|
مرجع سعودي: سوء الأوضاع مقبل وبشكل عاجل في العراق هدى الحسيني: يبقى «المستنقع» العراقي واحدا من اكبر الهموم العربية، وخصوصا بالنسبة الى الدول المجاورة للعراق. وفي الاسابيع الاخيرة بدا التخبط الاميركي واضحا وانعكس ما يحصل في واشنطن على العلاقات داخل «المنطقة الخضراء» وسط العراق، حيث يتحصن اعضاء مجلس الحكم العراقي والمفوض الاميركي لادارة شؤون العراق بول بريمر والقادة العسكريون الاميركيون. واكدت المعلومات ان بريمر لم يكن راغبا في تطويق قوات المارينز لمدينة الفلوجة او كما صار يطلق عليها «قلب المثلث السني»، وفي الوقت نفسه وكأنه شعر ان البساط يسحب من تحت قدميه بما تنشره صحيفة، لم يكن احد يسمع بها، الا ناشرها وميليشياته، فأمر باغلاق صحيفة «الحوزة» التي تنطق باسم مقتدى الصدر، وفجأة اشتعلت جبهة جديدة، بول بريمر متحصن في قصر صدام حسين (السجود) داخل «المنطقة الخضراء» ومقتدى الصدر متحصن في مسجد الامام علي. ورغم كل الوساطات، سقط مئات العراقيين وما لا يقل عن مائة جندي اميركي، ثم اندلعت معركة استمرت 14 ساعة على الحدود العراقية ـ السورية، واذا بالقلاقل تنتشر في العراق مما اضطر سلطة التحالف لاغلاق الطرق السريعة التي تربط بغداد بالكويت، وبغداد بالاردن وبغداد بسوريا، مع التهديد باطلاق النار على كل سيارة مدنية تخرق هذا المنع. كل هذا يجري بعدما تمسك الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش في مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير بالخطة التي اعلن بنودها الاخضر الابراهيمي مندوب الامين العام للامم المتحدة الى العراق. ومع هذا عاد بلير الى لندن ليعترف بان الاوضاع سوف تزداد صعوبة في العراق، مبررا الامر بحجة ان الذين يرفضون ان يتمتع العراقيون بالديمقراطية هم الذين يقومون بالعمليات. كلمة الديمقراطية، تثير تهكم الكثير من العراقيين، خصوصا الذين قرروا عدم العودة الى بلادهم في هذه المرحلة الغامضة والبقاء في بريطانيا. وأبلغني احد العراقيين في لندن ان الشخصيات العراقية «التي تحكم العراق الآن»! هي «تكرار لحكم صدام، اي حكم العائلة والاقارب والاصدقاء». وبعد الاستفهام يشرح لي محدثي «الامر البسيط»، فيقول ان علي علاوي وزير الدفاع الجديد، لا علاقة له بالعسكرية، واهميته ان خاله احمد الجلبي العضو في مجلس الحكم. ويضيف ان صهر اياد علاوي (عضو آخر في مجلس الحكم) كان وزير الداخلية السابق نوري بدران، اما موفق الربيعي فانه صديق العمر لعلي علاوي، ويصل محدثي الى ان مكتب المحاماة والاستشارات الرئيسي في بغداد الذي يديره سام (سالم) الجلبي، ابن أخي احمد الجلبي، هو الذي يناقش العقود والصفقات مع الشركات الاميركية. وفيما يقلق العراقيون في بريطانيا من «استنساخ» نظام آخر عن نظام صدام حسين، تلجأ واشنطن الى وساطة ايرانية ـ فشلت ـ ويحرك احد صقورها (ريتشارد بيرل) الورقة السعودية، حيث قال لصحيفة «الفاينانشال تايمز» قبل اسبوعين، «ان الخروج من المعمعة العراقية يكون بالالتفات نحو المملكة العربية السعودية». واسأل مصدرا سعوديا كبيرا عن رأيه كخليجي وسعودي بما يجري في العراق فيجيب: لا يمكن لاي انسان ان يتكلم عن العراق اليوم من دون ان يتكلم عن العراق في السابق وعن امكانية العراق في المستقبل لان وضع العراق كدولة عربية، رائدة، مهمة وفاعلة في العالم العربي لا نزاع حوله، ولا شك بان تكوين العراق في وضعه الحديث، احتاج لترتيبات معينة بعد تفسخ الدولة العثمانية اثر الحرب العالمية الاولى، ولكن العراق كبلد، وكفكرة وكأسطورة، قائم منذ ان نشأت الخليقة، ومن يقول الآن، ان العراق وليد لترتيبات نظمتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الاولى، ينسى او بالاحرى يتناسى ان العراق موجود منذ القدم. انه بلاد ما بين النهرين وسميت بالعراق واستمرت وما زالت هي العراق الذي يعرفه الجميع كشعب فعال ونشيط ومبدع وعطاءات تاريخية وتراثية توازي، ان لم تتفوق على كل الحضارات الموجودة في المنطقة بما فيها الحضارة الفرعونية. وبعد ان سرد المصدر السعودي خلفية مختصرة عن العراق كما ينظر اليه الانسان العربي، وكما هو حقيقة، وصل الى تحليل الوضع الحالي في العراق ليقول: ان الوضع سيئ. فمن دعا منذ عام، وخاصة في الولايات المتحدة، وبرر بان الغزو سيأتي بكل خير ونعمة، لان الشعب العراقي سيتخلص من حكم جائر، وفعلا كان الحكم جائرا، وسيتخلص من وضع سيئ، وفعلا كان الوضع سيئا، ظن ان نتائج هذا الغزو ستجعل العراق «جنة من جنان الارض»، بالمساواة والعدالة الاجتماعية والسياسية والمعطيات الاقتصادية. في المقابل، هناك من كانت له رؤية مختلفة، اي الذين تخوفوا، في ذلك الحين، من احتمال ان يكون الغزو مفتاحا لمشاكل اكثر من ان يكون حلا لمعضلة. ويأسف المصدر السعودي، لان الاوضاع، منذ سنة، تثبت صحة توقعات الذين حذروا من الانبهار بنتائج الغزو، لان الاوضاع تدهورت ومستمرة في التدهور، بدلا من ان تتحسن وتستمر في التحسن. ويقول: «ان كل المؤشرات تدل على ان الامور ستسوء اكثر وخاصة في القريب العاجل، وهنا الخطر، ولو ان وقوع الأسوأ مؤجل الى خمس او عشر سنوات، لربما وُجدت وسائل لتلافي هذا الأسوأ، لكن للاسف فان سوء الاوضاع مقبل وبشكل عاجل، حتى انه يستبق الزمن». واسأل المصدر السعودي الكبير عما اذا كانت الاوضاع ستسوء باتجاه حرب اهلية، او باتجاه حرب عصابات وارهاب تنتشر الى خارج حدود العراق؟ ويجيب: ان كل الاتجاهات واردة. ويعيدني المصدر الى كلمة القاها السفير السعودي لدى بريطانيا الامير تركي الفيصل في مركز الدراسات الاستراتيجية في ابوظبي، في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، لان ما جاء في تلك الكلمة لا يزال قائما. ومراجعة لتلك الكلمة فقد جاء فيها، ان الاحتمالات او التحديات التي تواجه الامة العربية مع وضع العراق هي الآتية: اولا: ان يتفسخ العراق ويصبح دويلات من مكونات اجتماعية حتى بدون هويات سياسية، وتتحول بالتالي الى بؤر للارهاب ولكل من له طموحات في استغلال وضع مفكك مثل هذا، ليس فقط من العالم العربي بل من كل انحاء العالم. الاحتمال الثاني: ان يبقى العراق مستعمرة اميركية ـ بريطانية، باحتلال عسكري قائم على ارض العراق ومسيطر بالكامل على موارد العراق ومقوماته وحتى على الشعب العراقي، ويبقى بين ايدي قيادة عسكرية اميركية منهجها ومبرراتها تنفيذ سياسة عدم الالتزام بأي مبادئ سوى مبدأ المصلحة الذاتية الاميركية، وبالتالي لن يكون هذا الوجود عاملا للاستقرار بل للتأثير وارباك الدول المجاورة. ومن هذا المنطلق يبقى هناك الارتياب لدى الدول المجاورة من هذا الوجود. الاحتمال الثالث: ان يتلافى الشعب العراقي والامة العربية الاحتمالين الاولين، بتلاحم الشعب العراقي والخروج من نزعات الطائفية والقومية، الموجودة في العراق اصلا، ووضع خيار للشعب العراقي بان ينال حريته واستقراره وخلاصه من الاحتلال الخارجي، ويضع يده في يد بقية الامة