|
حوار بين الاصلاحيين السعوديين في سبيل فهم مشترك د. الطاهر بن عبد السلام حافظ: حينما يستقر في اعتقاد المثقفين من الشعب ان رجال الحكومة غير مثقفين، وحينما يتناسي المثقفون من الشعب انهم غير متخصصين ولا خبراء فيما يتناولون، وحينما تصبح الثقافة العامة هي معيار التفكير لمشاكل الامة وهي اساس ترشيح النفس للتقدم في صدارة الحل والعقد.. عند ذلك تتأكد انك تعاصر سقوط المجتمع وتهافته سريعا نحو الانحلال من كيانه الشعبي وكيانه الحكومي. فمتي يدرك مثقفو العرب المعاصرون انهم ليسوا هم اهل الحل والعقد، ومتي ينتهبون الي انهم ليسوا هم اهل الفكر الثاقب الذي اذا اعتمدته الدولة في معتركها مع المصاعب الداخلية والخارجية نجحت وازدهرت؟ ان علي المثقف العربي اليوم ان يفرق بين كونه عاميا وبين كونه متخصصا، وان يميز بين قدراته العقلية العامة التي تشكلت كحصيلة لقراءات متفرقة دون منهج علمي محدد ودون خبرات عملية منهجية متكاملة وبين قدراته العقلية المتخصصة والتي تكونت عبر خبرات علمية وعملية في منهج فكري متكامل ذي اتجاه واحد متواصل في اي من علوم الحياة. ومن امراض المثقف العام انه يعي زخم المعلومات الداخلة صبح مساء علي عقله فيئن فكريا من هذا الزخم فيضطرب في عملية تصنيف المعلومات وبناء ايها علي ايها وفي صف ايها في عقد فكري مستقل وبالتالي يختلط عليه الامر في تحليل مدلولاتها وغالبا ما يخطيء في استنتاج الافكار البناءة منها. ومن مخاطره كذلك انه اذا كان المثقف العام غير مكتسب للصفات القلبية العالية فانه سيرفض تصنيف نفسه مثقفا عاميا ويرفض اقصاء نفسه عن مبادرات فكرية هو غير متخصص فيها. ومن مخاطره ايضا انه اذا لم يكن مكتسبا لنور البصيرة (الذي يسمي في الاسلام بالنور الالهي) فان المعلومات التي عنده كلما زادت اظلمت علي عقله قنوات الاتصال بين الرؤية البصيرية والرؤية البصرية التي تمكن المعلومات من التحول الي افكار مضيئة وناجحة نظريا وواقعيا. واتمني ان يدرس المثقف السعودي كيف حصل العوام من المثقفين العرب في عهد النبي صلي الله عليه وسلم علي صفة الثقافة المتخصصة والتي بها اصبحوا ساسة للامم ومفكرين وعباقرة علي مستوي عال وناجح ليس فقط في الجزيرة العربية وطنهم الام بل في كل ارض وطئتها اقدامهم الكريمة. والا فأين درس سادتنا ابو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب وخالد بن الوليد وابو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن ابي سفيان وغيرهم الاف الي عدة قرون من المثقفين اصبحوا خواصا بنور الاسلام بعد ان كانوا عواما بظلام الجاهلية؟! فهل يظن كل مثقف سعودي انه قد بلغ مبلغ احد اولئك الرجال؟ اولئك الذين كانت كل خلية من خلايا عقولهم متنورة بمعاني القرآن الكريم وفهم الرسول العظيم صلي الله عليه وسلم لحقائق الحياة ومقاصدها وعناصرها والموت وما بعد الموت، فكان فكرهم صائبا دائما ولم يتمكن المنافقون والاعداء من احداث فجوات فكرية لاختراقهم! الا نري ان مسيرة المثقفين السعوديين قد اخذت اليوم منحي تجميع المعلومات فحسب وانهم يستقون معظمها من مصادر مضادة للبلاد وثقافتها العالية بروح الاسلام! والا فأين هو المنطق الفكري السليم في ان يتخذ مواطن سعودي لنفسه صفة القيادة السياسية او الفكرية دون المرور بالقنوات المناسبة في الدولة حتي يكون عمله ضمن منهج متناسق مع تحرك البلاد كوحدة واحدة بجميع عناصرها المختلفة.. اما استقبال القنصل الامريكي او غيره من الدبلوماسيين او المفكرين الاجانب من ذوي الصلات السياسية فانه ليس في صالح الحركة السياسية السعودية سواء في اتجاهي الداخل والخارج اذ يمثل ذلك دولة ضمن دولة وحكومة غير معروفة وغير موجهة ضمن حكومة رسمية عليها المسؤولية محليا وعالميا.. وهو ايضا ليس في صالح المثقف السعودي من حيث احترامه لثقافته واستفادته منها، اذ من الحصافة بمكان ان يعي المثقف دروب الترقي ببلاده، لا ان يقع في مزالق الفكر الغــريب ولا في حفر الخلط بين الغاية والوسيلة. ومن العجب ان يغفل المثقفون السعوديون حقيقة ان امراءهم