من الشيخ النمر إلى السيد نصر الله: تجسيد لمسار “الكرامة تنتصر”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 465
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

حين تُستعاد سيرة الشيخ نمر باقر النمر بعد عشر سنوات على إعدامه، لا تُستعاد بوصفها حكاية عالم دين قُتل لأنه قال كلمة حق فحسب، بل بوصفها سيرة موقف كامل اختار الكرامة طريقًا ورفض الخضوع مهما بلغت الكلفة. في هذا المعنى، تلتقي سيرة الشيخ النمر مع سيرة السيد حسن نصر الله، الذي استشهد خلال الحرب الأخيرة على لبنان نتيجة استهداف صهيوني مباشر، بعدما أمضى حياته في مواجهة مشروع الإخضاع والهيمنة ورفض منطق الاستسلام. رجلان اختلفت ساحات المواجهة بينهما، لكن جمعتهما قناعة واحدة: أن الكرامة ليست شعارًا ظرفيًا، بل خيارًا وجوديًا، وعلى قناعة أن “الكرامة تنتصر”. لم يكن الشيخ نمر باقر النمر رجل دين تقليديًا في سياق سياسي مغلق لا يحتمل النقد أو الاعتراض. منذ بداياته، اختار المواجهة السلمية العلنية، وطالب بحقوق شعبه بوضوح وصراحة، مدركًا أن الكلمة الحرة في نظام قائم على القمع قد تكون حكمًا بالإعدام. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يبحث عن تسوية تحفظ حياته على حساب قناعاته، فحوّلته السلطة السعودية إلى شهيد، ظنًا منها أن القتل قادرٌ على إخماد الصوت. لكن ما جرى كان العكس تمامًا: تحوّل الشيخ النمر إلى رمز، وتحوّل دمه إلى شاهد دائم على عجز القمع عن إسكات الحقيقة. منذ اللحظة الأولى لإعدامه في 2 كانون الثاني/يناير 2016، تعامل السيد حسن نصر الله مع القضية بوصفها قرارًا سياسيًا لا قضائيًا، معتبرًا أن نظام آل سعود استخدم القضاء غطاءً لتصفية صوت إصلاحي اختار المواجهة العلنية السلمية بدل الصمت أو المساومة. ففي قراءته، لم يكن الشيخ النمر متهمًا بعمل عنفي، ولا بقيادة تنظيم مسلح، ولا بالدعوة إلى القتال -لعلمه بأن ظروف المقاومة المسلحة لم تكن متاحة بعد- بل كان رجل دين إصلاحيًا صدح بالمطالبة بحقوق أساسية، من بينها العدالة والمساواة وحق الشعب في المشاركة السياسية، وهو ما اعتُبر في نظام مغلق جريمة تستوجب الإعدام. قدّم السيد نصر الله، في خطاباته، الشيخ النمر كنموذج لعالم الدين الذي جمع بين المشروعية الدينية والجرأة السياسية، وهي معادلة ترى فيها الأنظمة السلطوية تهديدًا مباشرًا. فخطر الشيخ النمر، بحسب هذا التوصيف، لم يكن في حجم تأثيره التنظيمي، بل في رمزية خطابه، وفي قدرته على مخاطبة الناس بلغة واضحة وصريحة، من دون خوف أو مواربة، وفي بيئة اعتادت على تجريم الاعتراض وتحويل المطالبة السلمية إلى تهمة أمنية. وفي سياق أوسع، وضع، الأمين العام السابق لحزب الله، جريمة إعدام الشيخ النمر ضمن بنية تاريخية وسياسية تتجاوز الحدث نفسه، رابطًا بينها وبين طبيعة النظام السعودي ووظيفته الإقليمية. ووفق هذه القراءة، لا يُفهم الإعدام بوصفه إجراءً استثنائيًا