|
الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان... وهذه الملاحظات محمد علي الهرفي: صحيفة "الوطن" في عددها الأربعاء 19 محرم 1425هـ نشرت النظام الأساسي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان التي أعلن عن إنشائها في ذلك اليوم. بعد هذا الإعلان توالت ردود الأفعال فنشرت الصحافة المحلية كلاماً طويلاً لأشخاص كثر عن هذه الجمعية وآرائهم فيها، التي كانت تدور في معظمها عن استحسان هؤلاء لفكرة قيام الجمعية وثنائهم على أهدافها... أما وقد هدأت الأصوات قليلاً وهي حال متبعة في كثير من القضايا التي يتحدث عنها الناس بكثرة في بدايتها ثم تبدأ بالتلاشي بعد ذلك شيئاً فشيئاً ليتحدثوا عن قضية أخرى وهكذا دواليك... وجود جمعية وطنية ـ أو أهلية ـ لحقوق الإنسان حدث مهم وحاجة مجتمعنا إليه قائمة ولكن هذه الحاجة على أهميتها إذا لم تقدم بصورة حسنة ومتكاملة وبوضوح شديدين لن يكتب لها الاستمرار كما لن يدوم تفاعل الناس معها ولهذا ستفقد بريقها لتعود جدواها قليلة في نهاية المطاف. ولعلي في بداية هذا المقال أقترح على القائمين عليها محاولة معرفة آراء الناس فيها لعلهم يستفيدون قدر الإمكان من هذه الآراء لأنهم أولاً وأخيراً سيكون تعاملهم مع هؤلاء الناس فإذا كانت هناك ثقة بين الطرفين كان التعاون قوياً وإلا فسوف ينعدم هذا التعاون لتصبح هذه الجمعية تعمل دون جمهور... عند قراءتي للنظام الأساسي لهذه الجمعية بدا لي أن هناك بعض الوقفات الهامة التي لابد من الحديث عنها, أولها: أن الاسم الذي أطلق على هذه الجمعية أنها "وطنية" و"أهلية" والذين تحدثوا عنها من أعضائها أكدوا أنها تمت بمبادرة خاصة من أعضائها المعلنة أسماؤهم, وهذه الجزئية كانت بحاجة إلى إيضاح أكثر إذ إن السائد عند فئة من الناس أن الأعضاء تم تعيينهم واختيارهم من الدولة ولهذا فهم يستغربون أن تكون أهلية لأن هذا المفهوم من مستلزماته أن يبادر أشخاص فيقدموا مشروعاً متكاملاً ويطلبون الموافقة على تكوين جمعية حقوقية لجهة الاختصاص تتم بعدها الموافقة على هذا المشروع عند استكمال عناصره. هذه النقطة تحديداً بحاجة إلى إيضاح كما أنها بحاجة إلى إيضاح آخر من جهات الاختصاص التي أظنها وزارة العمل لأنها الجهة ذات الاختصاص بالسماح بتكوين جمعيات, هذا الإيضاح يتضمن إمكانية السماح بإنشاء جمعيات أخرى لحقوق الإنسان أو عدم السماح بذلك والاكتفاء بهذه الجمعية مع بيان الأسباب الداعية لذلك... الملاحظة الثانية: إن النظام الأساسي للجمعية قرر أن الجمعية ستعمل على حماية حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية أو الأنظمة العالمية الأخرى التي لا تخالف الشريعة, وسؤالي هنا: ما الفرق بين هذه الجمعية وبين عمل المحاكم الشريعة وديوان المظالم فهذه الأجهزة تعمل حسب الشريعة وكل مواطن يستطيع اللجوء إليها وقت الحاجة ورفع مظلمته إليها, فهل هذه الجمعية ستكون نسخةً مكررةً عن هذه المحاكم؟ ولعل رؤيتي هذه تذكرني ببعض الفتاوى السابقة التي كانت تؤكد أن قيام هذه الجمعيات يعد تعدياً واضحاً على عمل المحاكم فهل هذه الفتاوى ما تزال سارية المفعول أم إن الظروف الحالية استدعت تغييرها؟ أرجو ألا يفهم من كلامي هذا أنني أريد لهذه الجمعية أن تخالف الشريعة لكنني أريد منها أن توضح لنا ما هي الأعمال التي ستمارسها بكل دقة مما لا يمكن لهذه المحاكم القيام بها. الملاحظة الثالثة: إن الفقرة الثالثة من المادة الثانية قالت: إن من أهداف الجمعية "الوقوف ضد الظلم والتعسف والعنف والتعذيب وعدم التسامح" ولم توضح هذه المادة هل هذه الأشياء التي ستقف ضدها موجودة في المملكة أم خارجها؟ وهل يعني هذا أن نشاط الجمعية سيمتد إلى العالم كله فتقف ضد هذه الأشياء عبر العالم الكبير؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل أعضاء الجمعية مؤهلون للقيام بمثل هذه المسائل وهي بحاجة إلى متخصصين من المحامين الكبار والقضاة الممارسين لمثل هذه المسائل؟ أم إنها ستستعين بآخرين من خارجها؟ على أية حال هذه مسائل بحاجة إلى إيضاح كي يفهم المواطن كل شيء عن هذه الجمعية وبالتالي يستطيع التعاون معها. وكذلك الفقرة الثالثة من المادة الثالثة التي تقول: "تتلقى الشكاوى ومتابعتها مع الجهات المختصة والتحقق من دعاوى المخالفات والتجاوزات المتعلقة بحقوق الإنسان" هذه الفقرة بحاجة إلى مزيد من الإيضاح فعن أي لون من الشكاوى والمخالفات تتحدث هذه الفقرة؟ والإيضاح سيخدم الناس كما سيخدم اللجنة كذلك لأن المملكة فيها محاكم شرعية وتجارية وعمالية وديوان مظالم فهل هذه كلها لا تكفي؟ وهل هناك نوع من التجاوزات ليس من اختصاص هذه الدوائر, وما هي في مثل هذه الحال؟ الملاحظة الرابعة: حول المادة الخامسة من نظام الجمعية التي تقول: "إن الجمعية العمومية تتكون من جميع الأعضاء المشار إليهم في المادة الأولى من هذا النظام" أي الأعضاء المؤسسون كما قيل... فهل هذا يعني أن هذه الجمعية ستبقى حكراً على هؤلاء الأعضاء؟ وهل سيسمح بدخول أعضاء جدد وكيف ومتى وما هي شروط هذه العضوية؟ المعروف أن جميع الجمعيات المشابهة تسمح بدخول كل راغب في عضويتها بعد مضي الفترة الأولى على قيامها وتعلن ذلك ضمن شروط تأسيسها فلماذا لم نسمع شيئا عن هذه القضية مع أهميتها بالنسبة لتلك المنظمة؟ الصمت هنا ليس في مصلحة هذه الجمعية لأن هذا السؤال يتردد كثراً في الداخل وأعتقد أنه سيتردد في الخارج كذلك. سمعت من تحدث عن "أصدقاء الجمعية" ولكن هؤلاء الأصدقاء لن يكونوا بدلاء عن الأعضاء العاملين الأصليين في الجمعية... والمادة الرابعة عشرة تحدثت عن موارد الجمعية وحددتها بعائدات الاستثمار من ممتلكات الجمعية الثابتة والمنقولة وكذلك الهبات والوصايا والأوقاف والمنح وريع المطبوعات والنشرات وإيرادات المعارض... إلخ. ملاحظتي هنا أن الجمعيات الحقوقية لا تقبل تبرعات من الدول التي تنتمي إليها لأن قبول هذه التبرعات يطعن في شرعية هذه اللجان كما أنها لا تقبل أية تبرعات قد تضعف من قيامها بمسؤوليتها كاملة. اللجنة هنا قالت إنها ستستثمر ممتلكاتها ولم تقل من أين ستحصل على هذه الممتلكات التي يبدو أنها كبيرة "ثابتة ومنقولة" فهل هي حصلت عليها فعلاً ومن أين؟ أم إنها تتوقع الحصول عليها؟ وكذلك الهبات والمنح والأوقاف فهذه تحتاج إلى فتاوى شرعية بجواز وضع وصايا أو أوقاف لمثل هذه الجمعية, فهل رتبت الجمعية أمورها واستفتت عن هذه المسائل؟ وفي هذا السياق فإن الذي أعرفه أن الجمعيات الحقوقية لا يتقاضى القائمون عليها أية مكافآت إذ إن عملهم تطوعيٌ فهل هذه الجمعية تطبق هذا النظام لأنني لم أقرأ في نظامها الأساسي أي شيء عن هذا الموضوع؟ على أية حال وجود جمعية تُعنى بحقوق الإنسان بادرة طيبة، إذا قامت هذه الجمعية بدورها الذي يتوقعه منها المواطنون وغيرهم, ولعل هذه الجمعية تكون بداية لقيام جمعيات أخرى مماثلة وغير مماثلة وإنا لمنتظرون. شبكة راصد الاخبارية 23 / 3 / 2004 |