دراسة حقوقية: التمييز الممنهج للنساء في “السعودية” في ملف الإعدامات
أصدرت منظمة القسط لحقوق الإنسان والمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان دراسة مطوّلة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة تناولت واقع النساء اللواتي واجهن عقوبة الإعدام في “السعودية” خلال العقد الأخير، في محاولة لتسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في سجل حقوق الإنسان في البلاد. وترصد الدراسة الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2025، وهي مرحلة تزامنت مع تحولات سياسية كبيرة داخل الدولة، ومع إطلاق خطاب رسمي مكثّف يتحدث عن “تمكين المرأة” و“الإصلاحات الاجتماعية” ضمن مشاريع التحديث المرتبطة برؤية 2030. غير أن التقرير يخلص إلى وجود تناقض عميق بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية في مجال العدالة الجنائية، خصوصًا في ما يتعلق بعقوبة الإعدام بحق النساء. ويشير التقرير إلى أن هذا العقد شهد ارتفاعًا مقلقًا في عدد النساء اللواتي نُفذت بحقهن أحكام الإعدام، في ظل منظومة قضائية يصفها التقرير بأنها تعاني من ضعف الشفافية وغياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. كما يلفت إلى أن النساء اللواتي يواجهن هذه العقوبة غالبًا ما يمررن بسلسلة من الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال وحتى تنفيذ الحكم، ما يجعل قضية الإعدام بحق النساء في “السعودية” جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بعمل النظام القضائي وبالضمانات القانونية المتاحة للمتهمين. تصاعد مقلق في إعدام النساء خلال عقد من التحولات السياسية تشير الدراسة إلى أن الفترة التي يغطيها التقرير تزامنت مع مرحلة سياسية وإعلامية ركّزت فيها السلطات في “السعودية” على إبراز صورة جديدة للدولة باعتبارها تتجه نحو الانفتاح الاجتماعي وتعزيز مشاركة النساء في المجال العام. وقد رُوّج لهذه الصورة عبر سلسلة من القرارات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، مثل السماح للنساء بقيادة السيارات وتوسيع حضورهن في سوق العمل. غير أن التقرير يرى أن هذه الصورة الإصلاحية تتناقض مع ما يجري داخل النظام القضائي، حيث شهدت السنوات نفسها ارتفاعًا ملحوظًا في تنفيذ أحكام الإعدام بحق النساء. وبحسب ما توثقه المنظمتان، فإن هذه الحالات لم تعد نادرة أو استثنائية كما كانت في فترات سابقة، بل أصبحت تظهر بوتيرة أكبر خلال السنوات الأخيرة من العقد المشمول بالدراسة. ويرى التقرير أن هذا التطور يعكس تحولًا في طريقة تعامل السلطات القضائية مع القضايا التي تتورط فيها نساء، بحيث لم تعد هناك أي مؤشرات على وجود معايير خاصة أو اعتبارات إنسانية تقلل من اللجوء إلى عقوبة الإعدام في هذه الحالات. كما يلفت التقرير إلى أن المعلومات الرسمية حول هذه القضايا غالبًا ما تكون محدودة للغاية، إذ تكتفي السلطات في كثير من الأحيان بالإعلان عن تنفيذ الحكم دون نشر تفاصيل كافية عن ملابسات القضية أو مسار المحاكمة أو طبيعة الأدلة التي استندت إليها المحكمة. ويؤدي هذا الغموض إلى صعوبة تقييم مدى التزام الإجراءات القضائية بالمعايير الدولية، ويجعل من الصعب على المنظمات الحقوقية أو المجتمع الدولي التدقيق في هذه القضايا بشكل كامل. ويرى معدّو الدراسة أن هذا الغياب للشفافية يساهم في خلق بيئة قضائية يصعب فيها محاسبة السلطات أو مراجعة الأحكام، خصوصًا في القضايا التي تنتهي بأقصى العقوبات. وفي ظل هذه الظروف، تصبح عقوبة الإعدام بحق النساء في “السعودية” قضية لا ترتبط فقط بعدد الحالات المسجلة، بل أيضًا بطبيعة النظام القانوني الذي يسمح بصدور مثل هذه الأحكام وتنفيذها دون رقابة كافية. مسار قضائي مليء بالانتهاكات منذ الاعتقال حتى المحاكمة أحد أبرز الاستنتاجات التي يطرحها التقرير هو أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء لا تقتصر على مرحلة الحكم القضائي، بل تبدأ في كثير من الأحيان منذ لحظة الاعتقال الأولى. فوفق ما ترصده المنظمتان، غالبًا ما تُعتقل النساء في ظروف لا تتوفر فيها الضمانات القانونية الكافية، مثل إبلاغ المتهمة بشكل واضح بالتهم الموجهة إليها أو تمكينها من الحصول على مساعدة قانونية مبكرة. وتشير الدراسة إلى أن مرحلة التحقيق تعد من أكثر المراحل حساسية في القضايا الجنائية، لأنها تشكل الأساس الذي تُبنى عليه بقية الإجراءات القضائية. وفي هذا السياق، يوثق التقرير حالات واجهت فيها نساء ظروف احتجاز صعبة أو ضغوطًا نفسية خلال التحقيقات، ما قد يؤثر على طبيعة الأقوال التي تُدلي بها المتهمة وعلى الاعترافات التي قد تُستخدم لاحقًا كأدلة أمام المحكمة. كما يلفت التقرير إلى أن بعض القضايا اعتمدت بشكل كبير على الاعترافات التي أدلت بها المتهمات خلال التحقيق، في ظل غياب ضمانات كافية للتحقق من الظروف التي أُخذت فيها هذه الاعترافات. ويؤكد أن غياب الرقابة المستقلة على التحقيقات، إلى جانب