|
حقيقة الموقف السعودي من الحرب في الثالث والعشرين من الشهر الماضي أعلنت السفارة الأميركية في الرياض في بيان أنها أعادت فتح أبوابها وكذلك أبواب القنصليتين الأميركيتين في جدة (غرب) والظهران (شرق) التي أغلقت السبت الماضي على خلفية تطورات الحرب في العراق. واضافت السفارة أن الموظفين وأفراد أسرهم >سيواصلون تقليص تنقلاتهم المهنية والخاصة والاكتفاء بالضروري منها. وتم السماح لأبناء العاملين بالعودة الى المدارس. وقال المسؤولون الأميركيون: >أغلقت السفارة والقنصليتان أمام المراجعين لتمكيننا من تقويم الوضع الامني< في السعودية، وفق ما اضاف البيان. وتم تحذير الرعايا الاميركيين من ان >النزاع الحالي يمكن ان يقود الى اضطرابات مؤقتة لحركة الطيران المدني. وكانت السفارتان الاميركية والبريطانية في الرياض قد دعتا الخميس الماضي رعاياهما في السعودية الى الحذر دون ان تطلبا منهم المغادرة. ويعيش بين 30 و40 ألف أميركي و30 ألف بريطاني في السعودية الكثير منهم في المنطقة النفطية في محيط الظهران. وضاعفت الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة عدد قواتها في المملكة ليبلغ حاليا تسعة آلاف عسكري. وأكدت المملكة مرارا أنها لن تشارك في العمل العسكري ضد العراق. لكن الشواهد على الارض والبيانات الأميركية تتناقض مع الموقف السعودي. ففي الثاني والعشرين من آذار (مارس) قالت صحيفة التايمز البريطانية ان الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الاميركية في الخليج يدير الحرب من مكتبه في قاعة العمليات العسكرية في قاعدة الامير سلطان في المملكة العربية السعودية. وقبل التايمز نشرت صحيفة الهيرالد تربيون انترناشيونال الاميركية الدولية في العشرين من الشهر نفسه موضوعا تحدث عن قيام الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الاميركية في الخليج بزيارة الى المخابئ العسكرية التي أنشئت في مناطق غير معلنة في المملكة العربية السعودية والتي تستخدم حاليا كمواقع قيادة للضربات الجوية الاميركية والبريطانية الموجهة ضد العراق، وذلك خلافا للموقف السعودي الرسمي الذي اعلن قبل يوم واحد فقط من بدء الحرب من أن الرياض لن تشارك في الحرب ضد العراق ولن تسمح للقوات الاميركية باستخدام الاراضي السعودية في الحرب. وقالت الصحيفة الاميركية في موضوع كتبه كريج سمث المحرر في صحيفة نيويورك تايمز التي تملكها أنّ العائلة المالكة السعودية متلهّفة لإبعاد نفسها أمام الناس من النزاع على الرغم من أنها أي الرياض شاركت وفقا لما قالته الصحيفة الاميركية التي تطبع وتوزع في اغلب دول العالم، في تحضيرات الحرب من بدايتها. وقد تم كل ذلك بهدوء وبشكل غير مباشر، بانتظار اندلاع الحرب. وفي هذا الصدد نقلت الهيرالد تربيون عن الدبلوماسيين الغربيين ان إعلان الملك فهد حول الموقف السعودي الرافض للحرب او المشاركة فيها قد قرىء من قبل الحاكم الحقيقي، ولي العهد الأمير عبد الله وذلك على شكل خطاب تلفزيوني غير عادي بث يوم الثلاثاء (قبل يومين من انطلاق العمل العسكري الاميركي). واعتبر الدبلوماسيون خطاب الملك فهد بأنه لم يكن أكثر من بضاعة للاستهلاك المحلي ولا يعكس بأي حال من الاحوال حقيقة الموقف السعودي وانه أي فحوى الخطاب والصيغة التي أعد فيها تم بغمزة وإيماءة من الجانب الأميركي. ففي حقيقة الأمر، لم