العودة للفهرس

كنز الفوائد في استثمار الشدائد

حسن السبع: (أقوم بين أزمة وأخرى بمقاطعة مصادر التوتر والإيذاء لأعصابي كما هي لأعصاب القراء فأعمد إلى اغلاق التلفزيون، وإهمال قراءة الأخبار في الصحف في محاولة لحماية أعصابي من التلف، وأروح عن نفسي بالقراءة في موضوعات أحاول أن تكون بعيدة عن أتون الأحداث).

انطلاقا من هذه المقدمة شرع الصديق الأستاذ محمد رضا نصر الله يستعرض في زاويته (أصوات) بجريدة الرياض، وعلى امتداد ثلاث زوايا، كتابا تراثيا عنوانه (كنز الفوائد في تنويع الموائد) لإراحة أعصابه وأعصاب القارىء من أحداث هذا الزمن المجنون، والجنون صفة تلائم زمن الاضطراب والفوضى، لولا أنه، يا صديقي، أنواع ودرجات تبدأ من الجنون المبدع الذي يقطن وادي عبقر لينتج الشعر والرسم والموسيقى، ويولد الروائع الفنية والأدبية، ويضيف خميلة إلى حديقة الإبداع، أي الجنون الذي يصنع من الفوضى نظاما، ولا يفصل بينه وبين العبقرية إلا خط وهمي رفيع.

وإذا استثنينا هذه الحالة الإيجابية للجنون، وتلفتنا حولنا، اصطدمنا بمشاهد الفوضى وبالجنون المدمر الذي انفلت من قمقمه دون بوصلة أو هدف جمالي خير، الجنون الذي يصنع من الاستقرار تشردا، ومن الغنى فقرا، ومن الثروة نقمة لا نعمة، الجنون الذي يحول النظام إلى فوضى وآه من تلك الفوضى التي لا تسعد حاضرا، ولا تبني مستقبلا، غير أنك لن تعدم أبدا من يناصر ذلك الجنون ويصفق له ويحرض عليه، بعضهم بذاكرات مثقوبة لم تستوعب عبر الماضي ودروسه، والآخر يأبى إلا أن يعيد التاريخ بكل أخطائه لحاجة في نفسه.

أعرف، يا صديقي، أنك لا تترك شيئا للمصادفة إذا ما تعلق الأمر بفنون ولذائذ المائدة، لكنك قد اخترت، وربما بالمصادفة هذه المرة، موضوعا لصيقا بالمائدة كاستراحة تنأى بك عن مصادر الأزمات والتوترات، لولا أن تفسيرا آخر للتاريخ يزعم أن (المعدة) محرك لكثير من النزاعات حتى قبل أن تتعالى هتافات فقراء باريس مطالبة بالخبز، تلك الهتافات التي أقضت مضجع ماري انطوانيت.

يقال، كذلك، إن المعدة بيت الداء، لكني بت أكثر اقتناعا، هذه الأيام بأن أدواء الرأس وأمراضه أكثر خطورة من أدواء المعدة، خصوصا إذا ما شحن هذا الرأس بتخريجات (الدوغما) وجعجعاتها، أو إذا ما وقع تحت تأثير نوايا وأهداف ومصالح خاصة، أو إذا ما كثرت الرؤوس فحق علينا قول الشاعر: (قومي رؤوس كلهم أرأيت مزرعة البصل؟)

إن مصادر التوتر التي تحاول جاهدا أن تنأى عنها، يا محمد، تفاديا للضغط والسكر والكوابيس المزعجة هي الزيت الذي يغذي فتيل الكتابة عند كتاب الأزمات الذين ما أن يروا نازلة حتى يشبعوا فيها ردحا بلغة إنشائية يعلوها غبار الخمسينيات من القرن الماضي أولئك الذين قد لا يجدون مادة للكتابة لو استقرت الأحوال أو هدأت بؤر التوتر، هنالك، يا صديقي، من لايجد نفسه إلا بين الأنقاض، وهنالك من يبحث عن موقع قد لا يجده في غير هذه الظروف المضطربة، ومصائب قوم عند قوم فوائد. ولو قيض لواحد من هؤلاء أن يؤلف كتابا على طريقة الكتاب الذي استعرضته لأصبح عنوانه «كنز الفوائد في كيفية استثمار الشدائد».

في رواية حنان الشيخ (حكاية زهرة) المزدحمة بمشاهدة الفوضى البيروتية التي امتدت قرابة عشرين عاما، ستعثر، يا صديقي، على ذلك النموذج الذي لا يجد نفسه إلا بين الأنقاض ورماد الحرائق، هكذا كان القناص في الحريق اللبناني يتساءل: هل ستتوقف الحرب؟ وإذا توقفت ماذا نفعل؟ ثم يصرخ في وجه زهرة قائلا: أرجوك لا تفتحي هذا الموضوع!! وستجد مثل هذا النموذج الذي يخشى انتهاء الأزمات، مخافة أن يفقد موقعه وأهميته وامتيازاته خارجها يحتل حيزا كبيرا على القنوات الإعلامية العربية المقروءة أو المرئية.

يخشى هذا النموذج، يا محمد، أن تتوقف الفوضى، أو تخمد نيران الحرائق فيفقد ميزته الوحيدة، فهو لا يستطيع خارج هذا المدار أن يبدع شيئا، لا يستطيع حتى استعراض كتاب تراثي مثل (كنز الفوائد في تنويع الموائد), لقد كان إمبراطور الأيام المجنونة فإذا ما سحبت من بين أصابعه الزناد أو القلم الذي يخط به بياناته الملتهبة فسوف يصبح شبحا يسير في الشارع الذي كان في الأمس له ولوقع خطواته في الظلام ولبندقيته التي كان يشهرها حتى يحصل على ما يريد، كما تصور ذلك حنان الشيخ في (حكاية زهرة)، وما أشبه الليلة بالبارحة!!

قد يحاول المرء، يا صديقي، وفي لحظة من لحظات الشتات النفسي ألا يفكر إلا في الأمور التي يستطيع تغييرها أو التأثير فيها على الأقل. وقد يحاول، عبثا، البحث عن زاوية أكثر هدوءا، أو عن موقف يقوم على الغياب نتيجة لشعوره بالعجز وعدم الجدوى، إنها حالة نفسية مؤقتة ناتجة عن ظروف استثنائية. فأنت لست قادرا على التأثير فيما يجري حولك، ما دامت الأحداث تتوالى بشكل ارتجالي حينا، أو بشكل رسمه الآخرون حينا آخر.

لكن الأحداث، يا صديقي، لا تتركنا وشأننا، إنها تلاحقنا أينما كنا، ولن نستطيع الإفلات من شراكها ولو حرصنا. وهكذا ستجد نفسك غارقا في بحارها الهائجة، إن لم يكن ذلك بقلمك فبوجدانك.

اليوم السعودي 25 / 4 / 2004