منظمة| خلف واجهة الرفاه: العمّال المهاجرون في الخليج بين الحرّ القاتل وغياب الحماية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 332
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

في تقرير حديث، تسلّط منظمة أميكريون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين الضوء على الفجوة الواسعة بين الصورة اللامعة التي تُسوَّق عن دول الخليج، بمدنها الحديثة وبناها التحتية المتطورة ومرافقها السياحية الفاخرة، وبين الواقع القاسي الذي يعيشه العمّال الذين يقفون خلف هذا المشهد. ويبيّن التقرير أن المناخ الحار والمشمس، الذي يُقدَّم عالميًا بوصفه عامل جذب سياحي، يتحوّل بالنسبة إلى آلاف العمّال إلى مصدر معاناة يومية، إذ يُجبرون على أداء أعمال شاقة بدنيًا في ظروف مناخية قاسية تمتد معظم أشهر السنة، مع هامش ضئيل للحماية أو التعويض. ويشير التقرير إلى أن الجزء الأكبر من القوة العاملة في دول الخليج، ولا سيما في الإمارات، يتكوّن من عمّال مهاجرين يشغلون وظائف أساسية في قطاعات البناء والنقل والخدمات. ويُلاحظ أن هؤلاء العمّال غالبًا ما يعملون في مواقع مفتوحة ومعرّضة مباشرة للشمس، في ظل درجات حرارة مرتفعة ورطوبة عالية، ما يجعل بيئة العمل محفوفة بالمخاطر الصحية. وفي هذا السياق، تُبرز منظمة أميكريون أن أنماط التوظيف السائدة، وعلى رأسها نظام الكفالة، تسهم في تكريس اختلال واضح في ميزان القوة بين أصحاب العمل والعمّال، وتُقيّد قدرة هؤلاء الأخيرين على الاعتراض أو المطالبة بحقوقهم. ووفق ما ينقله التقرير، فإن هذا الواقع لا يقتصر على دولة بعينها، بل يشكّل ظاهرة إقليمية. إذ تستشهد المنظمة بتقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش نُشر في نوفمبر الماضي، وثّق تعرّض العمّال المهاجرين في السعودية وقطر والإمارات لساعات عمل طويلة في ظروف قاسية أدّت إلى مخاطر صحية جسيمة. وأفاد التقرير بظهور حالات إغماء وتقيؤ وأعراض أخرى مرتبطة بالإجهاد الحراري، أثناء العمل في درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية مع مستويات رطوبة مرتفعة، ما يعكس حجم الخطر الذي يواجهه العمّال بشكل يومي. وفي مثال أكثر تفصيلًا، يستعرض تقرير أميكريون ما ورد في وثيقة حديثة صادرة عن منظمة العفو الدولية حول أوضاع العمّال المشاركين في بناء مشروع مترو الرياض. وتكشف الوثيقة عن سلسلة من الانتهاكات تبدأ قبل وصول العمّال إلى مواقع العمل، مرورًا بظروف التوظيف، وصولًا إلى بيئة العمل نفسها. وبحسب ما ورد، قابلت العفو الدولية 38 عاملًا من بنغلادش والهند ونيبال عملوا لدى شركات أجنبية وسعودية مختلفة بين عامي 2014 و2025. وأظهرت المقابلات أن كثيرين منهم اضطروا لدفع رسوم توظيف مرتفعة تراوحت بين 700 و3500 دولار أمريكي، ما دفعهم إلى الاستدانة ووضعهم منذ البداية في موقع ضعف اقتصادي واجتماعي. وعند وصولهم إلى السعودية، واجه هؤلاء العمّال واقعًا أكثر قسوة، إذ تقاضوا أجورًا تقل عن دولارين في الساعة مقابل العمل لأكثر من 60 ساعة أسبوعيًا. وتفاقمت هذه الظروف بفعل الحرارة الشديدة، حيث بقيت درجات الحرارة صيفًا فوق 40 درجة مئوية معظم ساعات النهار. وقد وصف بعض العمّال هذه التجربة بأنها أشبه بالعمل في “الجحيم”، في تعبير يعكس مستوى الإرهاق الجسدي والنفسي الذي تعرضوا له. وعلى صعيد السياسات العامة، يلاحظ التقرير أن استجابة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لمخاطر الحرّ لا تزال محدودة. فالإجراءات المعتمدة، مثل “حظر العمل وقت الظهيرة” بين الساعة 12:00 ظهرًا و3:00 عصرًا، تبدو غير كافية بالنظر إلى طول ساعات العمل وشدة الحرارة قبل وبعد هذا التوقيت. كما أن الاكتفاء بتوجيهات عامة حول شرب الماء أو الاستراحة في الظل لا يعالج جذور المشكلة، خصوصًا في ظل غياب آليات رقابة صارمة تضمن التزام أصحاب العمل بهذه التدابير. ويتجاوز التقرير الإطار العمالي ليضع هذه الانتهاكات ضمن سياق أوسع يرتبط بتغيّر المناخ والسياسات الطاقوية. ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة ارتفاعًا متزايدًا في درجات الحرارة، لا تزال الانبعاثات المرتبطة بالوقود الأحفوري تُعامل كملف ثانوي في المفاوضات الدولية. وقد برز ذلك خلال مؤتمر COP30 الأخير في البرازيل، حيث تمّ إلى حدّ كبير تجاهل مسألة خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، ما أضعف مخرجات المؤتمر وأثار تساؤلات حول جدية الالتزامات المناخية. وفي ظل التوسّع المستمر في المشاريع العملاقة، مثل مشاريع البنية التحتية الإقليمية وخط “سكة حديد الخليج” الذي يمتد عبر الصحراء لربط ست دول، يزداد العبء الواقع على العمّال المهاجرين. ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا النهج، من دون إدماج حقيقي لمعايير حماية العمّال والاعتبارات المناخية، يعني أن كلفة التنمية ستظل تُدفع من أجساد الفئات الأكثر هشاشة، بعيدًا عن الأضواء التي تروّج لقصص النجاح والازدهار.