ لحظة الاعتقال الأولى. ففي كثير من الحالات يُحتجز الشخص دون إبلاغه بأسباب التوقيف، أو دون عرضه فوراً على جهة قضائية مستقلة، ويُحرم من حقه في الاستعانة بمحامٍ، أو يُقيّد تواصله مع أسرته. كما يُخضع لجلسات تحقيق مطوّلة تترافق مع ضغوط نفسية ومعنوية تهدف إلى انتزاع اعترافات قسرية، ثم يُعتمد على تلك الاعترافات كدليل إدانة مع تجاهل تام لادعاءات الإكراه أو سوء المعاملة. وتعد هذه الممارسات انتهاكاً مباشراً للحق في المحاكمة العادلة وتقويضاً لمبدأ افتراض البراءة. أما داخل السجون، فتشير اللجنة إلى أن أماكن الاحتجاز في قضايا الرأي لا تؤدي دورها كمؤسسات خاضعة للقانون، بل تتحول في كثير من الحالات إلى فضاءات يُمارس فيها الترويع المنهجي بحق المعتقلين. وتشمل الانتهاكات التنكيل النفسي عبر التهديد والإذلال والعزل الانفرادي المطوّل، والحرمان من الزيارة والتواصل، والإهمال الطبي المتعمّد أو تقييد الوصول إلى الرعاية الصحية بما يشكل خطراً مباشراً على حياة المحتجزين، وفرض عقوبات انضباطية تعسفية دون إجراءات واضحة أو آليات طعن مستقلة. كما توثق اللجنة التعرض للتعذيب الجسدي ولسوء المعاملة النفسية، واستخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة رغم آثاره النفسية الخطيرة. ولا تقف آثار هذه الممارسات عند حدود المعتقل، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش تحت القلق الدائم وغياب المعلومات والخوف من الملاحقة، بما يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي غير المعلن. وتؤكد اللجنة أن منظومة الانتهاك تبلغ ذروتها داخل قاعات المحاكم، حيث تتحول المحاكمة من ضمانة للعدالة إلى إجراء شكلي يُستخدم لإضفاء غطاء قانوني على قرارات مسبقة. ويتجلى ذلك في صدور أحكام لا تتأثر بمرافعات الدفاع، وغياب الاستماع الحقيقي للمتهم، وتسريع الجلسات بصورة صورية، وتقويض استقلال القضاء، والحرمان المنهجي من الحق في الدفاع عبر منع المحامين أو تفريغ دورهم من مضمونه، والاعتماد على اعترافات قسرية دون التحقيق في ظروف انتزاعها. كما تصدر أحكام قاسية وغير متناسبة تتراوح بين السجن لسنوات طويلة، وأحكام تمتد لعقود، وصولاً إلى الإعدام، لمجرد التعبير السلمي عن الرأي. وترى اللجنة أن هذه الإجراءات لا يمكن توصيفها كمحاكمات عادلة، بل كاستخدام منظّم للقضاء أداة للردع والقمع السياسي. وتخالف هذه الممارسات جملة من المبادئ الحقوقية الأساسية، من بينها الحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الحرية والأمان على الشخص، وحظر الاعتقال التعسفي، والحق في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات الاستقلال والنزاهة، والحظر المطلق للتعذيب وللمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحق المحتجزين في المعاملة الإنسانية وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة مستقلة. وعندما تُغيّب الرقابة والمساءلة تتحول أماكن الاحتجاز إلى فضاءات مغلقة تُرتكب فيها الانتهاكات بعيداً عن أي محاسبة. وبناءً عليه، تؤكد لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية جملة من المطالب العاجلة، أبرزها الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، وضمان كافة حقوق المحتجزين وعلى رأسها حق الدفاع والتواصل والزيارة، وإخضاع السجون وأماكن الاحتجاز لرقابة مستقلة وفعّالة، وفتح تحقيقات جدية ومستقلة في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة ومحاسبة المسؤولين عنها، ومراجعة القوانين والممارسات التي تُستخدم لتجريم الرأي والتعبير السلمي. وتخلص اللجنة إلى أن ما يتعرض له معتقلو الرأي في “السعودية” لا يمكن وصفه بتجاوزات فردية، بل هو نمط ممنهج من الانتهاكات يمس جوهر العدالة وسيادة القانون. فحين يصبح القانون أداة لإسكات الأصوات، وتُستخدم السجون لكسر الإرادة، يفقد المواطن أبسط ضماناته، وتتحول الحقوق إلى وعود فارغة. وما لم تُكسر حلقة الإفلات من العقاب، سيظل معتقل الرأي يدفع ثمن الكلمة خلف القضبان، وتدفع عائلته ثمن الصمت خارجها