العربية عبر التعاون الوثيق. ويقول المرجع السعودي الكبير، ان الاحتمالات هذه لا تزال قائمة اذ لم يتم فصل الامور بعد. ومع اقتراب موعد الثلاثين من حزيران (يونيو)، يعود الى الاذهان تصور الاميركيين بان السنّة حكموا العراق بسبب صدام حسين ـ مع العلم بانهم في الحكم منذ العثمانيين ـ وانه جاء الآن دور الشيعة ليحكموا، فرفعوا بذلك سقف الطموحات الشيعية، واذا كان بدأ يدور في اذهان الاميركيين انهم اخطأوا بالوعود والطروحات للشيعة، فان هؤلاء يرفضون التنازل عن اي مطلب.. فاين هو المخرج وكيف يكون الحل؟ يقول المرجع السعودي، ان الاميركيين عندما دخلوا العراق لم يكن لديهم تصور واضح عن الوضع المترتب عن الاحتلال العسكري، وان حكاية الشيعة والسنة، والعرب والاكراد، لم تدخل في تصورات المخططين لانجاز الحرب العسكرية، «واعتقد انهم منذ عام يبحثون عن طريقة لايجاد الاستقرار، والذين لم يصدقوا بان نتائج الغزو ستكون وردية كانوا ابدوا للاميركيين انزعاجهم وارتيابهم من امكانية ان تتغلب العناصر الطائفية والقومية في العراق على اللحمة الوطنية فيه، ونصحوا الاميركيين بألا ينزعوا الى نزعة التعامل مع العراق كطوائف واثنيات انما ينظرون للعراق كشعب واحد ويتركون المجال للكفاءات تقرر من يتزعم العراق. لكن نتيجة لرغبة الاميركيين في عدم تحمل مسؤوليات الاحتلال الذي زجوا انفسهم فيه، بدأوا يتعاملون مع الشعب العراقي كطوائف وقوميات، وحتى في تشكيلهم لمجلس الحكم العراقي، جعلوا من النسب التي يعتقدون انها تمثل مكونات الشعب العراقي تأخذ الاولوية، فاختاروا نسبة معينة للشيعة ونسبة معينة للسنة، ونسبة معينة للاكراد، بدون ان يكون لديهم احصاء دقيق عن نسب الشعب العراقي وعما اذا كانت هذه النسب صحيحة ام لا! ويضيف المصدر السعودي، ان الاميركيين، بوضعهم للحكم على هذا الاساس فتحوا المجال لمن يريد ان يستغل الطائفية او الاثنية لمصالح اما حزبية او مذهبية او جهوية. وصار المستغلون يتبارون في السعي للمحافظة على مصالحهم والوصول الى الحكم، وصار من يريد ان يسعى الى مصلحة معينة لا بد ان يسعى لتعريف نفسه بشكل طائفي او اثني حتى ينال ما يريد. هذا ما بدأ ينتشر في العراق، وهو السبب في المشاكل المنتشرة اليوم فيه. ويلفت محدثي الى التغطية الاعلامية الغربية للوضع في العراق فيرى ان هناك تركيزا على الطائفية والاثنية بحيث تم تحديد العراق بانه مكون من ثلاث مناطق: المنطقة السنية والمنطقة الشيعية والمنطقة الكردية.. والذي يعرف العراق، كما يعرفه العراقيون متأكد من ان كل هذه المناطق مزيج ونسيج من كافة الفئات الطائفية والاثنية في العراق. ويستطرد محدثي شارحا: ان الذي يسمونه الآن المثلث السني فيه من الشيعة والاكراد والتركمان ما يوازي السنة، وما يسمونه بالجنوب الشيعي يضم من السنة والاكراد ما يوازي عدد الشيعة. وكذلك الامر في الشمال، فهناك عشائر عربية وتركمان كما ان هناك شيعة اكراداً. ويبدو انه كاستخلاص لوضع يراد منه الوصول الى الاستقرار واتباع الخطوط المذهبية وجد المستعمر الاميركي انه اسهل عليه التعامل مع العراق على هذا الاساس، بدلا من ان يحاول جذب الكفاءة كعنوان ورمز لبلوغ السلطة في العراق. * الخميس المقبل، يكشف المرجع السعودي عن أبعاد وتأثير ما يجري في العراق على المملكة العربية السعودية بشكل خاص وعلى الخليج بشكل عام، مع استبعاده تدخلا ايرانيا في العراق مهما ازدادت الاوضاع فيه تدهورا. الشرق الاوسط 22 / 4 / 2004 |