|
نحن والغرب الجديد رؤى الإصلاح المتصادمة بين الغرب والشرق د. رسول محمَّد رسول: ما إنْ أخذت إدارة الرئيس بوش الابن طريقها إلى البيت الأبيض حتى بدأت مشروعات إصلاح الشرق الأوسط تنهال واحدة إثر أخرى، وقد زاد إصرار إدارة المحافظين الجُدد عليها بعد معترك حادث الحادي عشر..، وبينما كان الرئيس بوش يُدعم مشروع (خارطة الطريق) في قمة العقبة أطلقَ هناك مشروع الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية أو ما أشبه من حيث التسمية، وهو مشروع لم يلق أُذناً صاغية سوى منْ رحَّب به من القادة العرب، أهلُ الشراكة السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي خلال عامين كثيرا ما بحث الأمريكيون والأوروبيون عن منابع وبواعث الإرهاب والعُنف في الوطن العربي الذي طال البيت الغربي ـ الأمريكي في عُقر داره هذه المرة (حادث الحادي عشر من سبتمبر)، وتوصلوا إلى مجموعة من القناعات بأنَّ أسباب شيوع العنف في المنطقة العربية إنَّما يعود إلى تردي الأوضاع الاقتصادية حيث الفقر والجوع، والأوضاع السياسية حيث التسلُّط الفردي وغياب الحريّة في المشاركة السياسية، وإلى الأوضاع الاجتماعية حيث قمع المرأة وتغييبها عن المشاركة الفاعلة في المجتمع العام وبقاءها حبيسة البيت والرجل وخطابه الرجولي المتسلُّط. مشروع.. ومشاريع.. إنَّ هذا المشروع ليس الوحيد الذي جاء من الخارج، فإذا كان المشروع الأمريكي في الشراكة جاء من الغرب الأمريكي نلاحظ أنَّ أكثر من مشروع جاء من الغرب الأوروبي أيضاً، لكنَّ كل هذه المشاريع لم يدخل أحدٌ منها حيِّز التنفيذ فيما بقي التطلُّع الغربي قائماً على ضرورة إخضاع المنطقة العربية لإصلاح جذريٍّ بات أكثر من ضرورة، وفي ضوء هذا الإصرار عادت الغرب الأمريكي من جديد لطرح مشروع جديد تحت عنوان (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، بعد أنْ عززت الولايات المتحدة ثقتها بنفسها ـ كما تعتقد إدارة الرئيس بوش ـ من خلال إزالة دولة طالبان في أفغانستان، والدولة البعثية بالعراق، وكسب الجماهيرية الليبية إلى صفها، ومن ثمَّ التحرُّك استراتيجيا في منطقة المغرب العربي، والحصول على بعض التنازل من إيران. ما هو ملاحظ أنَّ قراء أولية في نص المشروع تكشف عن شموليته الجغرافية التي يريد المشروع أنْ يطالها، فهو لا يُعنى بدول الوطن العربي حسب إنَّما إسرائيل، وباكستان، وأفغانستان، وإيران، وتركيا، كما أنَّ المشروع اعتمد، ولأولِّ مرة في تاريخ المشروعات الإصلاحية الخارجية، على تقرير التنمية العربية (2002 ـ 2003) فيما تضمنه من معطيات مستقرأة من واقع حال المنطقة العربية وهي المنطقة التي لا تكاد تختلف من حيث المشكلات العامة عن مشكلات الدول غير العربية التي وردت في المشروع، وهو إلى جانب ذلك يتمتع بالشمول من حيث الجوانب التي يريد معالجتها، فهو ينقسم إلى ثلاث مطالب، هي: تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح (مبادرات: الانتخابات الحُرة، ووسائل الإعلام المستقلة، مكافحة الفساد وخلق الشفافية، المجتمع المدني)، وبناء المجتمع المعرفي (مبادرات: التعليم الأساسي، مدارس الاكتشاف، إصلاح التعليم، معالجة الهوة الحاسوبيّة، التدريس)، وتوسيع الفرص الاقتصادية (مبادرات: تمويل النمو، التجارة، منبر الفرص الاقتصادية، المناطق التجارية، رعاية الأعمال، توسعة المال لشرق الأوسط، بنك تنمية الشرق الأوسط الكبير)، كما أنَّ الولايات المتحدة أخذت على عاتقها تطبيق مبدأ إشراك الجانب الأوروبي وتحديدا الاتحاد الأوروبي فضلا عن منظمات دولية أخرى مثل (مجموعة الدول الثمانية)، وستدعمها في مؤتمرات وقمم