وعود الاستثمار السعودي في أميركا..ضرورة الاستعراض السياسي
نشرت صحيفة “ساوث تشاينا مورننغ بوست” تقريرا سلطت فيه الضوء على الاستثمارات السعودية الموعودة في الولايات المتحدة، ونقلت عن محللين قولهم إن هدف الرياض الاستثماري الذي يقترب من تريليون دولار أميركي قد لا يكون قابلًا للتحقق – وإنه أقرب إلى استعراض سياسي منه إلى التزام مُلزِم. وأضافوا أن هذا التعهد – الذي أُعلن عندما زار محمد بن سلمان واشنطن الشهر الماضي – كان أقرب إلى “استعراض سياسي” منه إلى التزام مُلزِم فعليًا. ويمثل هذا التعهد زيادة على مبلغ 600 مليار دولار كان قد أُعلن عنه في مايو/أيار، عندما زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرياض. ويأتي التعهد الأخير في وقت تتصاعد فيه حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، بما في ذلك صراع النفوذ داخل “السعودية” الغنية بالنفط. وبالمقارنة، وقّعت الصين و”السعودية” صفقات تجارية بقيمة تقارب 30 مليار دولار عندما زار الرئيس الصيني شي جين بينغ الرياض عام 2022. وقد شملت الصفقات التجارية الجديدة التي وُقعت بين الرياض وواشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني مجالات البنية التحتية الأميركية، والتكنولوجيا، والصناعة، وتضمنت اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، ومذكرة تفاهم بشأن الذكاء الاصطناعي. وفي حين قال البيت الأبيض إن هذه الصفقات عمّقت الثقة بين البلدين، شكك محللون في مدى قابليتها للتنفيذ. وقال نيو شينتشون، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، إن حجم الاستثمارات التي يمكن للرياض أن تضخها واقعيًا في الولايات المتحدة “سؤال يصعب الإجابة عنه”. وكتب نيو في مجلة “وورلد أفيرز”، المرتبطة بوزارة الخارجية الصينية، أن أسعار النفط العالمية لا تزال منخفضة في ظل وفرة المعروض، وأن الرياض رفعت إنفاقها على مشاريع التنمية. وقال: “مع بقاء أسعار النفط العالمية منخفضة واستمرار توسع الإنفاق المحلي بوتيرة مفرطة، تجد السعودية صعوبة في تحقيق توازن بين إيراداتها ونفقاتها”. وأشار إلى أن الرياض أبرمت صفقات والتزامات مع الولايات المتحدة بقيمة 450 مليار دولار خلال زيارة ترامب عام 2017، لكنها لم تتحقق بالكامل. وأضاف أنه حتى لو نمت الصادرات الأميركية إلى “السعودية” بمعدل سنوي متوسط قدره 10 في المئة، فسيظل هناك عجز كبير لا يمكن سده إلا عبر الاستثمارات. ومن المتوقع أن تظل أسعار النفط ضعيفة خلال السنوات المقبلة، وكانت الرياض قد توقعت في وقت سابق من هذا الشهر عجزًا قدره 165 مليار ريال (44 مليار دولار) في عام 2026، أي ما يعادل نحو 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أشار تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي إلى أن العام المقبل سيكون “محوريًا” للرياض، مع دخولها “بيئة أكثر تحديًا تتسم بانخفاض أسعار النفط وارتفاع الاحتياجات التمويلية”. وبحسب نيو، فإن ذلك يعني أن الاستثمارات الخارجية “للسعودية” “لن تكون لها مصادر تمويل جديدة”. وكتب: “أي زيادة في الاستثمار الخارجي ستضطر بالتالي إلى أن تُموَّل عبر الاقتراض أو بيع أصول قائمة”. من جانبه، أشار جون كالابريس، الخبير في السياسة الخارجية الأميركية بجامعة أميركان ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، إلى أن التزام الرياض برؤية 2030 – وهو برنامج يهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط – سيستحوذ على معظم القدرة الاستثمارية “للسعودية”. ويُدير صندوق الثروة السيادي السعودي – صندوق الاستثمارات العامة – حاليًا أصولًا تُقدّر بنحو تريليون دولار. ويُعد الصندوق، المملوك لآل سعود، مصدرًا رئيسيًا للاستثمارات الخارجية للرياض. غير أن إنفاقه المحلي على مشاريع تطوير رؤية 2030 قد تجاوز بالفعل 70 في المئة من إجمالي أموال الصندوق، بحسب ما قال محافظه في وقت سابق من هذا العام. وقال كالابريس: “تظل متطلبات الإنفاق في إطار رؤية 2030 هائلة، حتى مع تأجيل أو تقليص بعض المشاريع الكبرى – وعلى رأسها نيوم”. وكان يشير إلى مشروع مدينة “ذا لاين” في الصحراء، الذي تُقدَّر كلفته بنحو 500 مليار دولار، وقد تعرض لتأخيرات. وبعد فترة وجيزة من إعلان الرياض تعهدها باستثمار تريليون دولار في الولايات المتحدة، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن الصندوق السعودي يواجه تحديات مالية وأن لديه عددًا من المشاريع المتعثرة. كما قال محللون إن التعهد كان في جوهره مسألة شكلية. وقال جيسي ماركس، المدير التنفيذي لشركة “ريهلا للأبحاث والاستشارات” في واشنطن، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط: “من الأفضل فهم التزام السعودية بتريليون دولار تجاه الولايات المتحدة بوصفه استعراضًا سياسيًا، لا التزامًا مُلزِمًا”. وأضاف: “هذه المرونة هي ما يجعله قابلًا للتحقق اسميًا، رغم القيود المالية الكبيرة والمستمرة التي تواجهها “السعودية””. وتابع: “تنفيذ استثمارات بحجم تريليون دولار يعتمد كليًا على كيفية تعريف مفهوم ’الاستثمار‘، وعلى حجم الرافعة المالية المستخدمة، وعلى الإطار الزمني، وليس على القدرة السيادية الخالصة على كتابة شيكات”. ونقلت الصحيفة عن يحيى زبير، الزميل غير المقيم البارز في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة، قوله إن هناك مصادر متعددة محتملة للاستثمار – من الصناديق الحكومية مثل صندوق الاستثمارات العامة، إلى الأموال المقترضة، والمستثمرين الأجانب في السعودية، ورأس المال الخاص والمؤسسي. وتصريحه بأن الرياض تمارس “دبلوماسية دفتر الشيكات”، لكنها تستخدم أيضًا هذا “الحشد الرأسمالي” لخدمة مبادراتها الخاصة مثل رؤية 2030. وأضاف: “تريد السعودية استخدام أموالها الخاصة كمغناطيس لجذب حجم أكبر بكثير من الاستثمارات الخارجية”. وبحسب كالابريس، قد تكون الصين أيضًا عاملًا مؤثرًا في تعهد الاستثمار. فالقطاعات الاستراتيجية – مثل الأسلحة والذكاء الاصطناعي – ستكون في صلب الصفقات السعودية-الأميركية، وهي في الوقت نفسه مجالات يتجلى فيها التنافس بين الصين والولايات المتحدة. وكان سلمان قد تعهد أيضًا بتعميق العلاقات في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي عندما زار كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي الرياض في وقت سابق من هذا الشهر.