يخف الناطق بلسان القوة الجوية في قاعدة الأمير سلطان حقيقة الاشتراك السعودي في مركز العمليات. ومهمة هذا المركز هي الاخطر والأكثر حيوية في إدارة أمور الحرب فهو أي المركز يختار أهداف القصف العراقية أي انه الطرف الذي يرسم مسار الحرب ويشرف عليها وهو الطرف الذي يتخذ أخطر القرارات بتحديده الاهداف الأكثر إيذاءا وألماً وأهمية للعراقيين لتوجيه الطائرات والصواريخ لمهاجمتها وتدميرها او ابادة الموجودين فيها. وتبعا لخطة عمل مشتركة فإنّ خارطة ومنهجية العمليات حظيت بمباركة وقبول ودعم سعودي بعد ان تم تدارسها ومراجعتها قبل وقت كاف بين الطرفين قبل انطلاق شرارة الحرب. ونقلت الصحيفة عن ضابط سعودي كبير قوله ان كافة الترتيبات تمت مراجعتها في مركز العمليات الجوي المشترك الذي تولى فعلا توجيه النيران الى الاهداف العراقية المنتقاة. وباعتراف الضابط السعودي الكبير فان وزارة الدفاع لعبت دور الشريك في كل خطوة اعدت للقصف والهجمات الجوية على الرغم من تحمل القيادة المركزية الاميركية التبعات الفنية والتوجيهية الدقيقة ومسؤولية خارطة الحرب الاصلية التي حملتها معها من واشنطن. ويشير الضابط الى ان الجانب السعودي لم يكن بامكانه غير اعلان موقف غير حقيقي تلافيا لاثارة الشارع الداخلي وايضا رد فعل وغضب العراق واللوم المحتمل من الدول العربية الرافضة لمبدأ الحرب. وقال ان الاعلان عن موقف يختلف عما ورد في خطاب الملك كان سيسبب الكثير من المشاكل والحرج للرياض. واشارت هيرالد تربيون الى انه حتى مع تعمد الجانب الحكومي السعودي التعتيم على حقيقة الموقف الرسمي من الدور السعودي المفترض في الحرب بحكم العلاقة مع واشنطن، إلا ان الاميركيين لم يشكوا لحظة واحدة في ولاء وانصياع السعوديين للاوامر الاميركية القاضية بوجوب رفع أي حظر على انطلاق الضربات الجويّة الأميركية من القواعد الموجودة في المملكة او السماح للطائرات الاميركية القادمة من حاملات الطائرات او القواعد الاخرى في الخليج باستخدام القواعد السعودية او المرور بالاجواء او الحصول على كافة احتياجاتها من التموين والوقود والمساعدة التقنية كلما لزم الأمر. ساعة الصفر وقد رفض المسؤولون السعوديون التعليق على أخبار صحفية وتقارير اشارت الى أن زيارة الجنرال فرانكس برفقة جنرالات كبار من قادة الجيوش الاميركية المتخصصة، كانت جزءاً من جولة له استهدفت أساسا رؤية محاربيه الرئيسيين في المنطقة. وهكذا وفي قاعدة الأمير سلطان الجوية، التقى فرانكس مع قائد القوة الجوية الاميركية الفريق مايكل موسيلي، الذي يتولى ادارة مركز العمليات منذ أن انطلقت أول شرارة للحرب بالقصف الجوي والصاروخي الذي نفذته وحداته العاملة في المنطقة بقرار اصدره من موقعه في المملكة. وعلق جيم ولكنسون المتحدث العسكري الاميركي في الخليج عن ان زيارة فرانكس لمقر قيادة موسيلي في السعودية اعتبرت بمثابة اشارة من مقر القيادة المركزية للجيش الاميركي في الخليج الى قيادة سلاح الجو والعمليات الحربية مفادها ان كل الترتيبات العسكرية قد اكتملت لحظتها بانتظار ساعة الصفر من واشنطن. والى فترة قصيرة سبقت التحضيرات للحرب، احتفظت الولايات المتحدة بنحو خمسة الاف وخمسمائة ضابط وفرد من قواتها يمثلون شرائح من كل الاصناف العسكرية في قاعدة الامير سلطان الجوية وحدها التي تحتل الآن مساحة واسعة في الصحراء