إنسحاب إماراتي من معرض دفاعي في “السعودية”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 131
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز إطارها الظاهري، كشفت وكالة رويترز عن انسحاب عدد من الشركات الإماراتية من المشاركة في معرض دفاعي كبير يُقام في “السعودية”، في مؤشر جديد على أن الخلافات المتراكمة بين القوتين الخليجيتين بدأت تتسرب من الغرف المغلقة إلى ساحات التجارة والاستثمار. وبحسب ما نقلته رويترز عن مصدرين لديهما معرفة مباشرة بالأمر، فإن بعض الشركات الإماراتية قررت الانسحاب من «معرض الدفاع العالمي» المزمع عقده في العاصمة الرياض خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير/شباط، دون أن يتضح ما إذا كان الانسحاب يشمل جميع المشاركين ضمن الجناح الوطني الإماراتي. هذا التطور يأتي في وقت تحاول فيه السلطات في “السعودية” تقديم نفسها بوصفها مركزاً إقليمياً للصناعات العسكرية والاستثمار الدفاعي، مستفيدة من الفعاليات الضخمة والمعارض الدولية كأدوات للترويج السياسي والاقتصادي. إلا أن ما أوردته رويترز يسلط الضوء على هشاشة هذه الصورة حين تصطدم بحقائق الصراع داخل المنظومة الخليجية نفسها. فالانسحاب الإماراتي، حتى وإن جرى بصمت رسمي ومن دون بيانات علنية من وزارة الخارجية الإماراتية أو المكتب الإعلامي في “السعودية”، يعكس انتقال الخلاف من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى المصالح التجارية المباشرة. وتشير رويترز إلى أن الدولتين اللتين كانتا تُصوَّران طويلاً على أنهما ركيزتان توأمان للأمن الإقليمي، شهدتا خلال السنوات الأخيرة تباعداً متزايداً في المصالح شمل ملفات النفط والجغرافيا السياسية والنفوذ الإقليمي. هذا التباعد لم يعد محصوراً في كواليس السياسة، بل بات يظهر في قرارات الشركات، وفي حسابات المستثمرين، وفي تقييمات المخاطر داخل مجتمع الأعمال الخليجي. وبرزت الخلافات إلى العلن بصورة أوضح في ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما أدى تقدم مجموعة انفصالية جنوبية يمنية مدعومة من الإمارات إلى الاقتراب من الحدود التي تعتبرها “السعودية” منطقة نفوذ حساسة. وبحسب رويترز، تصاعد التوتر سريعاً إلى ضربة نفذها تحالف تقوده “السعودية” استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات في ميناء المكلا. ورغم أن الإمارات أعلنت لاحقاً سحب قواتها من اليمن، فإن التوتر لم ينخفض، بل ازداد مع اتهام “السعودية” للإمارات بمساعدة شخصية انفصالية يمنية بارزة على الفرار عبر الصومال. في هذا السياق، يصبح انسحاب الشركات الإماراتية من معرض دفاعي في الرياض أكثر من مجرد قرار تجاري. فهو، كما ترى رويترز، مؤشر على أن الخلاف بين قوتي النفط الخليجيتين قد يمتد ليطال شبكة العلاقات التجارية والاستثمارية الواسعة التي تربط بينهما. صحيح أن الصفقات العابرة للحدود لم تتأثر بشكل حاد حتى الآن، لكن مصدرين من مجتمع الأعمال في الخليج أكدا للوكالة أن التوترات بدأت تتسلل إلى الأوساط الاقتصادية، وأن الشركات باتت تستعد بهدوء لاحتمالات حدوث اضطرابات، حتى مع استمرار الأنشطة اليومية بشكل ظاهري طبيعي. القلق لا يرتبط فقط بمعرض أو حدث بعينه، بل بذاكرة قريبة ما زالت ماثلة في أذهان المستثمرين، وهي تجربة حصار قطر عام 2017. فكما تنقل رويترز، كلما طال أمد هذا الخلاف الخليجي الجديد، من المرجح أن تتزايد المخاوف داخل مجتمع الأعمال من تكرار سيناريو مشابه للمقاطعة التجارية التي فُرضت على الدوحة. في ذلك الوقت، فُرضت قيود على حركة الأموال، واضطرت البنوك إلى الاختيار بين المعسكرات المتصارعة، وتعرضت سلاسل الإمداد والرحلات الجوية لاضطرابات واسعة. وترتبط “السعودية” والإمارات بعلاقات تجارية تُقدَّر قيمتها بنحو 30 مليار دولار، مع حركة مستمرة للسلع والتنفيذيين بين البلدين. كثير من التكتلات العائلية السعودية والشركات الكبرى تحتفظ بعمليات وموظفين مهمين في الإمارات، حيث تتمركز فرق القيادة التجارية لدى عدد كبير منها. ولذلك فإن أي تصعيد سياسي قد يتحول سريعاً إلى عبء اقتصادي مباشر على الطرفين، وهو ما يجعل حالة القلق داخل غرف الإدارة أكثر حضوراً من الخطابات الإعلامية المتفائلة. وبحسب ما نقلته رويترز عن مصادر في قطاع الأعمال، فإن أسئلة لم تكن واردة قبل أشهر قليلة، مثل احتمال تعطل جداول الرحلات الجوية أو تأثر سلاسل الإمداد، أصبحت الآن جزءاً من تقييمات المخاطر الداخلية للشركات. أحد كبار رجال الأعمال الخليجيين لخّص الصورة بعبارة صريحة نقلتها الوكالة: «الجميع سيخسر إذا تصاعد هذا الأمر». من زاوية أوسع، يكشف انسحاب الشركات الإماراتية من معرض دفاعي في الرياض عن مفارقة تعيشها “السعودية” اليوم. فمن جهة، تسعى إلى بناء صورة دولة منفتحة وجاذبة للاستثمار ومركز للصناعات المتقدمة، ومن جهة أخرى، تواصل سياساتها الإقليمية إنتاج توترات تُربك الشركاء قبل الخصوم. وما يظهر في تقرير رويترز ليس مجرد حادث عابر، بل إشارة إلى أن البيئة التي تحاول “السعودية” تسويقها اقتصادياً لا تنفصل عن خياراتها السياسية والأمنية.