|
إنجليز في حياة عبدالعزيز كثيرون هم الأجانب الذين مروا على عالمنا العربي بصفات ومظاهر مختلفة, فمنهم السائح والعالم والعسكري والتاجر والجاسوس. بعض هؤلاء مر دون أثر, وبعضهم ترك أثرا, من كتاب أو بحث, من لوحات أو صور, من معارك حربية اشترك فيها أو قادها, ولكن أعدادا محدودة من هؤلاء الأجانب تركت بصمات لا تمحى وآثارا لا تنسى, أثرت على بلادنا وصبغتها. منهم على وجه التحديد من قام بشرذمة وطننا العربي وتعيين حدوده, وتسمية ملوكه وحكامه. ومنهم من ترك مشاكل لازالت الأمة تعاني من ذيولها مثل سايكس الإنجليزي وبيكو الفرنسي. فالمعاهدة التي صاغاها والمعروفة باسم سايكس - بيكو قسمت بلاد الشام إلى دويلات وخلفت المشاكل وأوجدت القوميات والجنسيات على أرض كانت قبل ذلك على الدوام واحدة متحدة. أما في الخليج فكان الإنجليزي بيرسي كوكس صاحب لقب (سير), الذي لعب أدوارا كبيرة وخطيرة وقسم وشرذم وخلق مشاكل لازالت المنطقة تعاني من آثارها. وهو على خطورة دوره الذي لا يقل أهمية عن دور كل من سايكس وبيكو, إلا أنه لايزال نكرة للجمهور سواء جمهورنا العربي أو جمهوره من إنجليز وفرنسيين. وما ذلك إلا لأنه لم يكن سوى موظفا أو ضابطا قام بما أسند إليه من مهمات لازالت المشاكل الناجمة عنها تحاصر حياتنا ومستقبلنا. من هو بيرسي كوكس هذا؟ وماذا كان دوره في المنطقة؟ اسمه بيرسي زخريا كوكس, وزخريا هذه تؤكد يهوديته, وهي صفة لها مدلولاتها وأهميتها في الزمن الذي نشط فيه في منطقتنا لأنه كان زمن بدء النشاط الصهيوني لاحتلال فلسطين العربية وتحويلها إلى أرض للصهاينة المغتصبين. ولد كوكس في 27/11/1864 في هيرون يت (Herongate) من منطقة (Essex) إسيكس في بريطانيا ومات في 20/2/1937 عن 37 عاما . تخرج من الكلية الملكية البريطانية العسكرية في ساند هيرست, وعين مباشرة بعد تخرجه في الهند منذ عام 1884 وحتى عام 1890 مع الحامية البريطانية هناك. ثم حول في نهاية خدمته العسكرية إلى الخدمة السياسية في الهند أيضا. ثم انتقل للعمل في الخليج وإيران خلال الأعوام 1893 - 1914 وشغل عدة مناصب. منح لقب (سير) عام 1911 كأفضل سياسي في المنطقة وكان ذلك بسبب خدماته أثناء الحرب العالمية الأولى. ومنذ عام 1918 إلى عام 1920 عمل وزيرا مفوضا في إيران, وكان مسؤولا عن الاحتلال البريطاني للعراق. وكان هذا سببا في نقله من منصبه الأخير ليعمل مندوبا سام في العراق منذ عام 1920 - 1923 بصفة العراق وقتئذ دولة حديثة تقع تحت الانتداب البريطاني استنادا لقرار المجلس الأعلى للحلفاء. بقي كوكس في الخدمة في المنطقة حتى تقاعد عام 1923, و كان من أعضاء المكتب الهندي (المخابرات البريطانية) التي تتمركز في بومباي والتي كان اهتمامها منصبا على بلاد ما بين النهرين والطريق البرية إلى الهند. لذلك عمل المشرفون عليه للتفاهم مع حكام ساحل الخليج (الكويت, وشيخ المحمرة, وآل سعود). بينما كان اهتمام مكتب القاهرة السويس وعدن والطريق البحرية إلى الهند. وكان اهتمامهم الاتفاق مع الحكام الذين يسيطرون على سواحل البحر الأحمر. لذلك اتفقوا مع الشريف حسين الهاشمي في الحجاز (لورانس العرب كان على رأس هؤلاء). وكان التطاحن بين المكتبين على أشده. وصف كوكس على أنه أشد من حارب التطلعات الوطنية والاستقلالية وأشرف على تثبيت دعائم سيطرة بريطانيا