السعودية مع انها لم تكن قبل ذلك أكثر من مهبط للطائرات اثناء حرب الخليج في عام 1991. غير ان الولايات المتحدة وبتسهيلات غير محدودة انفقت عدة مئات من ملايين الدولارات لتحويل المهبط الى احدى أكبر قواعدها العسكرية في الشرق الاوسط مما مكن واشنطن من تحويل القاعدة الى محورمركزي للدور الذي تلعبه الآن الطائرة المقاتلة، إي 3 وطائرات رادار الأواكس الى جانب طائرات متخصصة بالمراقبة والاستطلاع والأخرى التي تزوّد بالوقود جوّ - جوّ، بالإضافة إلى مستودع وقواعد صواريخ باتريوت الاعتراضية. وتكمن أهمية قاعدة سلطان الجوية في كونها الاقرب الى الاراضي العراقية وربما الايرانية ايضا مستقبلا مما يمكن فريق القيادة المركزية المكلف بادارة العمليات الحربية الحالية من استخدام كل الادوات المطلوبة في ضمان دقة اختيار الاهداف وفي متابعة العمليات والاشراف عليها وتوجيه الطيارين معتمدة في ذلك على اجهزة الكترونية معقدة نصبت لهذه الغاية ومهمتها الاسراع في جمع المعلومات المتكاملة وعبر الاقمار الصناعية، والطائرات دون طيّار التي تمكنها أيضا من فرض نظام مراقبة جوية وأرضية وتوفير ساحات لعمليات الاستخبار والاستشعار عن بعد لإعطاء القادة وجهة نظر فورية من داخل ساحة المعركة. تضليل وتبعا للدور السعودي الفاعل في كل هذه العمليات والذي اتفق عليه او اكتملت صياغته في عام 2001 فقد ارتفع عدد الضباط والافراد الاميركيين العاملين في قاعدة سلطان الجوية الى 10 الاف شخص توافقا مع حجم المهام والعمليات التي تدار اليوم ومنذ بدء الحرب في فجر العشرين من الشهر الماضي. ومع ذلك فان وزارة الدفاع السعودية حريصة على عدم اعطاء أي طابع أو دور لمثل هذا الامر أمام العامة أو امام الحكومات والشعوب العربية التي لا يبدو انها جاهلة ما تفعله المملكة خلافا لتصريحات وزير خارجيتها وتكرار نفيه لأي دور أو رغبة او نية لبلاده في المشاركة في الحرب. وتعتبر الصحيفة الاميركية نقلا عن مصادر سعودية ان العائلة المالكة الحاكمة سعت الى تضليل مواطنيها والاخرين بالزعم برغبتها في تقليل الوجود الاميركي على أراضيها أو الطلب من واشنطن سحب كامل قواتها فيما بعد الحرب الحالية، وانها ارادت بذلك امتصاص غضب المواطنين السعوديين من الدور الذي تلعبه حكومتهم فيما يعتبرونه تهديدا للدين والقيم والاعراف المتوارثة. ويتوافق تفسير الصحيفة هذا مع الاعلان الحكومي بأن اسباب الاستعانة بالجيش الاميركي تمت في اطار طلب المساعدة للدفاع عن المملكة ضدّ العراق وبعد ذلك في اطار المشاركة في حرب الخليج 1991 بناء على قرارات القمة العربية وتنفيذا لارادة الشرعية الدولية. غير ان العارفين بالحقيقة يرون أيضا ان للحملة التي يقوم بها أسامة بن لادن سعودي المولد هي التي دفعت بالقيادة السعودية الى اعادة النظر بطريقة تحالفها وربما بتقويته وتعظيمه وترسيخه فترة أطول مما هو متفق عليه للاحتماء بالاميركان من الأصوليين الذين يناصرون بن لادن والاخرين الذين يعتبرون أن وجود القوّات الأجنبية التي يصفونها بأنها كافرة، أمر من شأنه أن يدنس التربة المقدّسة في الاراضي السعودية باعتبارها وطن النبي محمد (ص) والتي تحتضن بيت الله العتيق والمسجد النبوي وهما أهم المقدسات الاسلامية بالاضافة الى القدس. وتتلمس الهيرالد تربيون تصاعدا في حدة الحرب الجماعية لدى الشارع السعودي