العودة للفهرس

حمود البدر: مجلس الشورى السعودي خطوة في إطار الإصلاح

مصطفى الأنصاري من الرياض: شهدت الساحة السعودية أخيراً جدلاً حول الخطوة الجديدة التي اتخذها مجلس الشورى ببث ساعتين من مداولاته كل أسبوع. وعلى رغم وصف غالبية الشرائح المثقفة هذه الخطوة بـ"المهمة", الا انها تختلف حول أبعادها وما اذا كانت بالمستوى المطلوب.

الامين العام لمجلس الشورى الدكتور حمود بن عبدالعزيز البدر قال لـ"الحياة" ان الخطوة "تمثل نقلة نوعية في عمل المجلس, وردود الفعل حولها إيجابية". لكن الكاتب الصحافي سليمان العقيلي وصفها بـ"الصغيرة" وأنها "جاءت متأخرة وبدت محبطة إلى حد ما, لأن شريحة كبيرة من المهتمين بعمل المجلس كانت تنتظر خطوة أكثر جرأة". وتساءل: "بعدما تحققت فكرة طالبنا بها منذ سنوات, يحق لنا أن نسأل عن الأسباب التي تجعلنا نتأخر عن مواعيدنا, ولماذا نصل متأخرين وننفذ أفكاراً حضارية مرموقة بعد أجلها بسنوات فلا يعود لها حين تأتي طعم ولا بهجة". الا أن العقيلي أقر بأنها "خطوة طيبة وجيدة في إطار الإصلاحات الوطنية, وتأكيد للشفافية السياسية التي تسير بها السعودية وإن كانت بتؤدة". لكنه اعتبر ان "نجاح الفكرة يتوقف على الإخراج وعلى مونتاج المادة المنتقاة", آملاً ألا يكون هناك "مقص رقيب صارم على الأفكار التي يطرحها الأعضاء تحت قبة المجلس, ويحول دون تدفق الآراء إلى الناس بالحيوية نفسها التي تسود جلساته", مطالباً بعدم حجب "الآراء الجيدة عن الرأي العام, وأن نختار المداخلات التي تعكس نموذجية الحوار وسخونة المناقشات وصراحتها, وإظهارها كمكسب كبير ليس لمجلس الشورى فحسب وإنما للمناخ السياسي الذي تعيشه البلاد ولصورتها الخارجية ودفع للإصلاحات إلى امام".

وعما إذا كان يرى في الخطوة مرحلة تمهيدية لتعريف المجتمع بأعضاء مجلس الشورى قبل الانتخابات أعرب العقيلي عن اعتقاده بأن "بث الجلسات لا علاقة له بشكل المجلس مستقبلاً, ولا بالتطور الذي ينتظره, وإنما هي علامة تعكس حرص الدولة على الانفتاح الداخلي وتعزيز أدوات الحريات والإتصال السياسي وتقوية قيمة الشورى في المجتمع التي كانت غائبة, وتعزيز المكانة الاجتماعية لأعضائه".

أما أعضاء المجلس فيرون اجمالاً ان الخطوة "جيدة جداً". ويعتقد عضو المجلس رئيس تحرير المجلة العربية حمد القاضي ان بث الجلسات "يجعل المواطنين ينظرون الى ما يناقش مما يهم الوطن بكل موضوعية وشفافية, كما تتيح للعالم معرفة الطريقة التي يتداول بها الحوار في المجلس, والحرية الممنوحة لأعضائه في التعبير عن آرائهم من دون وصاية وهي خطوة جاءت في وقتها".

ويتفق البدر مع القاضي حول هذه الجزئية اذ يعتقد بأن "الخطوة التي اتخذها مجلس الشورى ستشكل حلقة وصل بين المجلس والمجتمع". بيد أنه أكد أنه لا ينظر إليها على أنها ضمن خطوات جريئة سيشهدها مجلس الشورى السعودي كبث حلقاته حية وانتخاب بعض أعضائه أو كلهم, مضيفاً ان "الأمور دائماً تؤخذ بالتدريج".

وينفي عضو مجلس الشورى وكيل وزارة الإعلام السابق الدكتور عبدالرحمن الشبيلي أن يكون العائق أمام البث الحي لجلسات المجلس رسمياً, كما فهم البدر ويقول: "العائق الرسمي أمام البث الحي زال, وتبقى المشكلة فنية". والمشكلة كما يراها الشبيلي هي "أن المجلس يعقد جلستين أسبوعياً مدتهما معاً ثماني ساعات, ويصعب عرض كل هذه الساعات في القناة الأولى التي يمكن استقبالها في أرجاء السعودية كافة لأن المحطات الثلاث الأخرى لا تشاهد في كل أنحاء البلاد إلا بواسطة الأقمار الاصطناعية". ويعتقد أن البث الجزئي الذي حدث أخيراً لحلقات المجلس أتى "نتيجة تدرج طبيعي للأمور بدأ قبل نحو عامين, بعرض جلسات كاملة حضرها ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز, وأخرى حضرها وزير الدفاع وثالثة حضرها وزير الداخلية. ومنذ نحو أربعة أعوام توافرت لدى المجلس قناعة بضرورة الانفتاح على المجتمع إعلامياً, لأن الكثيرين من المواطنين يخفى عليهم أسلوب العمل داخله وطبيعة مسؤولياته. وكان أمام المجلس عدد من الخيارات, بدأها بفتح أبوابه أمام رجال الصحافة والاعلام وأمام المسؤولين والمواطنين الراغبين في حضور الجلسات, اضافة إلى تقديم برنامج أسبوعي يوجز ما يناقش في المجلس في أسبوع".

