العودة للفهرس

  اعتقال الإصلاحيين يخالف القوانين السعودية

علي فردان: لقد صُدِم العديد من المراقبين للوضع الداخلي السعودي، فبعد مؤتمرين للحوار الوطني وزخم إعلامي صاحبهما وصاحب تصريحات حكومية عديدة تتحدث عن الإصلاح، ينتهي الأمر إلى اعتقال الناشطين الإصلاحيين دون أن يصدر أي خطاب لولي العهد عن الموضوع.

بعد أن تمّ اعتقال الإصلاحيين خرج بيان الداخلية من «مصدر مسؤول» يتهمهم بالإساءة للوحدة الوطنية.  وتضيف وزارة الخارجية بأن الإصلاحيين تورطوا في أعمال تحريض بهدف إثارة البلبلة في البلاد، وإن الاعتقالات شأن داخلي يخص المملكة وحدها.  ويظهر علينا فجأة سماحة المفتي ليكمل الحلقة ويتهم الإصلاحيين بأنهم الأعداء وإن الإصلاح لن يتم إلاّ بدين الإسلام.  ولا تنتهي هنا، بل يظهر الأمير سلطان وزير الدفاع ويتهم الإصلاحيين بأنهم ظالمون حين قال بأن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وُجِدت للدفاع عن المظلوم وليس الظالم.

لنقف قليلاً عند النقاط أعلاه، وهي أن ما حدث هو اتهامات حكومية تطعن في مجموعة من المواطنين دون أن تُتاح لهم محاكمة عادلة، بل قبل أن يتم تحويلهم للقضاء الشرعي، وليس هناك أي تمثيل قانوني لهم، ولم يتم السماح لهم بالاتصال بأحد أو بمحامي، فكيف يمكن معرفة أنهم أعداء للوطن وأعداء للدين وأنهم من الظالمين قبل أن تُوجّه لهم تهمة علنية ويتم اتخاذ الإجراءات القانونية التي تنفي أو تؤكد تلك التهمة، ومن ثم إيقاع العقوبة عليهم أو تبرئتهم.

إن القوانين التي صدرت من وزارة العدل (نظام الإجراءات الجزائية) وتم نشرها على موقع الوزارة على شبكة الإنترنت تنص المادة الثانية على عدم إيذاء المقبوض عليه جسدياً أو معنوياً، كما تحظر تعريضه للتعذيب أو المعاملة المهينة للكرامة.  إن ما حدث في حالة القبض على العديد من الإصلاحيين الأكاديميين في الحرم الجامعي وأمام الطلاب هو إهانة للكرامة، وخاصةً صاحب ذلك منعهم من الاتصال بأهاليهم أو بمحامين.  ولا ندري هل سيتم تعذيبهم جسدياً أو معنوياً، فقد تم إجبار الآخرين الذي أفرجت عنهم وزارة الداخلية على توقيع تعهدات وإلاّ استمر سجنهم، وهذا مخالف للقانون.  وتنص المادة الرابعة على أحقية كل متهم أن يستعين بوكيل أو محام للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، وقد تم رفض طلب محامين في الرياض وجدة تقدموا للدفاع عن المتهمين، وهذا أيضاً خلاف للقانون.  وتفيد المادة 64 بأن للمتهم حق الاستعانة بوكيل أو محام لحضور التحقيق، وهذا دليل آخر على انتهاك وزارة الداخلية للقوانين والإجراءات التي تتحدث عن حقوق المواطن في محاكمة عادلة حيث يتم التحقيق مع المتهمين دون أن يكون معهم أي محام، بل يتم التضييق عليهم لانتزاع اعترفات منهم أو إجبارهم على التنازل عن حقوقهم تحت التهديد أو إجبارهم على تعهدات تحت الضغط والتهديد خلافاً للمادة 102 والتي تنص على أن يكون الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقوال، ولا استعمال وسائل الإكراه ضده.

