دراسة: كيف تحولت الكراهية إلى أداة سياسية واقتصادية في دول الخليج؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 8
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

كيف تحولت الكراهية إلى أداة سياسية واقتصادية في دول الخليج؟ منذ 22 ساعة 5 دقائق تتناول دراسة صادرة عن مركز طوى للدراسات والأبحاث بعنوان “الأنساق الثقافية والتاريخية وديناميات الكراهية والتكسّب” ظاهرة الكراهية بوصفها إحدى أكثر الظواهر تعقيداً في المجتمعات الحديثة، وتبحث في جذورها النفسية والثقافية والتاريخية، قبل أن تنتقل إلى تحليل كيفية توظيفها سياسياً واقتصادياً في دول الخليج، ولا سيما في “السعودية”. في سياق اجابتها على مسألة الكراهية، توضح الدراسة أن الكراهية تبدأ عادة من أحكام مسبقة أو تحيزات اجتماعية، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما يجري تصوير جماعة كاملة على أنها كتلة متجانسة تحمل صفات سلبية مشتركة. وفي هذه الحالة ينتقل الخطاب من انتقاد أفراد أو ممارسات محددة إلى إدانة جماعات بأكملها، وهو ما تعتبره الدراسة أحد المؤشرات الأساسية لخطاب الكراهية. كما تشير إلى أن أخطر مراحل الكراهية تظهر عندما يجري تجريد الآخر من إنسانيته، عبر تصويره باعتباره أقل قيمة من بقية البشر أو باعتباره خطراً وجودياً يهدد المجتمع والدولة. وتلفت إلى أن مثل هذه الآليات الفكرية لعبت أدواراً محورية في تبرير العنف والحروب والتمييز عبر التاريخ. وفي هذا السياق، ترى الدراسة أن الكراهية كثيراً ما تُستخدم كوسيلة لمعالجة آثار الفشل السياسي أو الاقتصادي. فعندما تواجه الحكومات أزمات داخلية أو إخفاقات كبيرة، يصبح من السهل توجيه غضب الجمهور نحو خصوم خارجيين أو جماعات داخلية بدلاً من مناقشة الأسباب الحقيقية للمشكلات. وتربط الدراسة بين هذا النمط وبين عدد من التطورات التي شهدتها المنطقة الخليجية خلال العقود الأخيرة، حيث جرى توظيف الصراعات الإقليمية والخلافات المذهبية لإعادة تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو قضايا خارجية أو أمنية، بما يخفف الضغوط على السلطات الحاكمة. كما تتناول الدراسة دور السرديات العاطفية في صناعة الكراهية، مشيرة إلى أن الحكومات ووسائل الإعلام تلجأ في أوقات الأزمات إلى إبراز قصص الضحايا المدنيين والأطفال والأضرار الإنسانية بهدف حشد التأييد الشعبي وتبرير الإجراءات الأمنية أو العسكرية. ووفقاً للدراسة، فإن الأثر العاطفي لهذه القصص يكون أقوى بكثير من الحديث عن أهداف عسكرية أو حسابات استراتيجية مجردة. وتربط الدراسة بين هذا النمط وبين عدد من التطورات التي شهدتها المنطقة الخليجية خلال العقود الأخيرة، حيث جرى توظيف الصراعات الإقليمية والخلافات المذهبية لإعادة تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو قضايا خارجية أو أمنية، بما يخفف الضغوط على السلطات الحاكمة. كما تتناول الدراسة دور السرديات العاطفية في صناعة الكراهية، مشيرة إلى أن الحكومات ووسائل الإعلام تلجأ في أوقات الأزمات إلى إبراز قصص الضحايا المدنيين والأطفال والأضرار الإنسانية بهدف حشد التأييد الشعبي وتبرير الإجراءات الأمنية أو العسكرية. ووفقاً للدراسة، فإن الأثر العاطفي لهذه القصص يكون أقوى بكثير من الحديث عن أهداف عسكرية أو حسابات استراتيجية مجردة. الجذور التاريخية