58 مليار دولار خطة الاقتراض السعودية لعام 2026

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 429
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

قالت وزارة المالية السعودية، يوم السبت، إن وزير المالية وافق على خطة الاقتراض “للسعودية” لعام 2026، مع احتياجات تمويل تبلغ نحو 217 مليار ريال (57.86 مليار دولار)، في وقت ينخفض فيه الاستثمار الأجنبي ولا تفضي مشاريع محمد ابن سلمان “التنموية” المزعومة إلى أي ضوء في نهاية النفق. وأضافت الوزارة أن هذا المبلغ مخصص لتغطية عجز متوقع في ميزانية السنة المالية 2026 بنحو 44 مليار دولار، إضافة إلى سداد أصل ديون تستحق في عام 2026 بقيمة تقارب 13.87 مليار دولار. وبحسب الميزانية، سيشكّل عام 2026 بداية «المرحلة الثالثة» من الخطة، حيث ينتقل التركيز من إطلاق الإصلاحات الاقتصادية إلى تعظيم أثرها، فيما تُعيد الرياض توجيه صندوقها السيادي البالغ حجمه 925 مليار دولار بعيدًا عن مشاريع عقارية ضخمة تأخرت، نحو قطاعات تشمل الخدمات اللوجستية والسياحة الدينية. ومن المتوقع، أن يسهم سوق الدين المحلي بنسبة تتراوح بين 20% و30% من إجمالي الاقتراض في عام 2026، في حين يسهم سوق الدين الدولي بنسبة تتراوح بين 25% و30%، وفقًا للمركز الوطني لإدارة الدين في “السعودية”. وفي خطة الاقتراض السنوية لعام 2026، قال المركز الوطني لإدارة الدين إن من المتوقع أن يسهم السوق الخاص بما يصل إلى 50% من مزيج التمويل، بما في ذلك عبر أدوات مثل تمويل مشاريع البنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات. ومؤخرا، أكدت تصريحات صادرة عن وزر المالية في “السعودية”، محمد الجدعان، ما كان يُتداول في الأوساط الاقتصادية والإعلامية -المُحذّرة من آفاق الرؤية الإقتصادية لمحمد بن سلمان- منذ مدة طويلة: وهو أن مشاريع خطة “رؤية 2030” ليست بمنأى عن الفشل أو الإلغاء، وأن المُضيّ قُدُماً فيها ليس قدراً محتوماً مهما بلغت تكلفتها أو ضخامتها. هذا الإقرار الرسمي، الذي نشرته وكالة “بلومبرغ” الاقتصادية العالمية، يمثّل تحوّلاً ملموساً في الخطاب الحكومي الذي طالما روّج للرؤية على أنها مسيرة لا رجعة فيها نحو التنمية والازدهار، ليصبح الآن خطاباً يقرّ بـ “البراغماتية” كمبرر للتخلي عن أجزاء من هذا المشروع الطموح. وتتقاطع تصريحات الجدعان مع بيان ميزانية “الحكومة السعودية” لعام 2026 التي أشارت إلى ضرورة ضبط الإنفاق الناتج عن عوامل عديدة أهمها إنخفاض أسعار النفط، ففي سياق التصريحات السياسية الأخيرة يمكن قراءة اعتراف صريح بأن مشاريع “رؤية 2030” باتت تواجه تحديات مالية وتنفيذية تفوق التوقعات، مما اضطر الحكومة إلى الكشف عن استعدادها لـ “إلغاء بعض المشاريع” ضمن البرنامج. هذا التعبير يحمل دلالة أعمق بكثير من مجرد “تأجيل” أو “تقليص” الحجم، وهي المصطلحات التي درج المسؤولون على استخدامها سابقاً لتهدئة المخاوف بشأن مشاريع مثل “نيوم” العملاقة. فالانتقال من لغة الترويج المطلق إلى لغة “الإلغاء” يكشف عن حقيقة لا مفرّ منها وهي أن حجم الالتزامات المالية التي تم التعهد بها يفوق قدرة الخزانة العامة، حتى مع الارتفاعات المتقطعة لأسعار النفط. الجدعان، في معرض حديثه، أكد أن لدى النظام “لا غرور” في التراجع عن المشاريع أو تعديلها، مشيراً إلى أنهم “إذا أعلنوا عن شيء واحتاجوا إلى تعديله، أو تأجيله أو إلغائه، فسيقومون بذلك دون تردد”. هذه العبارة، التي يفترض بها أن تكون إشارة إلى المرونة الإدارية، هي في جوهرها تبرير مُسبق للتخلي عن وعود