فايننشال تايمز: “السعودية” تقلّص “نيوم” بعد اصطدام أحلام بن سلمان بالواقع المالي
في اعترافٍ متأخر بحجم الإخفاقات التي رافقت أحد أكثر مشاريع نظام ابن سلمان المزعومة طموحًا، كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن مشروع “نيوم* الذي روّج له ولي العهد بوصفه أيقونة “التحول” في “السعودية”، يتجه الآن إلى تقليص جذري وإعادة تصميم واسعة بعد سنوات من التأخير واستنزاف الميزانيات وتضخم الوعود الإعلامية مقارنة بما تحقق على الأرض. وبحسب ما نقلته فايننشال تايمز عن أشخاص مطلعين على الملف، فإن محمد بن سلمان، رئيس مجلس إدارة نيوم، بات يتصور المشروع في صيغة “أصغر بكثير”، في إشارة واضحة إلى أن التصور الأصلي الذي بُني على أحلام مدن مستقبلية خارقة لم يصمد أمام الواقع المالي والتقني والتنفيذي. فالمشروع الذي يمتد على ساحل البحر الأحمر ويغطي مساحة تقارب مساحة بلجيكا، كان يُفترض أن يكون نموذجًا عالميًا لمدن ما بعد النفط، لكنه تحوّل اليوم إلى عبء ثقيل على ميزانيات “السعودية” وخططها الاقتصادية. أبرز ضحايا هذا التقليص هو مشروع ذا لاين، المدينة الخطية التي قُدّمت للعالم كمدينة بلا شوارع ولا سيارات وتمتد 170 كيلومترًا داخل الصحراء. وتؤكد فايننشال تايمز أن هذا المشروع سيُقلّص بشكل جذري، وأن المعماريين يعملون حاليًا على إعادة تصميمه ليصبح أكثر “تواضعًا”، مع الاستفادة فقط من البنية التحتية التي أُنجزت سابقًا. أحد المطلعين قال للصحيفة إن «ذا لاين سيكون مفهومًا مختلفًا تمامًا»، في اعتراف عملي بأن النموذج الذي جرى تسويقه دوليًا لم يكن قابلًا للتطبيق كما صُوّر. ولا يتوقف الأمر عند «ذا لاين». فوفق ما تنقله فايننشال تايمز، قد تتحول «نيوم» من مدينة مستقبلية متكاملة إلى مجرّد مركز لمراكز البيانات، في إطار سعي السلطة في “السعودية” للعب دور في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي. ويبرر المسؤولون ذلك بموقع المشروع الساحلي الذي يسمح باستخدام مياه البحر لتبريد الخوادم، لكن هذا التحول يعكس تراجعًا كبيرًا عن الوعود الأولى التي تحدثت عن مدينة ثورية تعيد تعريف أسلوب الحياة، لا مجرد بنية تحتية تقنية. وتأتي هذه المراجعة في توقيت حساس ماليًا. إذ تشير فايننشال تايمز إلى أن الرياض تحاول ضبط أوضاعها المالية بعد عقد من الإنفاق الضخم، في وقت لا تزال فيه أسعار النفط عند مستويات تضغط على الإيرادات، بينما تواجه “السعودية” التزامات إنفاق هائلة للتحضير لمعرض «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034. هذا الواقع يفرض على السلطة إعادة ترتيب الأولويات، حتى لو كان الثمن تقليص مشاريع جرى الترويج لها باعتبارها “مستقبل البلاد”. ومنذ الإعلان عن «نيوم» عام 2017، واجه المشروع تشكيكًا واسعًا داخل “السعودية” وخارجها. ورغم محاولات الإعلام الرسمي تصويره كقفزة تاريخية، إلا أن ما تنقله فايننشال تايمز اليوم يكشف أن الحكومة نفسها باتت مضطرة للاعتراف بأن التواصل حول المشروع كان مضللًا، وأن المرحلة الأولى من البناء لم تكن على مستوى التصورات المعلنة. وقد أُعلن أيضًا، بحسب الصحيفة، عن تقليص مشروع «تروجينا» الذي كان يفترض أن يستضيف الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، قبل أن تقرر الرياض سحب هذا الالتزام. كما يجري إعادة تقييم باقي المكونات مثل «أوكساگون» الصناعية واللوجستية، في سياق مراجعة شاملة بدأت بعد مغادرة الرئيس التنفيذي السابق ناظمي النصر بشكل مفاجئ في نوفمبر 2024، وتولي أيمن المديفر إدارة المشروع وإطلاق مراجعة لنطاقه وأولوياته. وتشير فايننشال تايمز إلى أن «نيوم» كان لسنوات مصدرًا ضخمًا للأرباح لشركات الاستشارات والبناء العالمية، حيث ضُخّت عشرات المليارات في ما وُصف بأنه أكبر موقع بناء في العالم. غير أن توقف الأعمال وتغيير القيادات يكشف أن المشروع لم يعد ماكينة إنفاق بلا حساب، بل بات خاضعًا لمنطق تقليل الخسائر بعد اتساع الفجوة بين الطموح السياسي والقدرة الاقتصادية. وفي بيانها للصحيفة، حاولت إدارة «نيوم» تلطيف صورة التراجع، بالقول إنها تنفذ المشاريع على مراحل وتحدد الأولويات بما ينسجم مع “الأهداف الوطنية” ويخلق “قيمة طويلة الأمد”. غير أن ما تقرأه فايننشال تايمز بين السطور هو أن “السعودية” لم تعد قادرة على تمويل أحلام مفتوحة بلا سقف، وأن صندوق الاستثمارات العامة، المالك للمشروع، يواجه ضغوطًا حقيقية لتحقيق عوائد بدل الاكتفاء بعرض مشاريع ضخمة بلا مردود واضح. فالصندوق، الذي تبلغ قيمته نحو تريليون دولار ويرأسه محمد بن سلمان نفسه، مكلّف بقيادة التحول الاقتصادي، لكنه اليوم مضطر لمراجعة محفظته من “الغيغا مشاريع” بعدما تحولت من أدوات دعاية سياسية إلى التزامات مالية ثقيلة. وهذا ما يجعل تقليص «نيوم» ليس مجرد تعديل هندسي، بل مؤشرًا سياسيًا واقتصاديًا على حدود النموذج الذي اختارته السلطة في “السعودية” لبناء شرعيتها على مشاريع عملاقة أكثر مما تحتمله الوقائع. وبينما حاول محمد بن سلمان سابقًا القول إنه مستعد لإلغاء أو تغيير أي مشروع إذا اقتضت “المصلحة العامة”، فإن ما تكشفه فايننشال تايمز اليوم هو أن المصلحة لم تعد خيارًا بل ضرورة فرضها العجز بين الخطاب والقدرة. فتقليص «نيوم» يعكس بداية تصدع في سردية “الرؤية” التي قامت على تسويق المستقبل قبل بناء أسسه الواقعية، ليصبح المشروع الذي قُدّم للعالم بوصفه مدينة القرن، مثالًا جديدًا على فجوة الطموح السياسي حين لا يواكبه حساب اقتصادي حقيقي.
