اضطرابات التصدير وفائض المعروض يهددان قطاع البتروكيماويات في “السعودية”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 25
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

رغم التحسن النسبي الذي أظهرته نتائج بعض شركات البتروكيماويات في “السعودية” خلال الربع الأول من العام، فإن القطاع يواجه تحديات متزايدة تثير تساؤلات حول قدرته على الحفاظ على هذا الأداء في الأشهر المقبلة. فاضطرابات التصدير الناجمة عن أزمة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب استمرار فائض الطاقة الإنتاجية العالمية وضعف الطلب، تضع الصناعة السعودية أمام مرحلة توصف بأنها من الأكثر تعقيداً منذ سنوات. وتبرز شركة سابك، أكبر منتج للبتروكيماويات في “السعودية” وسابع أكبر شركة كيميائيات في العالم من حيث المبيعات، بوصفها نموذجاً لهذا التناقض. فقد أعلنت الشركة تحقيق أرباح بلغت 3.5 ملايين دولار في الربع الأول، مقارنة بخسارة بلغت 323 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. غير أن هذا التحسن جاء رغم تراجع الإيرادات بنسبة 11% على أساس سنوي لتبلغ نحو 7 مليارات دولار، ما يعكس الضغوط المستمرة التي تواجهها الصناعة. ويشير محللون إلى أن ارتفاع أسعار المنتجات البتروكيماوية خلال الأشهر الأخيرة ساعد الشركات على تحسين هوامش الربح وتعويض جزء من الخسائر السابقة، إلا أن المكاسب السعرية لا تخفي التحديات التشغيلية الكبيرة المرتبطة بصعوبة إيصال المنتجات إلى الأسواق العالمية. وقد تسبب الجمود الذي استمر أشهراً في مضيق هرمز في تعقيد عمليات التصدير بالنسبة للشركات الخليجية، بما فيها الشركات السعودية. وبينما تمكنت صادرات النفط من الاستفادة من مسارات بديلة مثل خط أنابيب الشرق ـ الغرب الذي يصل المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، فإن قطاع البتروكيماويات لا يمتلك المرونة نفسها بسبب طبيعة المنتجات وآليات نقلها. ويؤكد خبراء أن جزءاً من إنتاج سابك، وخاصة المنتجات البلاستيكية الصلبة أو البوليمرات التي تمثل نحو 70% من إنتاجها البتروكيماوي، يمكن نقله بالشاحنات إلى موانئ البحر الأحمر أو تسويقه داخل أسواق الخليج. لكن الوضع يختلف بالنسبة للمنتجات السائلة مثل الميثانول ومونوإيثيلين جليكول، التي تشكل نحو 30% من الإنتاج، إذ تعتمد بصورة أساسية على النقل البحري ويصعب تخزينها لفترات طويلة، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي اضطرابات في حركة الملاحة. وفي هذا السياق، تراجعت أحجام مبيعات سابك من البتروكيماويات خلال الربع الأول بنسبة 12% مقارنة بالربع السابق، رغم ارتفاع الأسعار بنحو 6%. ويرى محللون أن ارتفاع الأسعار ساعد على تعويض جزء من انخفاض الكميات المباعة، لكنه لم يكن كافياً لمعالجة المشكلة الأساسية المتمثلة في صعوبة تصدير المنتجات بالوتيرة المطلوبة. كما تواجه الشركات السعودية تكاليف إضافية متزايدة نتيجة اللجوء إلى وسائل نقل بديلة. فعمليات النقل البري للمنتجات من “المنطقة الشرقية” إلى موانئ البحر الأحمر تتطلب جهوداً لوجستية كبيرة وتكاليف مرتفعة. ووفق تقديرات نقلها محللون، فإن تحميل سفينة واحدة بسعة 25 ألف طن من اليوريا قد يحتاج إلى نحو 1200 شاحنة، وهو ما يوضح حجم التعقيدات التشغيلية التي تواجهها الشركات في ظل القيود المفروضة على مسارات التصدير التقليدية. إلى جانب ذلك، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة ملحوظة نتيجة المخاطر الجيوسياسية والتوترات التي تشهدها المنطقة، ما يضيف ضغوطاً جديدة على هوامش الربح ويحد من القدرة التنافسية للمنتجات السعودية في الأسواق العالمية. لكن التحديات لا تقتصر على الأزمة الحالية المرتبطة بالتصدير. فالمحللون يرون أن القطاع يواجه مشكلات هيكلية أعمق تتمثل في استمرار فائض المعروض العالمي من البتروكيماويات. وعلى مدى السنوات الأخيرة، دخلت طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق العالمية، في حين لم ينمُ الطلب بالمعدلات المتوقعة، ما أدى إلى ضغوط مستمرة على الأسعار والأرباح. وتزداد المخاوف مع اقتراب تشغيل مشاريع ومجمعات بتروكيماوية جديدة حول العالم خلال عامي 2027 و2028، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة المعروض العالمي بشكل أكبر. وفي المقابل، لا توجد مؤشرات قوية على نمو الطلب بالسرعة الكافية لاستيعاب هذه الزيادات الإنتاجية. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يحمل تأثيراً مزدوجاً على القطاع. فعلى الرغم من أنه يساهم في رفع أسعار بعض المنتجات البتروكيماوية، فإنه قد يبطئ النمو الاقتصادي في الدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا التي تعد السوق الرئيسية للمنتجات الخليجية. ومن شأن أي تباطؤ اقتصادي في تلك الأسواق أن ينعكس مباشرة على الطلب على المواد الكيميائية والبلاستيكية. وقد أقر مسؤولو سابك أنفسهم بهذه التحديات. إذ أشار المدير المالي للشركة، صلاح الحركي، خلال حديثه مع المستثمرين إلى أن فائض الطاقة الإنتاجية على مستوى الصناعة لا يزال يؤثر سلباً على القطاع، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الشركات العاملة في هذا المجال. أما على مستوى الشركات السعودية المدرجة، فقد أظهرت النتائج صورة متباينة. فمن أصل ثماني شركات بتروكيماويات مدرجة جرى تحليل نتائجها، تمكنت أربع شركات فقط من تحقيق أرباح صافية خلال الربع الأول، بينما سجلت أربع شركات أخرى خسائر. وكانت شركة البتروكيماويات المتقدمة الأفضل أداءً بتحقيق ربح بلغ نحو 8 ملايين دولار، في حين تكبدت شركة كيان السعودية للبتروكيماويات أكبر خسارة بلغت 164 مليون دولار. كما انعكس هذا التباين على أداء الأسهم في السوق المالية، حيث تفاوتت تحركاتها بشكل كبير بين ارتفاعات وانخفاضات ملحوظة، ما يشير إلى حالة عدم اليقين التي تسيطر على توقعات المستثمرين بشأن مستقبل القطاع. وفي المحصلة، يبدو أن التحسن المحدود في نتائج الربع الأول لا يكفي لإخفاء التحديات المتراكمة التي تواجه صناعة البتروكيماويات في “السعودية”. فبين اضطرابات التصدير، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واستمرار فائض المعروض العالمي، واحتمالات تباطؤ الطلب في الأسواق الآسيوية، يواجه القطاع اختباراً صعباً قد يحدد مساره خلال السنوات المقبلة. وبينما استفادت الشركات مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، فإن قدرة هذه المكاسب على الاستمرار تبقى موضع شك في ظل بيئة عالمية تتسم باضطرابات متزايدة ومنافسة أشد حدة.