محدودية الوصول إلى محامين، يجعل من الصعب التأكد من أن الإجراءات تمت بطريقة تحترم المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. ومن القضايا التي يثيرها التقرير أيضًا مسألة ضعف التمثيل القانوني في بعض المحاكمات، حيث تجد المتهمات أنفسهن في مواجهة نظام قضائي معقد دون امتلاك الوسائل الكافية للدفاع عن أنفسهن. وقد يؤدي ذلك إلى خلل واضح في ميزان العدالة، خاصة عندما تكون المتهمة غير قادرة على فهم الإجراءات القانونية أو على الطعن في الأدلة المقدمة ضدها. ويرى معدّو الدراسة أن هذه العوامل مجتمعة تضع النساء في “السعودية” أمام مسار قضائي محفوف بالمخاطر، حيث يمكن أن تتراكم الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال وحتى صدور الحكم النهائي، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى عدالة الأحكام التي تنتهي بعقوبة الإعدام. العاملات المنزليات المهاجرات في قلب الأزمة يخصص التقرير جزءًا مهمًا من تحليله لوضع العاملات المنزليات المهاجرات في “السعودية”، باعتبارهن من أكثر الفئات عرضة للمخاطر القانونية والانتهاكات المرتبطة بعقوبة الإعدام. ويشير إلى أن سوق العمل المنزلي في البلاد يعتمد بشكل كبير على النساء القادمات من دول آسيوية وأفريقية، اللواتي يعملن في ظروف غالبًا ما تتسم بعدم التوازن في العلاقة مع أصحاب العمل. وتوضح الدراسة أن بعض القضايا التي انتهت بإعدام نساء تتعلق بعاملات منزليات اتُهمن بقتل أصحاب العمل أو أحد أفراد الأسرة التي يعملن لديها. إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه القضايا لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقة بين العاملة وصاحب العمل، والتي قد تتضمن في بعض الأحيان سوء معاملة أو استغلالًا أو ظروف عمل قاسية. وتلفت المنظمتان إلى أن العاملات المهاجرات يواجهن تحديات إضافية تجعل دفاعهن عن أنفسهن أكثر صعوبة. فالكثير منهن لا يتحدثن اللغة العربية بطلاقة، وقد لا تتوفر لهن خدمات ترجمة كافية خلال التحقيقات أو المحاكمات، ما يؤدي إلى سوء فهم أقوالهن أو إلى عدم نقل روايتهن بشكل دقيق أمام القضاء. كما أن وضعهن القانوني والاجتماعي قد يجعل من الصعب عليهن الوصول إلى الدعم القانوني أو القنصلي في الوقت المناسب، خاصة في المراحل الأولى من القضية. ويؤكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تجعل العاملات المهاجرات أكثر عرضة لأن يجدن أنفسهن في مواجهة أحكام قاسية، بما في ذلك عقوبة الإعدام. ويشير التقرير أيضًا إلى أن النظام القائم على الكفالة في “السعودية” يساهم في تكريس هذا الاختلال في العلاقة بين العاملات وأصحاب العمل، حيث ترتبط إقامة العاملة بصاحب العمل نفسه، ما قد يزيد من هشاشتها القانونية ويحد من قدرتها على الإبلاغ عن الانتهاكات التي قد تتعرض لها. خطاب الإصلاح وصورة “السعودية” في الخارج تؤكد الدراسة أن تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام بحق النساء يتناقض بشكل واضح مع الصورة التي تسعى السلطات في “السعودية” إلى تقديمها على الساحة الدولية. فمنذ إطلاق رؤية 2030، ركزت الحكومة بشكل كبير على إبراز الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي يُقال إنها تهدف إلى تحديث المجتمع وتعزيز دور المرأة. لكن التقرير يرى أن التركيز على هذه الإصلاحات غالبًا ما يُستخدم لإبراز صورة إيجابية عن البلاد في الخارج، بينما تبقى قضايا أساسية مثل العدالة الجنائية وحقوق الإنسان خارج دائرة الاهتمام الدولي بالقدر الكافي. ويشير إلى أن هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يعكس خللًا عميقًا في عملية الإصلاح نفسها، حيث يتم الترويج لتغييرات اجتماعية محدودة في الوقت الذي تستمر فيه ممارسات قضائية تقوض الحقوق الأساسية. كما ترى المنظمتان أن المجتمع الدولي يتحمل جزءًا من المسؤولية في هذا السياق، إذ إن التركيز على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية للعلاقات مع “السعودية” غالبًا ما يطغى على الاهتمام بالملفات الحقوقية. ويؤدي ذلك إلى تقليص الضغوط الدولية التي يمكن أن تدفع نحو إصلاحات حقيقية في النظام القضائي. ويخلص التقرير إلى أن قضية النساء اللواتي يواجهن عقوبة الإعدام تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الحديث عن الإصلاح في “السعودية”. فحماية الحق في الحياة وضمان المحاكمة العادلة يجب أن تكونا في صلب أي عملية إصلاحية حقيقية، وليس مجرد شعارات تُستخدم لتحسين الصورة الدولية. وفي ضوء ذلك، تدعو منظمتا القسط والمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه القضية، تشمل تعزيز الشفافية في النظام القضائي، وضمان الحق الكامل في الدفاع القانوني، ومراجعة القضايا التي قد تكون شابتها انتهاكات للإجراءات القانونية. كما تشددان على ضرورة أن يولي المجتمع الدولي اهتمامًا أكبر لهذه القضايا، باعتبارها جزءًا أساسيًا من تقييم أوضاع حقوق الإنسان في “السعودية”.