للكراهية في “السعودية” والخليج تجادل الدراسة بأن الكراهية في الخليج ليست ظاهرة حديثة ارتبطت بقيام الدول المعاصرة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل نشوء الدولة الحديثة، حين كانت المنطقة تعيش صراعات قبلية ومناطقية ومذهبية متكررة. إلا أن الدراسة ترى أن التحول الأهم وقع عندما انتقلت هذه التوترات من المجال الاجتماعي المحدود إلى المجال المؤسسي المنظم. فمع قيام “الدول” الحديثة جرى توظيف بعض الانقسامات التاريخية في خدمة مشاريع بناء السلطة وتثبيت الشرعية السياسية. وفي حالة “السعودية”، تعود الدراسة إلى التحالف الذي نشأ عام 1744 بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، معتبرة أن هذا التحالف أنتج منظومة فكرية وسياسية أسهمت في ترسيخ ثنائيات من قبيل “الجماعة الصحيحة” و”الآخر المنحرف”. وترى الدراسة أن هذه الثنائيات لم تكن مجرد مفاهيم دينية، بل تحولت مع الزمن إلى أدوات سياسية لعبت دوراً في التعبئة والحشد وتبرير الحروب. وتذهب الدراسة إلى أن الحروب التي رافقت تأسيس ما يُسمّى ب”الدولة السعودية” في مراحلها المختلفة اعتمدت بدرجة كبيرة على الخطاب التعبوي الذي صنف الخصوم باعتبارهم أعداء للعقيدة أو خارجين عن الجماعة. ومع مرور الوقت لم يختف هذا الإرث بالكامل، بل استمرت عناصره ضمن مؤسسات الدولة ومناهج التعليم والخطاب العام. وبحسب الدراسة، فإن “الدولة السعودية الحديثة” لم تتخلّ عن بعض أنماط التصنيف الديني والاجتماعي التي ارتبطت بمراحل التأسيس، بل أعادت توظيفها في سياقات جديدة مرتبطة بإدارة التنوع الداخلي ومواجهة التحديات الإقليمية. وتشير الدراسة إلى أن الثورة الإيرانية عام 1979 مثلت نقطة تحول مهمة، إذ تصاعدت الخطابات العدائية المرتبطة بالصراع السعودي الإيراني، وأعيد إنتاج العديد من الصور النمطية المرتبطة بالانتماءات المذهبية. كما شهدت فترات لاحقة، مثل مرحلة الربيع العربي والحرب في اليمن والأزمة الخليجية مع قطر، موجات جديدة من التعبئة السياسية والإعلامية التي غذّت أشكالاً مختلفة من الكراهية والاستقطاب. التعليم والإعلام وصناعة الكراهية تعتبر الدراسة أن التعليم والإعلام يشكلان الأداتين الأكثر تأثيراً في إعادة إنتاج الكراهية وترسيخها داخل المجتمعات. ففي المجال التعليمي، تشير إلى أن المناهج الدراسية في عدد من دول الخليج تعرضت لانتقادات واسعة بسبب احتوائها على مضامين تُصنّف بعض الجماعات أو المذاهب باعتبارها منحرفة أو أقل قيمة من غيرها. ورغم التعديلات التي أُدخلت خلال السنوات الأخيرة، ترى الدراسة أن آثار هذه المضامين ما زالت حاضرة في الوعي الاجتماعي والثقافي. وتؤكد الدراسة أن دور التعليم لا يقتصر على الكتب المدرسية، بل يمتد إلى المعلمين والمؤسسات التعليمية التي تنقل منظومات القيم والتصورات إلى الأجيال الجديدة. ولذلك فإن أي أفكار إقصائية أو تمييزية يتم ترسيخها في المدرسة تستمر آثارها لفترات طويلة داخل المجتمع. أما الإعلام، فتصفه الدراسة بأنه أحد أهم مضخمات الكراهية في المنطقة. فالإعلام الرسمي وشبه الرسمي كثيراً ما يتبنى الروايات التي تنتجها السلطة السياسية، ويعيد تقديم الخصوم باعتبارهم مصادر تهديد أو أخطاراً دائمة. كما تشير إلى أن وسائل الإعلام الخاصة في الخليج ترتبط غالباً بمراكز النفوذ السياسي أو الاقتصادي، الأمر