وعن أهمية البث الحي قال الشبيلي: "في رأيي الشخصي وبصفتي إعلامياً فان مداولات المجلس قد لا تكون مع الأيام مادة جاذبة إلا لمن يهمه موضوع معين, وربما كان الأفضل أن تتاح المداولات كاملة عبر الإنترنت".

أما الكاتب السعودي محمد رضا نصرالله فيرى أن بث مداولات المجلس "يلقي مزيداً من المسؤولية على أعضاء المجلس خصوصاً بعدما بات من الممكن أن يتقدم أي عضو في المجلس بمشروع يقترحه للمداولة والنقاش, مما يدفع بمداولات الأعضاء نحو قضايا ما كان ممكناً إبداء الرأي حيالها". وأعرب عن الأمل في أن يتيح ذلك هامشاً من حرية الحوار في قضايا الإصلاح الوطني بدءاً من مناقشة تفاصيل موازنة الدولة, إلى أخذ رأي المجلس في التعيينات الإدارية العليا, وضبط ظواهر التسيب في بعض الإدارات الحكومية وحل المشاكل المزمنة والعمل على تعزيز قيم الولاء الوطني".

ويتفق عضو المجلس وكيل وزارة التربية والتعليم سابقاً الدكتور عبدالعزيز الثنيان مع زملائه على كون الخطوة جيدة, وان كان يختلف معهم في رؤيته لتأخرها وتفسيره لأهميتها, ويعتبر ان البث "نقل للجمهور رأي الأعضاء الذي كان محبوساً داخل الصالة سنين عدة, وسمحت لهم بالتعبير عما يود المجتمع أن يقوله, وهي تبين للمواطن كيف أن عضو المجلس يمثل نبضه لدى الجهات الحكومية ولدى القيادة". وأضاف: "عندما بثت الحلقة التي نوقش فيها أداء البريد في السعودية قابلني معلم في مدرسة أحد أبنائي وحياني على رأيي الذي طالبت فيه بدعم التعليم بدلاً من دعم البريد, ما يعني ان العضو يجد التفاعل مع رأيه ومشاركته في المجلس في شكل سريع ومباشر من قبل المجتمع". وحول ما يضيفه البث الى أعضاء المجلس من مكانة اجتماعية قال الثنيان ان "محبة الظهور الإعلامي فطرة موجودة في كل مجتمع, وفي كل المجتمعات يوجد من يحب الظهور الإعلامي ومن هو عكس ذلك. وأعتقد أن غالبية أعضاء مجلس الشورى السعودي منطلقهم وطني". وعما إذا كان الأعضاء يتطلعون إلى خطوة أكثر تقدما يقول الثنيان: "رؤيتي للبث الذي يجرى الآن أنه أشبه ما يكون بالنقل الحي", مستبعداً مخاوف البعض من أن تلعب أمانة المجلس دور الرقيب لفلترة مداخلات الأعضاء, وقال: "حديثي لم تحذف منه كلمة واحدة في الحلقات الماضية, وكل من مناقشات زملائي بثت من غير تدخل, ونحن في المجلس تمنينا هذه الخطوة منذ زمن لأنها تسمع الجهات الحكومية نقاشنا, وتبين للمجتمع اننا معنيون بالقضايا التي يشكو منها, كما يوضح للجهات الحكومية مآخذنا على أدائها". ورداً على اعتقاد البعض بأن بث مداخلات الأعضاء سيرفع أسهم بعضهم لدى المجتمع وينزلها لدى آخرين ويسقطهم, قال الثنيان: "لا شك في أن عرض النقاش وحديث الأعضاء المباشر يكشفهم للمجتمع, وكثيرون فوجئوا بالبون الشاسع بين الأعضاء بعدما شاهدوا المناقشات. وأعضاء مجلس الشورى من خلال معرفتي بهم منطلقهم واحد هو مصلحة الوطن". أما موقفه من انتخاب أعضاء مجلس الشورى فقال انه يعارضه أو يتفق معه "بحسب معايير الإنتخاب, ولا أرفضه من حيث المبدأ". في حين أكد أن أعضاء المجلس يتطلعون إلى "أن يتم بث مداولات المجلس حية على الهواء لمصلحة الوطن, ولأن ما يقال في المجلس ليس فيه شطط, فهو عقلاني وموضوعي, وأنا شخصياً لا أرى مبرراً لحجب ما يقال في مجلس الشورى".

الحياة 16 / 3 / 2004