|
لمن تقرع الأجراس؟ مشاري الذايدي: إن ما يجري في السعودية مع الإرهاب (حرب) بكل معنى الكلمة، حرب تستدعي استنفار الجهود، والأهم من ذلك، التعرف الدقيق على هذا العدو وعدم الإصرار على صورة رغبوية نقيمها في خيالاتنا عنه. انه عدو شرس ومعاند ومصرّ ومناور. انه عدو حقيقي. ولكنه عدو يملك سندا نظريا ينفّذ، بالاتكاء عليه، أعماله ويوّجه نشاطه. الجديد في هذه العملية هو أن القاعدة في السعودية خرجت عن استراتيجيتها المعهودة في حصر الأهداف ذات العلاقة المباشرة بأي شيء أمريكي. فإذا تذكرنا تفجيرات مقر بعثة التدريب التابعة للحرس الوطني في الرياض في نوفمبر 1995، التي كانت تضم خبراء أمريكان، ثم في تفجيرات مجمع الحمراء 12 مايو 2002 ثم تفجير المحيا. كلها أهداف زعمت القاعدة استهدافها على ملاك الأهداف الأمريكية، صدقا أو كذبا، لا يؤثر ذلك. إنما هذه المرة كان الهدف سعوديا خالصا، المبنى الذي ُفّجر أمس، هو مبنى إداري سعودي، يعمل فيه موظفون سعوديون، يدير شؤونا صافية للمواطنين السعوديين، مبنى الأمن العام القديم في حي (الوشم) وسط العاصمة الرياض يضم في جنباته الإدارة العامة للمرور والإدارة العامة للأدلة الجنائية وأخيرا الإدارة العامة لقوات الطوارئ. ماذا يعني ذلك؟ ماذا يعني تحويل القاعدة عملها من استهداف أمريكا إلى استهداف السعودية؟ ببساطة، القاعدة السعودية، أو (قاعدة الجهاد في الجزيرة) كما يحبذون تسميتهم، قالت مرارا إنها لن تتورع عن ضرب قوات ومؤسسات الأمن السعودي إذا (حالت) بينها وبين (الصليبيين) وعلى هذا الأساس سوغوا قتل رجال الأمن السعوديين، وسموهم (حراس الصليبيين)! ومع تطور وتعقد المعركة بين القاعدة والأمن السعودي، وفقدانهم زمام المبادرة في كثير من الأحوال، خصوصا في الأيام الأخيرة ( محاصرتهم في منطقة العيينة قرب الرياض، ودهم عدة مخابئ لهم في الرياض، العثور على كمية من المتفجرات والأسلحة لهم...) كل هذه الأشياء مجتمعة، يضاف إليها سقوط بعض الرموز القيادية قتلى وأسرى في هذه المواجهة الكبرى، ضّيق الهامش في ما يبدو، وسرّع الإيقاع وقلّل الأهداف وزاد الضغط على إرهابيي القاعدة لإظهار الوجود. مع بقاء المسوغ الفقهي قائما حول قتل القوات الأمنية السعودية تحت ذرائع متنوعة: قتل الضرورة، ممالأة الكفار، أو أن رجال الأمن هم كفار بكل وضوح! لقد جرى تحويل بندقية القاعدة إلى صدور الأهل! إن ما جرى تحوّل نوعي في إرهاب القاعدة، والغريب أن تتزامن هذه العملية مع انعقاد مؤتمر دولي تنظمه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض حول الإرهاب. اطلعتُ على جزء من النشاط الإعلامي لهذا المؤتمر وخططهم بهذا الصدد. كان القائمون على المؤتمر مهجوسون بالتخاطب مع العالم الخارجي، من خلال تعديد اللغات الأجنبية التي ُتّبث بها أعمال المؤتمر ودعوة وسائل الإعلام الغربية وغير الغربية بالمئات للاستماع إلى (حديثنا) عن الارهاب، وكأن الغرض استخراج شهادة حسن سير وسلوك من الغرب. إن البلاء موجود امام أعينكم. وخلف آذانكم، لستم بحاجة إلى الحديث بلغة أخرى غير العربية! والمتابع لتعليقات بعض السعوديين حول الجريمة، يجد غلبة الطابع الديني والوعظي حول حرمة قتل المسلم، ووجوب الحذر من الفتن.... الخ. وهو كلام لا حيوية فيه، ولا جديد، إننا بحاجة ماسة إلى نفض الخطاب الديني المحلي، ومواجهة الذات بشجاعة فائقة ولو كانت قاسية، إننا نفقد بشراً وأمناً وأملاً جرّاء هذا الإرهاب المستند الى حجة دينية، وفي المقابل، ما ُطرح إلى الآن من خطاب مضاد، لا يرقى إلى مستوى التحدي، بل إنه خطاب معيق في بعض الأحيان لإحداث تقدم حقيقي واختراق لبنية التعصب والتطرف. ومن حيث ملامسة بعض المفاصل المهمة في هذه البنية، تعلو الأصوات التي تعبد المألوف وتذعر من التغيير، في كل المجالات تقريبا ( المرأة، الطائفية، الموقف من العالم...). إن خطابا يحفل بعبارات تقليدية ومفاهيم لا تختلف في منطلقاتها ومآلاتها، عن الخطاب المطلوب محاربته، لن يغني عنا شيئا. إن ما هو بحاجة إلى إصلاح وتغيير هو نمط مواجهة القاعدة مواجهة فعلية وعملية وشجاعة، لا تكرير الكليشهات المعتادة ، فكيف تعالج إنسانا مصابا بالسرطان بمسكنات الصداع؟! وأتمنى هذه المرة أن لا نسمع من بعض إسلاميي السعودية حديثا عن مبررات الإرهاب والغلو، وان ذلك ناتج عن عدم الاحتكام للشرع في كل شيء مما (يستفز الشباب) فيفجرون، أتمنى أن لا نسمع مجددا مثل هذا الكلام، لأنه هو المستفز حقا! وأخيرا، هل نرجو أن يكون هذا الحدث الخطير موقظاً للوعي الحقيقي، أم أننا، كالعادة، سنتأثر لبعض الوقت ونستدعي المزيد من الشحن الديني المضاد، حتى يأتي تفجير آخر..؟ إلى الآن لم نضع أيدينا على مكمن الداء... إلى الآن! الشرق الاوسط 22 / 4 / 2004 |