|
شبابيك السياسة عبد الله ناصر الفوزان: هؤلاء (المجاهدون) الكبار قادة منظمة القاعدة هل يوجد مسلم عاقل يمكن أن يقتنع أنهم يعتبرون تفجيرات الرياض الأخيرة المنتهية بالحادث المفجع في مبنى المرور الذي راح ضحيته عشرات السعوديين ما بين قتيل وجريح من مدنيين ورجال مرور عملهم ضبط الحركة المرورية في مدن المملكة وخسر بسببه كل مواطن سعودي إما خسارة مادية تمثلت في تدمير المبنى الذي هو ملك للخزانة العامة وإما خسارة معنوية ونفسية تمثلت في ترويعه... أقول هل هناك مسلم عاقل يمكن أن يعتقد أن هؤلاء (المجاهدين) الكبار في القاعدة مقتنعون بأن ما قامت به تلك الخلايا التابعة لهم في مدينة الرياض هو عمل جهادي خير ممكن أن يعود عليهم بالثواب في الحياة الآخرة...؟ طبعاً تفجيرات الرياض الأخيرة هي نموذج لغيرها من التفجيرات الأخرى التي كان ضحيتُها عرباً ومسلمين وأناساً أبرياء، وقد مثلت بها كي تكون الصورة واضحة وإلا فإن الأمر ينطبق أيضاً على تفجيرات مدريد التي راح ضحيتها خليط من البشر في حالة عبثية عجيبة وغيرها من الحوادث التي لا تتجه إلى الخصوم وإنما لأبرياء لا ناقة لهم ولا جمل، فكل هذه الحوادث لا يمكن أن يصدق مسلم عاقل أن زعماء القاعدة يعتبرونها أعمالاً جهادية يكسبون الثواب بسببها... وإذن فما هي الحكاية...؟! الحكاية أن العمل السياسي الذي كان يفترض أنه من أنبل الأنشطة الإنسانية هو ـ مع الأسف الشديد ـ في واقعه في كثير من الأحيان من أكثر مجالات الأعمال الإنسانية إجراماً وادعاء واستغلالاً لنقاط ضعف البشر، وبحثاً عن المكاسب المعنوية على حساب مصائب الآخرين، واستخداماً لمختلف الوسائل مهما كانت درجة انحطاطها ووضاعتها وقذارتها. العمل السياسي من أهم دوافعه وغاياته الكسب المعنوي تماماً مثل كل أنشطة البشر الأخرى، فالرياضي مثلاً يطمح من خلال نشاطه إلى الفوز والكسب المعنوي، وكذلك الفنان، والأديب، وخذ ما شئت من أنواع الأنشطة الإنسانية غير أن النشاط السياسي يختلف عن غيره في أنه أولاً ينشد الكسب المعنوي الضخم وثانياً هو يحصل على مكاسبه أحياناً ـ خاصة في المناطق المتخلفة من العالم ـ على حساب مصائب الآخرين. حتى تتضح الصورة تعالوا نأخذ رئيساً لإحدى الدول الأوروبية ورئيساً لإحدى الدول المتخلفة، فالأول في مسيرته السياسية ظلت لوحة (النيون) المضيئة التي تحمل اسمه في السماء الأوروبية وغير الأوروبية تكبر مع كل لحظة ويوم وسنة يقضيها في كرسي الرئاسة ويحصد بهذا ذلك الكسب المعنوي الذي كان هو غايته وهو يمارس عمله السياسي من البداية للنهاية لكنه طبعاً وهو يفعل ذلك كان يمارس نشاطاً يعود بالفائدة على الآخرين أي أنه يعطي مقابل ما يأخذ بينما في دولة متخلفة في الشرق مثلاً يظل اسم الزعيم يكبر في لوحة (النيون) المضيئة لكن مقابل أعمال وأنشطة لا تعود بالخير على الناس في بلده أو غير بلده بل بالعكس تعود بالضرر والمصائب الكبرى. زعماء التنظيمات في القاعدة وما يماثلها هم في وضع أكثر سوءاً، فأسماؤهم في لوحات (النيون) لا تكبر إلا بأنشطة أكثر سوءاً وأفدح ضرراً للناس مثل تفجيرات مجمع المحيا في مدينة الرياض وتفجير إدارة المرور، بل وحتى مثل تفجيرات مدريد، وأغلب التنظيمات التي تستخدم العنف وسيلة لتحقيق أهدافها هي هكذا، فهي لم تستطع دخول المعترك السياسي من الباب فقفزت إليه من النافذة، تماماً كما هي حال (كارلوس) الشهير فقد أراد دخول الساحة السياسية من أوسع أبوابها فوجدها ربما مغلقة فدخلها من أوسع شبابيكها... الاختطاف والاغتيالات. نعم أيها الإخوة... فهذه هي الحقيقة مع الأسف الشديد... فتفجيرات مبنى المرور في مدينة الرياض ألحقت أفدح الأضرار والمصائب بمواطنين أبرياء وكانت الخسائر عظيمة ماحقة في الأرواح والأموال وأضرت بكل فرد سعودي وفي المقابل أعطت مكاسب بائسة لزعماء القاعدة لا يمكن أن يكون فيها ـ في تقديري ـ ولو ذرة من الثواب الذي هو أصلاً غاية العمل الجهادي، إنها مكاسب بائسة تتركز في مزيد من إضاءة لوحة (النيون) التي ارتفعت في البداية في سماء المنطقة ثم ظلت تزداد ارتفاعاً لتحلق بمرأى من جميع البشر وتكبر وتزداد ارتفاعاً مع ازدياد تلك الأنشطة الهدامة. تأملوا الفارق الكبير... فهناك لوحات (نيون) تكبر وتكبر أسماء أصحابها نظير إنجازات تعود بالخير لآلاف وربما ملايين من البشر. وفي المقابل هناك لوحات (نيون) أخرى تكبر أيضاً وتكبر أسماء أصحابها ولكن مقابل أعمال شريرة، وخذوا على سبيل المثال مرة أخرى وأخيرة تفجيرات إدارة المرور في مدينة الرياض التي قتل وأصيب فيها عشرات المواطنين وبعض الإخوة العرب في مبان مجاورة من بينهم أطفال... هذه التفجيرات هل يمكن أن يصدق عاقل أن قادة القاعدة يريدون بها الثواب والأجر عند الله...؟ مبروك... مبروك... مبروك... فقد نجح التفجير وكبرت أسماؤكم .... أكثر أعمال الإجرام تدخل غالباً عبر شبابيك السياسة. الوطن 24 / 4 / 2004 |