العودة للفهرس

المؤسسة الدينية و الصراع .. في السعودية «1 / 2»

علي سلمان: إلى أين تتجه العلاقة بين السلطتين السياسية والدينية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة في ظل تزايد المطالب الداخلية و الضغوط الخارجية على السعودية, وهل الدولة مستعدة بالتضحية بالمؤوسسة الدينية رغبة في البقاء؟

تمثل السعودية قلب العالم الإسلامي النابض الذي تتوجه إليه أفئدة جميع المسلمين, و تملك قوة كبيرة في التأثير على اغلب أبناء الأمة الإسلامية  لامتلاكها قوتين رئيسيتين في التأثير: القوة الشرعية الدينية لوجود الحرمين الشريفين الحرم المكي والحرم النبوي,  وقوة الإمكانات المادية الهائلة.., وبواسطة هاتان القوتان  استطاعت المملكة السعودية تقوية وجدودها في الساحة العالمية, وكذلك نشر الأفكار التي تتبناها وبالذات التي  تتبناها المؤسسة الدينية.

ولقد حققت المملكة عبر ذلك مكاسب كبيرة لتصبح أقوى دولة عربية وإسلامية ذات تأثير كبير في الشأن الإسلامي والعربي والدولي وفي نشر الإسلام والدعوة الإسلامية, و ذلك من خلال فتح المراكز والمساجد , وأعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية ذو الصبغة الدينية المذهبية البحتة, ولقد استفاد أصحاب المؤسسة الدينية من ترويج أفكارهم الخاصة التي تتسم بالتشدد والانغلاق والتطرف المحسوبة على سياسة المملكة الدينية والتي تتبناها وتدعمها بكل الإمكانات بافتخار وعلانية خاصة من قبل كبار العائلة المالكة والشخصيات الكبيرة.

 وبفضل ذلك امتدت رقعة هذا التيار الديني المتشدد الذي كان سابقا محصورا في منطقة ضيقة من الجزيرة العربية في نجد و ضواحيها إلى الظهور والبروز على الساحة العالمية واستقطاب اكبر عدد من المسلمين في العالم بحيث اصبح اكبر قوة دينية سياسية في العالم لما يتميز به من امتلاك السلطة الدينية من اعظم مشرع للدين الإسلامي والإمكانات المادية الهائلة.

وأزداد الدعم المادي الحكومي السعودي بسخاء كبير مع بداية الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن الماضي, و مع بروز دولة دينية ثورية على الساحة كمنافس على تمثيل الإسلام (إيران) حيث أخذت تعمل بصورة مذهبية واضحة تصل إلى حد التكفير والتسقيط والمحاربة للمخالفين...  و مع تواجد القوات الأمريكية في السعودية خلال حرب تحرير الكويت, وتغيير النهج الأمريكي في دعم الحركات الإسلامية التي كانت تعتمد على الدعم الديني والسياسي السعودي و ببركة و موافقة وإشراف أمريكا خاصة في أفغانستان وبضغط أمريكي قوي قلصت السعودية بحياء شديد وبشكل بسيط من الدعم ..  حتى حادثة 11 / سبتمبر 2001 التي هزت العالم و العالم الإسلامي وحولت الأنظار للدين الإسلامي وللمؤسسة الدينية السعودية بالتحديد الراعية الأولى والرسمية للمدرسة التي يتبناها معظم الذين قاموا بالعملية الانتحارية يوم 11 / سبتمبر / 2001.

بعد 11 / 9 / 2001 استيقظت الحكومة السعودية من هول ما حدث من هولاء المنتسبين لمدرستها الدينية الذين أصبحوا يشكلون خطرا كبيرا على سياسة ومكانة الدولة السعودية على الصعيد الدولي, حينها قررت الحكومة سحب بعض الصلاحيات ومراكز القوة من اتباع هذه المدرسة مع التمسك بها بالرغم من تطرف أتباع هذه المؤسسة مادام هي توالي وتتفانى في الدفاع عن النظام, ولكن بعد التفجيرات التي وقعت في شهر رمضان المبارك من هذا العام 2003 اتخذت الحكومة الموقف الحازم والمتشدد من محاربة هذا التيار وأعلنت الحرب العلنية والتصفية والضرب بيد من حديد لا رحمة فيها خاصة عندما تبنى أتباع هذه المدرسة الموقف الشرعي مما تعلموه من أفكار متشددة ومتطرفة من المدرسة السلفية تكفر النظام بالسعودية وتكفر جميع دول العالم وكل من لا يتبنى أفكارها ومواقفها المتشددة.