على مقدرات العراق والحياة السياسية فيها في تلك الفترة التأسيسية في حياة العراق الحديث. بينما تصفه المصادر البريطانية بأنه كان وراء تحول العراق من دولة تحت الانتداب إلى دولة حرة, وأنه كان وراء تتويج فيصل بن الحسين ملكا على العراق في 23/8/1921, وأنه اشترك معه في وضع الدستور العراقي. وكان وراء تأسيس كافة وزارات العراق وحكوماتها وفق نظام وإشراف بريطاني. وكان وراء توقيع العراق للمعاهدة البريطانية لمدة عشرين عاما جرى تخفيضها فيما بعد إلى أربع سنوات. أول من قدم ابن سعود لبيرسي كوكس كان الكابتن شكسبير الذي أرسله كوكس لاستطلاع قوى ابن سعود ولكنه قتل في معركة جراب يوم 25/1/1915 حين كان يقود المدفعية السعودية في المعركة. جاء في رسالة شكسبير إلى كوكس المؤرخة في 15 /5/1913واصفا قوة ابن سعود ومتوقعا له مستقبلا كبيرا «إن هذا الرجل - ابن سعود - هو زعيم من أروع طراز عربي وله في شخصيته ما يدفع إلى التفكير بأنه سيستقل بقيادة الجزيرة العربية إذا توصل إلى فرض الوحدة على قبائلها, وهو احتمال وارد جدا كما يبدو لي في المستقبل القريب». كان هدف بريطانيا من الاتفاق مع ابن سعود هو تأييد قتاله للأتراك وحلفائهم آل الرشيد مما يخفف الضغط على قواتهم المهاجمة للعراق, وإلهاء للسعوديين عن متابعة التوسع في الخليج حيث المعاهدات البريطانية المعقودة مع حكامها, وكذلك إضعاف قوات الحسين بقتالهم مع ابن سعود, وشل قبائل المنتفق التي تهدد القوات البريطانية أثناء تقدمها لاحتلال العراق. لذلك ظل شكسبير يحث بيرسي كوكس على عقد الاتفاقية مع ابن سعود, لأن موقف ابن سعود غير المحدد من البريطانيين يسبب إحراجا لهم. تم عقد اتفاقية (العقير) في كانون الأول يناير 1915 بعد أن بدأت المباحثات في أواخر عام 1914 وكان يمثل البريطانيين فيها (آرثر باريت) المقيم البريطاني في الخليج. وبعد مقتل شكسبير استلم بيرسي كوكس مهامه في الكويت في نوفمبر/تشرين الثاني 1916. وبذلك أصبح كوكس أهم شخصية بريطانية في الخليج. واستطاع كوكس عقد معاهدة (دارين) في26 /12/1915 حيث قابل ابن سعود وكان بمعيته جون فيلبي. وقد وقع ابن سعود الاتفاقية مسرورا وشوهد يقبل جبين كوكس ويده اليمنى ترتعش من شدة الفرح وهو يردد (الله يقدرنا على خدمتكم, الله يقدرنا على خدمة بريطانيا. وإثر هذه المعاهدة رفع كوكس مرتب السلطان بناء على طلبه من (500) جنيه في الشهر إلى (5000) أي عشرة أضعاف. وتتابعت العلاقات بين كوكس وابن سعود حتى جاء وقت توقيع اتفاقية العقير التي تمت في ميناء العقير في 2/12/1922حيث كان بيرسي كوكس النجم البريطاني اللامع والصوت الأعلى ففرض حدود نجد مع الكويت محدثا منطقة محايدة (لاتزال) وعين الحدود بين نجد والعراق محدثا منطقة محايدة أخرى (ماتزال هي الأخرى حتى الآن). ووزع قبائل العرب بين من يتبع نجد أو يتبع العراق أو من يستقل منفردا. أعلن ابن سعود عدة مرات أنه يحب بيرسي كوكس. فقد قال لأمين الريحاني أثناء انتظارهما لكوكس ليصل إلى ميناء العقير عام 1922 وقد تأخر عن وصوله كثيرا «ما كنا نبطئ بالرجوع لولا المندوب السامي وهو صديقنا. أنا أحب السير بيرسي كوكس وأحترمه». ولكن كانت نظرة بيرسي كوكس لابن رشيد لا تقل عن نظرته لأي أمير على قبائل العرب الكثيرة في المنطقة الواقعة تحت نفوذه. الشرعية عدد/7 1996 |