قادمة حيث ستعقد قمة مجموعة الثماني (الولايات المتحدة، وكندا، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وايطاليا، واليابان، بالإضافة الى روسيا) من الثامن الى العاشر من حزيران (يونيو) القادم في ولاية جورجيا (جنوب شرق الولايات المتحدة)، كذلك في القمة السنوية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي ستعقد في ايرلندا في 25 ـ 26 يونيو، وقمة الحلف الأطلسي التي ستعقد مبدئيا يومي 28 ـ 29 يونيو القادم أيضا بتركيا. في هذه الأثناء، بدأت في بروكسل يوم الجمعة السابع والعشرين من الشهر الماضي مناقشات معمقة بين فرنسا، وألمانيا، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية خافير سولانا بشأن ورقة عمل تقدَّم بها البلدان تحمل اسم (علاقة استراتيجية من أجل مستقبل مشترك مع الشرق الأوسط)، تختلف الورقة الأوروبية عن غيرها بأنَّها تدعوا إلى الحوار والتحفيز مع الأطراف العربية، وهي لم تحدد معنى الشرق الأوسط لكنها لا تتجاوز دول الوطن العربي، وتدعو إلى التعامل مع الحكومات العربية والمجتمعات المدنية العربية، والتركيز على خصوصيات المجتمع العربي ومنه الهويَّة والشعور الوطني، ومع إنَّ الورقة الأمريكية أشارت إلى جامعة الدول العربية إشارة عابرة توحي بعدم التعويل عليها، نلاحظ أنَّ الورقة الأوروبية تشجع الدول المعنية على المشاركة عبر الجامعة العربية، وتدعو إلى بناء علاقة وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والعودة إلى وثيقة(إعلان تونس)، وترى الورقة إمكانيّة الجمع بين الخطوط الكبرى للمبادرة الأمريكية والمبادرة الأوروبية، مع إشراك المنظمات المعنية مثل الأمم المتحدة وغيرها في عملية الشراكة والتحديث، كذلك تدعو إلى إشراك (مجموعة الثماني) بما لها من أدواة في تنفيذ مشروع الورقة، وفي هذا السياق، لم تكن بريطانيا لترفض المشروع الأمريكي في وقت لا تريد فيه التفريط بالورقة الأوروبية؛ لذا دعت إلى الجمع بين المشروعين والخروج بمبادرة موحدة أمريكية ـ أوروبية. نقد وبدائل لقد واجه المشروع الأمريكي مناهضة عربية واضحة المعالم، كان لقاء العاهل السعودي مع الرئيس المصري بداية أسست للمناهضة العربية، ومن ثم توال الرفض لدى أطراف عربية أخرى حتى وصلت حد المناقشة في اجتماعات عدة لأطراف خليجية وعربية مثل اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة مؤخرا، فمن الأطراف العربية منْ عدَّ المشروع الأمريكي انتقائي يغفل ما تفعله إسرائيل بالعرب، كما أنه يغفل سياسة الكيل بمكيالين، ومنهم من وجد في المشروع غامطا لحق الخصوصية العربية بدليل إنَّه يعرض لشرق أوسط كبير يشمل تركيا وأفغانستان وإيران وإسرائيل، ومن الأطراف أيضا منْ وجدَ فيه جوانب إيجابية يمكن التعامل معها بعقلية براغماتية لصالح العرب والمنطقة..، ولكي لا يترك العرب الحبل على الغارب، كما يقال، سارعت القاهرة إلى تقديم رؤية إصلاحية لواقع العرب المعاصر وعرضتها على اجتماع وزراء الخارجية العرب، وتضمنت أربعة بنود هي: أولا: عزم العرب على استمرار عمليات التحديث والإصلاح التي تضطلع بها المجتمعات العربية استجابة لرغبة وحاجات شعوبها. ثانيا: دعم جهود المنظمات الشعبية الوطنية المستنيرة لدعم التحديث والتطوير والإصلاح في إطار الشرعية, ثالثا: يرحب العرب بالتعاون مع الدول الصديقة المستعدة للتفاعل مع تحرُّك العرب الأصيل على أساس من النديَّة الكاملة، وعدم فرض أُنموذج معيَّن، وتجنُّب ما يتعارض مع التوجهات المنبثقة من الثقافة الذاتية، والتقاليد الدينية والقومية المستنيرة لمجتمعاتنا العربية. رابعا: إيمان العرب بأنَّ توفير