التنمية الكبرى التي بُنيت عليها شرعية “رؤية 2030”. إنها محاولة لتغليف الفشل أو التعثر المالي بثوب “الحكمة الاقتصادية” و”الإدارة الرشيدة”، في الوقت الذي كان يجب فيه إجراء دراسات جدوى دقيقة قبل إطلاق هذه الالتزامات بمليارات الدولارات. ولعل الأهم في هذا التقرير هو التساؤل الضمني حول مصير المشاريع الأيقونية، وتحديداً مدينة “نيوم”. وعندما سُئل الوزير الجدعان عن احتمالية إدراج مشاريع “نيوم” ضمن قائمة الإلغاء، كانت إجابته تحمل الكثير من الغموض والإشارة إلى عدم اليقين، إذ قال إن القرار يعود إلى “صندوق الاستثمارات العامة” (PIF). قدّمت ميزانية عام 2026 مؤشرًا واضحًا على دخول “السعودية” مرحلة أكثر حساسية في مسار رؤية 2030، حيث تتقاطع الطموحات الاقتصادية الضخمة مع واقع مالي يزداد ضيقًا. فبعد سنوات من الترويج لمشاريع عملاقة تُقدَّم باعتبارها بوابة تحول جذري، تكشف المعطيات الجديدة –ومنها ما نشره موقع “سيمفور”– أن القدرة على تمويل هذا الحجم من الإنفاق أصبحت مقيدة، وأن مساحة المناورة المالية باتت أضيق مما تعلنه الخطابات الرسمية. التحديات لا تبدو ظرفية، بل بنيوية، تتصل بالاعتماد الثقيل على النفط، وتحوّل الإنفاق الرأسمالي إلى التزام يصعب التراجع عنه. وفي هذا السياق، يظهر العجز المالي كالعنوان الأبرز للميزانية الجديدة، بعدما أقرت التقديرات الحكومية بأن عجز 2026 سيكون أكبر من المتوقع. فمع انخفاض أسعار النفط، أصبح سعر التعادل المطلوب لتوازن الميزانية يتجاوز 90 دولارًا للبرميل وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو مستوى يصعب ضمانه في ظل التقلبات الحالية. ورغم إدراك هذا الواقع منذ سنوات، فإن ارتباط رؤية 2030 بسلسلة مشاريع مكلفة جعل تعديل الإنفاق أمرًا محفوفًا بتأثيرات سياسية ودعائية غير مرغوبة. هذا العجز يترافق مع ضغط متزايد على الاحتياطيات والأصول السيادية، إذ تحوّل اللجوء إلى السحب من الأصول الخارجية والاستدانة من أداة استثنائية إلى وسيلة اعتيادية لسد الفجوة بين الإيرادات والنفقات. وبالرغم من أن الحكومة تؤكد امتلاكها احتياطيات كبيرة، إلا أن تآكلها المتواصل يثير مخاوف جدية، خاصة أن هذه الأصول وُجدت لمواجهة الأزمات وليس لتمويل مشاريع لا تحقق عائدًا مباشرًا. ويتجاوز الأمر الجانب المالي إلى أثره في ثقة المستثمرين، خصوصًا مع اتضاح أن جزءًا من الإنفاق يذهب إلى مشاريع ذات عوائد غير مضمونة أو جداول زمنية غير واقعية. ومن بين أبرز عناصر التوتر الاقتصادي هيمنة المشاريع العملاقة على المشهد، مثل نيوم و«ذا لاين» ومشاريع البحر الأحمر. فالمؤشرات المتداولة حول تقليص بعض المكونات أو تأجيلها توحي بأن الخزانة وصندوق الاستثمارات العامة لم يعودا قادرين على مواصلة الوتيرة ذاتها. هذا التحول لا يهدد فقط الخطط المعلنة، بل يثير أسئلة حول القدرة على بناء اقتصاد متنوع فعليًا في ظل نموذج يعتمد على مشروع أو مشروعين كركائز للنمو، بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية واسعة ومستقلة. صندوق الاستثمارات العامة نفسه، الذي جرى تقديمه كأداة لتنويع الإيرادات، أصبح موضع نقد متزايد. فقد تحوّل عمليًا إلى ممول داخلي للمشاريع المكلفة، فيما تُستخدم استثماراته الخارجية لتعزيز النفوذ أكثر من توليد عوائد مستدامة. ومع احتمالات تراجع قدرة الحكومة على ضخ الأموال فيه بسبب انخفاض أسعار النفط، قد يجد الصندوق نفسه مضطرًا للتخلي عن بعض الأصول، ما يعني عمليًا تمويل التحول عبر استنزاف ثروة مستقبلية لا عبر خلق مصادر دخل جديدة.