الفاعلين في الحكم هم ايضا مثقفون بل ويزيدون علي المثقف المواطن بزيادة معلوماتهم الدولية وبممارستهم لشؤون الدولة علي عدة جبهات.. وهذا لا يعطيهم رخصة بالقيادة الحرة من كل ضابط بل يضع عليهم مسؤولية اجادة الاستشارة وحسن الاختيار للعناصر البشرية التي تسند جهودهم وتسدد افكارهم، وهذا بالضبط ما يريده امراء الحكومة السعودية من المثقفين العوام والمتخصصين الذين تدين ثقافتهم بالفضل اصلا لخطط التنمية التي نفذتهــــا هذه الحكومة، ولكن ذلك لا يتأتي الا بعمل الحكومة علي فتح قنوات رسمية شرعية في كل جانب مــــن جوانب حياة الشعب يستطيع المثقفون من خلالها المشــــاركة في التفكير والتخطيط والتنفيذ دون حاجة الي مواجهة ولا تشهير. ومن الاولي لكلا الطــــرفين ان يعمل علي انجاح هــــذه القـــنوات لكي لا تظـــل فجوة اجتماعية او سياسية او فكرية يتدخل من خلالها خصوم الوطن او اعداؤه للاضرار بالشعب او لتحطيم دولته. ومن عوامل نجاح مطالبات المثقفين السعوديين ان يعدلوا خطابهم بما يعكس ادراكهم للثقافة العالية التي يتميز بها اعضاء الحكومة، ويكون اعتقادهم هذا صحيحا ظاهرا وباطنا حتي لا يستخفوا بعقول الامراء والمسؤولين ظانين انهم وحدهم الحاملين لشعلة الثقافة. ويبدو من خلال حوار صاحب السمو الملكي الامير نايف بن عبد العزيز مع المثقفين السعوديين الثلاثة عشر مؤخرا انه ادرك من ابعاد المعاني في بيانات المثقفين السعوديين اكثر مما فهم غيره! واجد غرابة فعلا في مطالبات بعضهم بتغييرات تقوض الدولة من اساسها ولا يمكن ان تكون اصلاحا بأي مقياس من المقاييس السياسية او الشرعية ضمن فقه الواقع. فهلا وحدنا صفوفنا الاصلاحية بحيث تكون حركة الاصلاح واحدة شاملة عناصر من الشعب ومن الحكومة في مسار واحد! وهلا فهمنا ان من اسس معني الاصلاح ان لا يتم بجبهة معارضة بل بقنوات تعاون وتفاهم! وعلينا ان نعي ايضا ان اي تغيير يقترحه احدنا ـ سواء من الشعب او من الحكومة ـ ينبغي ان تسبقه دراسة علمية واقعية شاملة تتخذ اطارا لها من الاسلام بكليته اي بجوانبه الروحية والاخلاقية والتشريعية والسياسية ضمن فقه الواقع الذي تعيشه البلاد مع نفسها وبين اصدقائها واعدائها من دول العالم الاخري. اعتبر نفسي اصلاحيا واريد للبلاد لا شك تقدما مستمرا نحو الافصل، ولكني اعد كل امير حاكم في السعودية اصلاحيا ايضا، فلم ار ان توقفت هذه البلاد الكريمة عن التقدم منذ تأسيسها ولا عن اصلاح ما يظهر من خطأ في ادارة شؤونها.. افلا ينظر المثقفون الي ما خولهم من نعم التنمية عبر عقود قليلة!! فمن اراد ان يكون اصلاحيا من المواطنين فالطريق السليم الي تحقيق اهداف ايجابية ان يقدر مثقفو الشعب ثقافة مثقفي الحكومة وان يتخذ وسائل توصل فيما بين العنصرين المكونين للوطن الذي يعيشون جميعا فيه ويحميهم من طغيان الاحتلال الاجنبي الذي يتربص به الصهاينة والغربيون منذ تكوينهم لدولة صهيونية في قلب العالم الاسلامي، وان يتخذ من الصبر والحكمة والاناة منهجا خاصة عندما تظهر عقبات في المسيرة، وليدرك ان وراء قرارات الحاكم عوامل مؤثرة فيها قد لا يحسن به ان يفصح عنها، فلم يحدث في الحكم الاسلامي المجيد ان اشترط علي الحاكم ان يخير ايا من رعاياه باي من اسرار الدولة. كما ينبغي ان يفهم المثقفون والاصلاحيون جميعا ان لا خير في مساندة اجنبية لافكارهم الاصلاحية، وليتفقهوا في التاريخ الاسلامي بعمق ليدركوا ان كثيرا من الحسنات دائما ما تنقلب الي شرور وسيئات اذا جاءت عن طريق عون العدو. واذا كان المثقفون السعوديون لا يدركون حتي الان ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الاوروبيين هم العدو الروماني الذي اخبر النبي صلي الله عليه وسلم بشره في كثير من احاديثه الصحيحة فان المثقفين في عمي الوان من الدرجة الخطيرة. ولكني لازلت ارجو الله تعالي ان يأدم بين جميع عناصر هذا الوطن ليبقي عزيزا ممتنعا عن خبث الخصوم والاعداء.. وعلي المثقفين المواطنين القيام بدورهم في هذا الوفاق. لا نحو التمزق والشقاق. القدس العربي 3 / 4 / 2004 |