الذي يجعلها جزءاً من منظومة التعبئة العامة. وفي أوقات الأزمات تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لإعادة إنتاج الصور النمطية والتحريض على الخصوم. وتولي الدراسة اهتماماً خاصاً لوسائل التواصل الاجتماعي، معتبرة أنها أحدثت تحولاً جذرياً في آليات نشر الكراهية. فخوارزميات المنصات الرقمية تمنح المحتوى المثير للغضب والاستقطاب فرصاً أكبر للانتشار، ما يجعل الخطاب العدائي أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور من الخطابات الهادئة أو التحليلية. وتوضح الدراسة أن هذه البيئة الرقمية أسهمت في ظهور ما تسميه “ريادة أعمال الكراهية”، حيث يستثمر بعض المؤثرين والناشطين في إنتاج محتوى صدامي يحقق لهم مزيداً من المشاهدات والتفاعل والعائدات المالية. اقتصاد الكراهية والمستفيدون منه يُعد مفهوم “اقتصاد الكراهية” المحور الرئيسي للدراسة. ويقصد به تحويل الكراهية إلى مورد سياسي واقتصادي يمكن استثماره لتحقيق مكاسب متنوعة.وتستند الدراسة إلى أطروحات إدوارد جلايسر الذي يرى أن الكراهية تُنتج داخل سوق سياسية يتفاعل فيها السياسيون والإعلاميون والنخب الفكرية مع احتياجات الجمهور النفسية والاجتماعية. فحين توفر الكراهية تفسيراً بسيطاً للأزمات والإخفاقات، تصبح سلعة مطلوبة وقابلة للتداول. وترى الدراسة أن المستفيد الأول من هذه المنظومة هو الدولة وأجهزتها الأمنية، لأنها تستطيع استخدام التهديدات الداخلية والخارجية لتبرير توسيع صلاحياتها وزيادة الإنفاق الأمني والعسكري وتعزيز شرعيتها السياسية. كما تستفيد المؤسسات الإعلامية من تصاعد الاستقطاب، لأن المحتوى المثير للجدل يرفع نسب المشاهدة ويجذب الإعلانات والتمويل. كذلك تستفيد بعض النخب الدينية والأيديولوجية التي تبني نفوذها على التخويف من الخصوم وإعادة إنتاج الانقسامات. وتضيف الدراسة أن بعض الفاعلين الاقتصاديين يحققون مكاسب غير مباشرة من خلال الاستفادة من العقوبات أو الحصارات أو التحولات التجارية المرتبطة بالأزمات السياسية. وتشرح الدراسة أن اقتصاد الكراهية يعتمد على ثلاث آليات رئيسية: الأمننة، وصناعة العدو الرمزي، واقتصاد الانتباه. فالأمننة تحول الخلافات السياسية إلى تهديدات وجودية، بينما تعمل صناعة العدو الرمزي على اختزال الأزمات المعقدة في خصم واحد يُحمَّل مسؤولية المشكلات كافة. أما اقتصاد الانتباه فيحوّل الكراهية إلى مادة إعلامية مربحة وقابلة للتسويق. وفي خاتمتها، تؤكد الدراسة أن خطاب الكراهية في الخليج هو نتاج تفاعل طويل بين التاريخ والسياسة والدين والإعلام والتعليم، وأنه تطور من ظاهرة اجتماعية متفرقة إلى منظومة مؤسسية متكاملة في بعض المراحل. كما ترى أن الدول الخليجية، رغم محاولاتها الأخيرة تقديم خطابات أكثر اعتدالاً، لم تنجح بعد في معالجة الجذور العميقة التي أنتجت الكراهية وأعادت إنتاجها لعقود طويلة. وتخلص الدراسة إلى أن المستقبل سيظل مرتبطاً بقدرة هذه الدول على الانتقال من إدارة الكراهية إلى تفكيكها، ومن توظيف الانقسامات إلى بناء مواطنة متساوية تقوم على التعددية والعدالة وسيادة القانون. فالكراهية قد تمنح مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنها تترك على المدى البعيد آثاراً عميقة تمس الثقة الاجتماعية والاستقرار والتنمية، وتُضعف قدرة المجتمعات على التعايش والتقدم.