صحيفة أجنبية: تزايد الإحباط الشعبي في “السعودية” بسبب زيادة الضغوط المعيشية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 449
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية والانتقادات الشعبية المرتبطة بارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الاستفادة من برامج الرعاية الاجتماعية، تشهد “السعودية” في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظاً في قمع حرية التعبير، وهو تصاعد لحظته أكبر الجهات الإعلامية والحقوقية الدولية. في هذا الإطار أشار تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز إلى أن النظام السعودي بات يتعامل بصرامة متزايدة مع الخطاب النقدي، خصوصاً في الفضاء الرقمي، بالتوازي مع تسارع تنفيذ السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية. ووفقاً للنماذج التي أوردها التقرير، فرضت “السلطات” في ديسمبر 2025 غرامات مالية على تسعة أشخاص، وأصدرت أوامر بإغلاق حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بذريعة نشرهم ما اعتُبر “محتوى مخالفاً”. وجاءت هذه الخطوة بعد أسابيع من اعتقال ستة أفراد في نوفمبر/تشرين الثاني، واتهامهم بـ”نشر معلومات بشكل منهجي لإثارة الرأي العام”، وهي تهمة تستخدم عادة لتجريم التعبير عن الرأي، خصوصاً عندما يتناول قضايا اقتصادية واجتماعية حساسة. وتشير إلى أن الموقوفين يواجهون الملاحقة القضائية بموجب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي ينص على عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات، إضافة إلى غرامات مالية قد تبلغ ثلاثة ملايين ريال سعودي. ورغم خطورة هذه الإجراءات، لم تعلن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام عن طبيعة المنشورات التي أدت إلى فرض الغرامات والاعتقالات، ما أثار تساؤلات حول حدود المسموح في التعبير العام .هذا عدا عن مئات حالات الإعدام التي ينفذها نظام آل سعود ضد أبناء “المنطقة الشرقية” اللذين عبروا قبل عشر سنوات أيضا عن “رأي”. وأوضحت “فايننشال تايمز” أن هذه الخطوات تتزامن مع تصاعد الانتقادات على الإنترنت بشأن تغييرات في معايير الأهلية للحصول على إعانات الرعاية الاجتماعية. واعتبرت منظمة “سند”، وهي منظمة سعودية لحقوق الإنسان مقرها المملكة المتحدة، أن ما يجري جزء من “حملات قمع رقمية متصاعدة”، مؤكدة أن السلطات تستخدم الأطر القانونية والتنظيمية لإسكات الأصوات الناقدة التي تعبّر عن استياء شعبي متزايد من السياسات الحكومية. وترى المنظمة أن هذه الاعتقالات والغرامات تمثل امتداداً لنمط من الممارسات القمعية التي تهدف إلى تقييد النقاش العام وردع المواطنين عن التعبير العلني عن تظلماتهم. ويعزز ذلك، بحسب التقرير، ما جرى في وقت سابق من عام 2025 حين عقدت هيئة تنظيم الإعلام اجتماعاً مع عدد من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي لإبلاغهم بمبادئ توجيهية جديدة للمحتوى، وهي خطوة رآها نشطاء محاولة استباقية لإحكام السيطرة على الفضاء الرقمي مع تسارع الإصلاحات الاقتصادية. ويتقاطع هذا التضييق، وفقا لتقدير الصحيفة البريطانية، مع قرارات اتخذتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تمثلت في تشديد معايير الأهلية للحصول على الدعم الاجتماعي. ومع تطبيق المعايير الجديدة، فقد كثير من المواطنين استحقاقاتهم الشهرية التي كانوا يعتمدون عليها لمواجهة أعباء المعيشة، ما أدى إلى موجة غضب عارمة على الإنترنت. ورغم عدم إعلان السلطات رسمياً عن أسماء المعتقلين، كشفت منظمة “القسط” الحقوقية، التي تتخذ من لندن مقراً لها، أن من بين الموقوفين المغني المحافظ فلاح المصري. وكان المصري قد نشر، قبل اعتقاله، مقطع فيديو تحدّث فيه عن حرمان شقيقته المبتورة الأطراف من مدفوعات الضمان الاجتماعي، مؤكداً أن من حق المواطنين التعبير عن شكاواهم، خصوصاً في ظل ما تقدمه الدولة من مليارات الدولارات كمساعدات خارجية. في المقابل، نقلت فايننشال تايمز عن مسؤول حكومي رفيع نفيه الاتهامات الموجهة للحكومة بشأن تفكيك شبكة الرعاية الاجتماعية، مؤكداً أن النظام لا يزال يشكل “أولوية مركزية”، وأن تشديد المعايير يهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى الفئات “التي تستحقه فعلاً”، مع الإشارة إلى وجود آلية استئناف للمتضررين. لكن هذه التبريرات لم تخفف من حدة الاستياء الشعبي، خاصة بعد الحادثة التي أثارت جدلاً واسعاً في أكتوبر، عندما نشر رجل الأعمال يزيد الراجحي، ابن عم وزير الموارد البشرية، مقطع فيديو من طائرة خاصة دعا فيه إلى عدم قبول أي “حديث سلبي عن الحكام”، حتى في الأماكن الخاصة. وقد أثارت هذه التصريحات، بحسب فايننشال تايمز، حملة مقاطعة واسعة ضد شركاته، في دلالة على الفجوة المتنامية بين النخب الاقتصادية وواقع الضغوط المعيشية للمواطنين. ويخلص التقرير إلى أن هذه التطورات تعكس تضييقاً متزايداً على مساحة النقد المقبول في “السعودية”. فبحسب الباحث أندرو ليبر من جامعة تولين، الذي نقلت الصحيفة رأيه، كانت الشكاوى المتعلقة بتكاليف المعيشة أو البطالة تُتسامح معها نسبياً في السابق، لكن الاعتقالات الأخيرة تؤكد أن ما يُسمح به اليوم لا يتعدى “النقد المهذب” الصادر عن شخصيات مختارة بعناية. وهو ما يجعل الفجوة بين طموحات الإصلاح الاقتصادي وواقع حرية التعبير تتسع أكثر من أي وقت مضى.