والناجمة عن تنامي الشعور المعادي للاميركان وهو ما دفع وزير الداخلية الامير نايف بن عبد العزيز الى الاعتراف علنا قبل أيام بأن بعض المواطنين السعوديين قد يذهبون إلى العراق حتى للمحاربة ضدّ القوات الأميركية في حال احتلال العراق من قبل الجيش الأميركي. كما أشارت الصحيفة الى أن المملكة تعمل على توفير وتأمين كل الاحتياجات العسكرية الاميركية في الحرب الحالية ضد العراق وضد سواه مستقبلا. ويقول المسؤولون الأميركيون على الدوام ان عمليات القيادة الجوية الأساسية ستبقى في المملكة العربية السعودية، حيث صنّاع القرارات يستندون الى المعطيات المتاحة في قواعدها أكثر من أي مكان آخر في المنطقة. وتخشى المملكة التي تؤوي الاماكن الاسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة من خطر اضطرابات داخلية في حال الحرب على العراق التي ينظر اليها على نطاق واسع >كحرب صليبية<. وقد اكتشفت قوات الامن الثلاثاء الماضي مخبأ اسلحة ومتفجرات في احد المنازل في الرياض حيث ادى انفجار الى سقوط قتيل.وكثفت السلطات السعودية في الاسابيع الاخيرة من مطاردتها لاعضاء مفترضين في شبكة القاعدة للحؤول دون وقوع هجمات محتملة في المملكة. لا يزال حيوياً وقبل أيام سبقت اندلاع الحرب قالت وكالة رويترز للانباء العالمية انه في خطوات اضافية لدعم أميركا تقوم السعودية بتخزين >15< مليون برميل من النفط، كما ستقوم بسد حاجة الاحتياجات الاردنية من النفط ودون مقابل في حالة اندلاع الحرب ضد العراق، حسب ما أفاد احد الدبلوماسيين العرب، الذي اخبر الصحفيين بأن السعودية تقوم بتخزين >15< مليون برميل من النفط في داخل المملكة للحفاظ على استقرار أسعار النفط عند نشوب الحرب وانقطاع النفط العراقي. وتقوم السعودية بتصدير تسعة ملايين برميل من النفط يومياً لإزالة القلق الناتج عن حصول النقص في النفط في حالة نشوب الحرب ضد العراق وتستعد السعودية لتصدير >10.5< مليون برميل يومياً. كما وافقت السعودية على توسيع تعاونها العسكري مع أميركا ليشمل استخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية الحيوية واستخدام مركز القيادة والسيطرة المتطورة والسماح للأمريكان بتزويد طائرات التحالف بالوقود وطائرات أواكس والطائرات المقاتلة حسب ما أشارت إلى ذلك مصادر عربية وأميركية. وذكر هذا الدبلوماسي أنه وعلى الرغم من خوف المملكة من الحرب ضد العراق فإنها قررت الوقوف إلى جانب أميركا حليفتها في الصداقة وفي المصالح الشخصية إذا قررت اتخاذ أي عمل عسكري ضد العراق. وأضاف هذا الدبلوماسي ان الحكومة السعودية تعتقد أن الحرب ستكون ناجحة وتستغرق أياماً قليلة فقط إذا استطاع الأميركيون إدارتها وتوجيهها من القواعد العسكرية في السعودية. وعن الاحتياج الاردني للنفط قالت ان العراق كان يؤمن الطلبات الاردنية النفطية ولكن في حالة اندلاع الحرب فإن الانتاج العراقي للنفط سيتوقف لذا وافقت السعودية والكويت والامارات على سد احتياجات الاردن من النفط وتجهيزه بحوالي 021 الف برميل يومياً وأضاف هذا الدبلوماسي العربي أن الاردن طلبت من أميركا المساعدة والدعم في هذا المجال فقامت الأخيرة بمناقشة المسألة مع السعودية وبقية دول الخليج خلال الأشهر الأربعة الماضية التي وافقت على الاقتراح الأميركي بتجهيز الاردن بما يكفيه من النفط. المشاهد السياسي ـ العدد 368 |