وحيث أن المتهمين لم يكونوا حينها في حالة تلبّس بجريمة، فقد تم اعتقالهم من أعمالهم الخاصة ومكاتبهم في الدوائر الحكومية والجامعات، وتم إجبارهم للذهاب للجهات الأمنية، فإن ذلك أيضاً يخالف المادة 35 والتي تنص على إخبار المتهم بأسباب إيقافه وأن يكون له الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه. 

هناك العديد من القوانين "الورقية" في هذه البلاد والتي لا قيمة لها على أرض الواقع مع أن هذه القوانين لا ترقى لما نطمح إليه وكُتبت لحماية الجهات الأمنية قبل المتهم؛ وقم تمّت كتابتها فقط للتضليل وللمناوشات الإعلامية حتى تتباهى حكومة آل سعود بوجود قانون يحمي المتهمين ويعطيهم فرصة عادلة للدفاع عن أنفسهم وفي وجود قوانين عادلة تقتص من المخالف.  والواقع يشهد بأن ما حدث للناشطين الإصلاحيين هو أكبر انتهاك لحقوق الإنسان، فقد تمّ اتهامهم وتأكيد التهمة قبل أن يحصل أي تحرك قانوني.  وحتى لو ما حدث لحد الآن لهم يتم ضمن "القوانين السعودية"، فإن ظهور وزير الخارجية ليؤكد التهمة على الناشطين، ومن بعده سماحة المفتي، وبعد ذلك وزير الدفاع، يعني مخالفتهم للقانون، فلم يتم تجريمهم قانونياً لحد الآن، ولم يتم عرضهم على محكمة، فكيف بإدانتهم قبل عرضهم على المحكمة، وكيف بتكريس فكرة عدم وطنيتهم وأنهم الأعداء والظالمين علناً، بدل أن يتم إسدال الستار على التهم ليأخذ القانون الجزائي مجراه، وحرصاً على سلامة التحقيق.  وماذا عن دور ولي العهد؟  هل سيظهر لنا على شاشة التلفاز بعد ثمانية أيام من اعتقال الإصلاحيين ليشرح لنا لماذا هذا الصمت المطبق على لسانه، حفظ الله لسانه الفصيح من كل مكروه؟

لقد أصبح وضح الحكومة السعودية أكثر حرجاً خاصةً بعد عدة سنوات من المماطلة والتسويف والتحدث عن الانفتاح وحرية التعبير والإصلاح، لقد هدم نايف باعتقاله الإصلاحيين في يوم واحد ما بنته الحكومة أو خُيّل لها أنها بنته خلال الثلاث سنوات الماضية.  النقطة المضيئة في موضوع الاعتقالات هو تجاوب العالم الحر مع قضيتهم والتي أصبحت خبر الساعة، وكذلك البيان والمناشدة من زوجات الإصلاحيين والموجه للجنة الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية حيث أنه ذلك يفضح حيادية اللجنة والتي ناصرت الظالم ولم تنتصر للمظلوم.  ولا ننسى الزخم الإعلامي الإصلاحي وتوقيع أكثر من 150 ناشط سعودي تضامناً مع المعتقلين.  كل ذلك يصب في إسراع بالبدء في عجلة الإصلاح، فهل ستعتقل وزارة الداخلية زوجات الإصلاحيين وكذلك المتضامنين معهم بنفس الحجة؟  أم ستُعجل بالإفراج عن المعتقلين ليصبحوا رموزاً أكثر من ذي قبل؟  فشكراً لكل من يؤمن بحرية التعبير، لكن ناشط في حقوق الإنسان والحقوق المدنية، لكن ما ساهم في رفع ظلامة ضد أخيه الإنسان، لكن من وقف في وجه الطاغوت والظلم والقهر، لكل إنسان حر كريم يتألم لما حصل لأخوة لنا ذنبهم فقط أنهم أرادوا الحق والعدل والحرية، لكم جميعاً دعواتي ودعوات الملايين من هذا الشعب بأن يوفقكم الله في مسعاكم.

شبكة راصد الاخبارية 23 / 3 / 2004