السعودية الجديدة هل ينهي ابن سلمان اتفاق عبد العزيز روزفيلت بعد 78 عاما ويفتح عهدا جديدا مع “شي جين بينغ”

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 3380
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

كمال خلف

جميع الأنظار في المنطقة تتجه الى السعودية هذه الأيام، ثمة تغييرات ثورية صنعها الأمير محمد بن سلمان داخل المملكة استغرقت سنوات، اثارت الجدل ولكنها افضت في النهاية الى نوع من الانتقال نحو مرحلة اكثر تطورا وحداثة. واليوم المقاربات الجديدة للسياسية الخارجية السعودية محط اهتمام للنخبة السياسية في الإقليم والعالم، ومحل اهتمام واسع لوسائل الإعلام العالمية. لم يكن الاتفاق الإيراني السعودي برعاية صينية تفصيلا بسيطا، ولم تكن القرارات المستقلة للملكة في ” أوبك بلاس” عابرة في ميدان رصد السياسات للدول. فضلا عن التقارب السعودي التركي بعد عداء وتوتر وحملات إعلامية متبادلة، والتقارب الحاصل الان مع سورية بعد قطيعة العشر سنوات الماضية. والاهم تبديد السعودية الآمال الامريكية الإسرائيلية ان تكون التالية في عملية التطبيع مع إسرائيل بعد الامارات والبحرين والسودان والمغرب.

تعتمد الاسرة الحاكمة في السعودية منذ نشأتها عام 1932على حليفين الولايات المتحدة ورجال الوهابية وفي الوقت الذي بنيت العلاقة على أساس الحماية الامريكية مقابل النفط لدى الحليف الأول، فان الحليف الثاني “الوهابية” كانت تعمل على نشر المدارس الدينية في انحاء العالم حيث يتعلم فيها الطلاب كراهية الحليف الأول “أمريكا”.

تلك وصفة هجينة وعجيبة في مسار العلاقات الدولية، أدت الى توريط اسم السعودية في كثير من اعمال الإرهاب الدولي التي قامت بها عناصر متطرفة تحمل الفكر الوهابي، ولعل ابرزها كان هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

ليست هذه المفارقة الوحيدة، فالولايات المتحدة تشكل الحليف العضوي لإسرائيل والداعم الرئيسي لها في احتلالها لارض فلسطين العربية، وبذات الوقت هي الحليف الوثيق للملكة السعودية التي دعمت الثورة الفلسطينية وقادت الجهود العربية لادانة الاحتلال.

خلال السنوات الماضية وبينما كان العالم العربي يعيش اسوء مراحل التمزق والتفتت الداخلي والتناحر الدموي، حاولت الولايات جر السعودية الى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن تلك المحاولات لم تنجح ولم يكن الامر سهلا كما توقعت الإدارة الامريكية وحليفها في تل ابيب.

كان لدى الولايات المتحدة والسعودية قاسم مشترك وحيد وهو محاربة تمدد الشيوعية في حقبة الحرب الباردة. لم يعد اليوم شراكة من هذا النوع في الصراع العالمي. لكن ثمة ما هو اهم. اذا نظرنا الى السعودية القديمة قبل عهد الأمير محمد بن سلمان نجد ان مسألة القيم كانت تمثل هوة كبيرة بين المملكة وبين الولايات المتحدة والمنظومة الغربية. فهناك تباعد أساسي في هذا المضمار، لكن بعد ان اجرى محمد بن سلمان تغيرات جذرية كبيرة مست عمق المجتمع ومنظومة القوانين والتشريعات الناظمة للحياة العامة، فان هذه الهوة ضاقت. وللمفارقة فان إزالة ابن سلمان للكثير من العقبات في مسألة ما يسميه الغرب “القيم المشتركة ” ترافقت مع حالة من الابتعاد السعودي عن الولايات المتحدة بشكل هادئ بدلا من ان يحدث العكس.

 ويبدو ان الأمير الشاب بات ينظر الى القوس الاستراتيجي الاوسع في معادلات العلاقات الدولية والتحولات في بيئة النظام العالمي واتجاهاته المستقبلية. اذ لا يمكن للسعودية ان تتقدم وتكون في الجانب الصحيح من التاريخ بدون الاعتماد على الرؤى الاستراتيجية. وفي هذا السياق ولد الاتفاق الإيراني السعودي برعاية من الصين، وقبله اتفاق المصالحة السعودي التركي وبعده عودة العلاقات السعودية السورية الخ.

نحن امام مملكة سعودية جديدة تتشكل

 أولا : من تحولات جذرية داخلية، ماتزال تعاني من بعض العشوائية والاستعجال، ولكن قد يكون هذا في سياق أفكار للقادة السعوديين مستلهمة من التاريخ المعاصر. وهنا تحضر تجربة التحول التي اجرها مؤسس تركية الحديثة ” مصطفى كمال اتاتورك” والتي نقلت تركية بقوة الصدمة من مرحلة تاريخية الى أخرى وفق مبدأ عجيب يقول ” من اجل الشعب رغما عن الشعب”.

 وثانيا من تحولات في اتجاهات السياسية الخارجية في مقاربة مستقبل النظام الدولي والتغير في مراكز القوى الدولية والإقليمية في العالم.

يجب ان نعي في هذا المضمار حقيقة واضحة ومحل اجماع مشترك بين الجميع بمن فيهم النخبة الامريكية نفسها وهي ان الولايات المتحدة منذ لحظة غزوها لأفغانستان في اغسطس عام 2001 وحتى يومنا هذا قامت بمراكمة الفشل في منطقة الشرق الأوسط بل في عموم غرب اسيا. وحسب احكام التاريخ القديم والمعاصر فان الفشل المتكرر للدول يكلفها اثمان في المدى الاستراتيجي تستعد الولايات المتحدة في المرحلة اللاحقة لدفعه من رصيد نفوذها.

وقد كان الاوربيون “البريطانيون والفرنسيون” قد عاثوا فساد ونهبا واستعبادا وتقسيما للبلاد العربية وبدأت حركات التحرر في البلاد العربية تنجح في نيل استقلالها مقابل تقهقر قوى الاستعمار عندما اختار مؤسس الدولة السعودية الأول” عبد العزيز بن سعود ” عقد التحالف مع الولايات المتحدة القوة الصاعدة، ورفض “ابن سعود” عروض الشركات الأوروبية لاستثمار النفط في بلاده ان ذاك. واستمر هذا النهج السعودي منذ العام 1945 في اللقاء الشهير بين الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي روزفيلت” حتى اليوم.

فهل يؤسس الأمير “محمد بن سلمان” اتجاها اخر للمملكة بعد ٧٨ عاما، وبناء على الفشل الأمريكي وكراهية الشعوب العربية للسياسات الامريكية المدمرة في المنطقة، وارهاصات صعود قوى دولية على رأسها الصين. وهل يصنع “شي جين بينغ ” وابن سلمان عهدا جديدا للعلاقة بين البلدين للعقود القادمة؟

كاتب واعلامي عربي فلسطيني