المناخ الضروري لنجاح التحديث والتطوير والإصلاح لتكريس الإمكانيات اللازمة لهذا الغرض يتطلَّب توفير العدالة والقضاء على كافة مشاعر الإحباط واليأس من خلال تسوية القضية الفلسطينية على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كذلك احترام سيادة الشعوب العربية، والحفاظ على وحدتها الإقليمية، وسلامة أراضيه. تصارع ومصالح الشرق الأوسط إذن موئل مبادرات لمشروعات إصلاحية خارجية وداخلية تبدو جميعها حتى اللحظة تصارعيّة فيما بينها؛ فللغرب الأمريكي مبادرته، وللغرب الأوروبي مبادرته، ولبريطانيا موقفها الانتقائي والوسطي، وللعرب أو الشرق أوسطيين رؤيتهم الخاصة، ولكلٍّ من هذه المواقف رؤيتها في الاختلاف بل والتصادم بقدر ما لها من رغبة في التوائم والانسجام، وبالتأكيد أنَّ الولايات المتحدة ستمارس ضغوطا على دول المنطقة من خلالها ومن خلال أطراف دولية عدة، فربما يشرح المبعوث الأمريكي إلى المنطقة أبعادا عديدة لمشروع بلاده، فيما سيضغط على الاتحاد الأوروبي وأطراف دولية أخرى باتجاه قبول العرب بها، إلا أنَّ الصعوبات في القبول والتبيئة تُبقي المشروع عرضة للتعثُّر، والأمر لا يكاد يختلف بالنسبة للمبادرة الأوروبية، خصوصا وأنَّها تنطلق من موقف تصارعي على الشرق الأوسط قدر تعلق الأمر بمقارنتها مع المبادرة الأمريكية لا سيما وأن مصادر أوروبية عدة أشارت إلى أنَّ الهدف من المبادرة الأوروبية هو تفويت الفرصة على المشروع الأمريكي وطرح بديل أوروبي، بينما تُضمر المبادرة العربية (المصرية) اتجاها نديَّا تجاه مبادرات الآخر، ومن جهة لا تتمتع هذه المبادرة بالشمولية بل إنَّها اصطفائية وفوقية، فهي تبدو نخبوية تعتمد على النخب الوطنية المستنيرة ولا أدري ما الذي فعلته هذه النخب طيلة قرن ونصف من الزمان للعرب، وبالتالي هل حقا تحترم الأنظمة العربية النخب المستنيرة في المجتمع العربي؟ لذا جاءت هذه المبادرة بعيدةً عن الخصوصيّة التي يُطالب بها العرب رداً على المبادرة الأمريكية الخارجية التي تغمط حق الخصوصية في مجتمعاتنا! لا ريب أنَّ ولادة أيُّ مبادرة من أجل إصلاح مجتمع ما تعبر عن موقف إيجابي؛ فصلاح المجتمعات أمر ضروري ومعتاد في التاريخ، لكنَّ الباعث على ولادة مشروعات الإصلاح والشراكة المشار إليها أعلاه جاءت من وازع الصراع على الشرق الأوسط من جهة، ولتفادي مخاطر العُنف والإرهاب الذي بات يطال البيت الغربي ذاته من جهة أخرى، إنَّ هذه البواعث هي التي دفعت الغرب الجديد إلى طرح هذه المبادرات، والأنكى في الأمر هنا هو الطابع التصادمي والتصارعي الذي يدور رحاهما بين الأطراف الغربية والعربية سواء بسواء، هناك نوع من التسابق والتنازع يغيب عنهما التنسيق والتفاعل المنتج والإيجابي بين الأطراف الغربية والعربية والشرق أوسطية، فالمبادرة العربية تفتقر إلى الواقعية والإمكانيات المادية لتحقيق الإصلاح بينما المبادرات الغربية وإنْ بدت تمد الوشائج مع الأطراف العربية، تبدو ذات سطوة وشمولية لا تتوافق وحركيّة المجتمع العربي في كل أصعدته الفاعلة. ما هو مهم أنَّ الغرب الأمريكي الجديد يسعى إلى عولمة الشرق الأوسط على طريقته، كما أنَّ الغرب الأوروبي يسعى، هو الآخر، إلى عولمة الشرق الأوسط على طريقته، وفي خضَّم كل ذلك يسعى العرب، بدورهم، إلى عوربة شرقهم الأوسطي على طريقتهم أيضا، وفي خضَّم كل ذلك أيضا تبد العلاقة العربية مع الغرب الجديد تدخل عهدا جديدا إما أنْ ترسُم قمة تونس القادمة ملامحه عمليا أو أنْ يُصار إلى قبول العرب والشرق أوسطيين لمبادرات توفيقية يرحب بها قادة الإصلاح العرب على الطريقة الأمريكية الجديدة. ايلاف 15 / 3 / 2004 |