أو رد فعل ظرفيًا، بل باعتباره امتدادًا لسياسة ثابتة تقوم على إقصاء أي صوت مستقل، دينيًا كان أم سياسيًا، شيعيًا أم سنيًا، إصلاحيًا أم ليبراليًا. ومن هنا، شدّد السيد نصر الله على أن اختزال القضية في إطار طائفي يخدم الجناة، ويُبعد الأنظار عن جوهر الصراع، الذي يتمثل في علاقة سلطة مغلقة بكل أشكال المعارضة. هذا الإصرار على نزع الطابع الطائفي عن قضية الشيخ النمر شكّل محورًا أساسيًا في خطاب نصر الله، الذي قارن بين ما جرى في “السعودية” وما يحدث في بلدان أخرى في المنطقة، حيث يُزجّ بعلماء وقادة سياسيين في السجون بسبب تمسكهم بالعمل السلمي. وفي هذا الإطار، قُدّم الشيخ النمر كحالة كاشفة، لا استثنائية، تؤكد أن المشكلة ليست في هوية المعارض، بل في طبيعة الأنظمة التي ترى في أي كلمة مستقلة تهديدًا وجوديًا. كما وضع السيد حسن نصر الله إعدام الشيخ النمر في سياق سياسي إقليمي متوتر، معتبرًا أن توقيته لم يكن منفصلًا عن محاولات “السلطة السعودية” إعادة إنتاج الهيبة داخليًا في ظل أزمات إقليمية متصاعدة. ووفق هذه المقاربة، شكّل الإعدام رسالة ردع للداخل السعودي قبل أي شيء آخر، مفادها أن النظام مستعد لاستخدام أقصى درجات العنف لإسكات أي صوت معارض. غير أن هذه الرسالة انقلبت على أصحابها، إذ أدت إلى نتيجة معاكسة تمثلت في تحويل الشيخ النمر إلى رمز عالمي للظلم والقمع. في المقابل، جسّد السيد نصر الله المسار الآخر للمعادلة نفسها: مواجهة مشروع خارجي قائم على الاحتلال والهيمنة، ورفض الخنوع للوجود الإسرائيلي مهما بلغت الكلفة. فمنذ انخراطه في مشروع المقاومة، عاش نصر الله مستهدَفًا، وخاض حروبًا مدمّرة، وهو يدرك أن هذا الخيار قد يقوده إلى الشهادة. واستشهاده خلال الحرب الأخيرة على لبنان لم يكن حدثًا منفصلًا عن مسيرته، بل تتويجًا لمسار طويل من الرفض والمواجهة، ورسالة إضافية على أن الكرامة ليست خطابًا تعبويًا، بل التزامًا يُدفع ثمنه حتى النهاية. بعد عشر سنوات على إعدام الشيخ نمر باقر النمر، ومع استشهاد السيد حسن نصر الله، تتأكد الفكرة التي حاول القَتَلةُ نفيها بالقوة: أن القتل لا يُنهي القضايا، بل ينقلها إلى مستوى أعلى. لم تُغلق قضية الشيخ النمر، ولم تُمحَ آثار دمه، بل تحوّلت إلى معيار يُقاس به مسار القمع في “السعودية”، كما تحوّل استشهاد نصر الله إلى علامة فارقة في مسار الصراع مع الاحتلال، ودليل على أن خيار المقاومة، وإن كان مكلفًا، يبقى الخيار الوحيد الذي يحفظ المعنى. في المحصلة، لا تُستعاد ذكرى الشيخ نمر باقر النمر بعد عقد من الزمن بوصفها حدثًا من الماضي، بل بوصفها لحظة تأسيسية لمرحلة انتقل فيها القمع من كونه أداة ظرفية إلى سياسة ثابتة. وفي هذا الاستحضار، يلتقي اسمه مع اسم السيد حسن نصر الله في خلاصة واحدة تختصر التجربتين معًا: قد يُهزم الجسد، وقد يُغتال القائد، وقد يُعدم العالم، لكن ما دام هناك من يرفض الذل، فإن الكرامة تنتصر.