هل الحكومة السعودية صادقة, وقادرة على القضاء على هذا التيار؟

أم إنها تريد أن يتخلى هؤلاء عن محاربة النظام فقط حتى تمر العاصفة؟

شبكة راصد الاخبارية 27 / 3 / 2004

____________________________

  المؤسسة الدينية و الصراع في السعودية «2 / 2»

علي سلمان: لقد قامت المملكة العربية السعودية على التحالف التاريخي بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود عام 1744، و الاتفاق بينهما على إنشاء دولة تقوم على المبادئ الدينية حسب فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب تكون الإدارة الدينية للمدرسة الوهابية و الإدارة السياسية لعائلة آل سعود.

ولقد كان للمنتسبين للمدرسة الوهابية المتشددة دور كبير في إنشاء الدولة السعودية حيث قامت على أكتاف أفرادها الذين ضحوا وتفانوا في محاربة الأطراف الأخرى من منطلق ديني بحت لنشر الدين على أفكار ما يؤمن به المذهب السلفي الوهابي , ومنذ تأسيس المملكة والدولة قائمة وتستمد شرعيتها الدينية من خلال هذه المدرسة وطالما استفادت الحكومة السعودية من هذه المدرسة في ترسيخ حكمها, و لهذا حدث في وسط العائلة الحاكمة تباين في الأفكار في الطريقة المناسبة للتعامل مع هذه المؤوسسة في ظل خروجها عن طاعة الحكومة السياسية الدينية التي ينتمي لها النظام والداعم لها طوال تاريخه المرتبط بها عقائديا و استراتيجيا خاصة إن هذه المؤسسة لها ثقل كبير في دعم النظام السياسي, و تلميع صورته دينيا, و دور تاريخي متجذر ومؤثر و فعال داخل العائلة الحاكمة وفي دعم وتقوية أطراف معينة في العائلة في ظل الصراع على كرسي الحكم خاصة خلال هذه الفترة من ضعف رأس الهرم السياسيوالكل يريد أن تكون له حصة الأسد.

يوجد أطراف في العائلة تطالب بالتعامل مع هذه المدرسة بأنها مدرسة رجعية لا تلاءم العصر و لابد من استئصالها من الجذور لأنها تقف عثرة في بناء دولة منفتحة تؤمن بالدولة النموذجية الدستورية تواكب التطور في العالم بل إن هذه المؤسسة الدينية أصبحت تهدد النظام السياسي للبلد.

أطراف ترى انه من الصعب التضحية بهذه الجماعة لأنها تشكل الوجه الديني للحكومة و ركيزة أساسية في بناء الدولة وان هذه الجماعة مخلصة للمذهب الوهابي وللدولة و الأفضل ترويض الأفراد المتشددة والمتطرفة بالترغيب أو بالترهيب من غير الاصطدام وخسارة هذه المدرسة.

طرف أخر يرى إن هذه المؤسسة لها شعبية كبيرة ولها مؤيدون ينتشرون في كل المناطق وفي كل المواقع في الدولة, وإنهم على أتم الاستعداد للتضحية بأموالهم و أرواحهم من اجلها, وان أي عمل ضد هذه المؤوسسة سيؤدي إلى فتح باب موجهة عسكرية أستنزافية طويلة ستضعف النظام الحاكم و استمرار بقاء الدولة في النهاية.

في ظل الاختلاف في المواقف ظهر في العائلة أطراف أرادت الاستفادة من الوضع من خلال التقرب من رموز هذه المدرسة والظهور أمامها بأنها تقف معها في الأزمة مع الدولة, وذلك في محاولة استقطاب و الاستفادة منها في الصراع الدائر في وسط العائلة الحاكمة.

و السؤال الذي يفرض نفسه هل ستتعامل الحكومة مع هذه المدرسة و الجماعات والأفراد والطوائف بين أبناء الوطن من منطلق وطني وليس ديني أو مذهبي أو قبلي بحيث تتبنى الحكومة الموقف الطبيعي من الدولة بحيث تكون دولة دستورية مؤوسساتية, تجعل الوطن لجميع المواطنين, وتوزع الثروة الوطنية على الجميع بعدالة, و يكون النظام والقانون والدستور مرجعا لجميع أبناء البلاد بدون تفرقة دينية ومذهبية وقبلية, أو تمييز للعائلة الحاكمة أو لأصحاب المؤسسة الدينية بعد سقوطهم الذريع والمخجل والمتسبب في انتشار مرض كاد أن يدمر البلد ويحرق كل شيء.

شبكة راصد الاخبارية 30 / 3 / 2004