|
الإصلاح الآن.. أو أسطورة الخطر الإسلامي د. خالد شوكات: زعمت بعض الدول الأوربية في حوارها الأخير مع الولايات المتحدة حول مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي استضافته مؤخرا بروكسيل، أن ثمانية أو تسعة دول عربية سيهيمن علي أنظمتها الإسلاميون إذا ما أجريت فيها انتخابات نزيهة وديمقراطية، وأزعم بدوري أن هذا الكلام غير صحيح، وأن الإسلاميين وإن كانوا قوة سياسية هامة في جل الدول العربية، فإنه ليس بمقدورهم تحقيق فوز انتخابي ساحق قادر علي قلب المعادلة السياسية رأسا علي عقب في أي بلد عربي، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. والبين عندي، أن المثال الجزائري استثناء في السياق العربي لا يمكن الاحتجاج به، تماما كما كانت الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي استثناء، فطبيعة الجزائر والجزائريين ميالة للحدية خصوصا في حسم الأمور في لحظات هامة بعينها، غير أن الأمور سرعان ما تعود في الجزائر نفسها إلي خط الاعتدال، علي نحو ما هو سائد حاليا فيها، حيث يعتقد أن قوة الإسلاميين الانتخابية قد تبلغ في أحسن الأحوال الأربعين في المائة، غير أنها في كل الأحوال غير مرشحة لمعانقة الحالة التي حققت فوز الجبهة الإسلامية أوائل التسعينيات مرة أخري. والحق أيضا، أنه سبق للإسلاميين في العالم العربي أن خاضوا معارك انتخابية في أكثر من بلد، اتسم عدد كبير منها بنزاهة مقبولة، علي غرار ما شهدته دول كالمغرب واليمن والكويت ولبنان ومصر، غير أن النتائج لم تأت صاعقة أو انقلابية في طابعها والآثار الناجمة عنها، ولعل أهم نتائجها تكمن في إظهار الإسلاميين قوة سياسية ذات نفوذ في الشارع، ولكنها ليست القوة البعبع ، أي القوة الكاسحة التي تهدد بنسف الأنظمة وتبديل توجهات الدول وعلاقاتها. إن الحركات الإسلامية وإن كانت قوة سياسية هامة في أكثر من دولة عربية، إلا أنها تظل جزءا من نسيج الحركات السياسية المعاصرة، التي لم تنجح بعد في الوصول بخطابها إلي شرائح واسعة من المجتمعات العربية، حيث تظل الولاءات العشائرية والقبلية والأسرية والجهوية والمصلحية تلعب دورا أساسيا في صياغة الخارطة السياسية في حال جري الاحتكام إلي عمليات انتخابية شفافة ونزيهة. وإذا ما أخذ نموذج المغرب أو مصر مثلا، باعتبار البلدين قد صنفا وفقا للأوروبيين في قائمة الدول العربية التي يمكن أن تسقط في يد الإسلاميين، فإن الثابت من خلال المؤشرات التي ظهرت في العمليات الانتخابية السابقة - مع الأخذ بعين الاعتبار الشوائب التي ميزتها- أن الإسلاميين قد يشكلون الكتلة البرلمانية الأكبر، لكنهم لن يكونوا قادرين علي الحكم بمفردهم أبدا، وسيكونون مضطرين إلي الدخول في تحالفات سياسية لإحراز الأغلبية. وستقودهم التحالفات السياسية بطبيعة الحال إلي تقديم تنازلات ستحد بلا شك من ثورية خطابهم، مثلما ستنقص من مصداقيتهم لدي قواعدهم، وهو ما سيؤثر علي حظوظهم الانتخابية مستقبلا. وحتي في الحالة الجزائرية التي اتخذت فزاعة، فإن كثيرا من المحللين يعتقدون بأنه لو ترك المجال أمام الجبهة الإسلامية لتحكم، فإن تجربتهم في الحكم كانت ستفضي إلي أن يعرف الناخبون حقيقتهم والفارق الشاسع لديهم بين الشعارات التي رفعوها وبين قدرتهم علي تنفيذها علي أرض الواقع، مثلما كانت ستقود إلي هزيمتهم انتخابيا بعد أربع أو خمس سنوات من تاريخ فوزهم. هذا إلي أن التجارب في دول عربية كثيرة قد أثبتت أن الإسلاميين منقسمون علي بعضهم كغيرهم من التيارات السياسية، اليسارية والليبرالية والقومية، وأن إفساح مجال العمل الديمقراطي أمامهم، سيجعلهم أحزابا وحركات متنافسة، وسيقود بعضهم إلي السلطة فيما سيفضل آخرون المعارضة، علي نحو ما هو موجود في الجزائر حاليا، حيث اتجهت أحزاب إسلامية إلي المشاركة في الائتلافات الحكومية المتعاقبة، بينما فضلت أحزاب إسلامية أخري التزام المعارضة. وتدل تجارب اليمن والكويت والأردن ولبنان ودول أخري، علي نتائج مماثلة، حيث اتجه الإسلاميون إلي بناء تحالفات مع السلطة فيما اختار آخرون طريق المعارضة، وعلي غرار إسلاميي السلطة لم يشذ إسلاميو المعارضة عن تقديم البراهين المتتالية علي أنهم لا يقلون حرصا علي استقرار بلدانهم وأمنها، عن أي من القوي السياسية الأخري، حتي تلك التي لم تعرف من السياسة غير ممارسة السلطة. ولعل الدولة الوحيدة التي وصل الإسلاميون للحكم فيها بشكل منفرد أو مطلق هي تركيا، وهي فضلا عن كونها دولة غير عربية، فإنها الدولة العلمانية الوحيدة في العالم الإسلامي، ولقد كان استفراد الإسلاميين بالسلطة أو مشاركتهم فيها، مثلما دل علي ذلك المثال التركي، دليل علي أنهم كغيرهم من التيارات والقوي السياسية، قادرون علي التكيف مع متطلبات الحكم، مثلما هو قادرون علي لجم أهواء التطرف في داخلهم، وإظهار أكبر قدر ممكن من العقلانية والحرص علي عدم الإثارة والاستفزاز، داخليا وخارجيا. وأما الزعم بأن الإسلاميين بطبعهم معادون للولايات المتحدة ومصالحها، فقول مردود عليه أيضا، ولئن كان للإسلاميين عتب علي واشنطن أو عدم اتفاق مع جوانب في سياستها الخارجية، فإنهم بشكل عام مستعدون لمحاورتها والالتقاء معها في نقاط معينة وضمان مصالحها في المنطقة، وبالتحديد تلك التي لا تتناقض مع مصالح أمتهم، وقد ثبت ذلك في تركيا واليمن والكويت والمغرب ودول أخري، يتفهم إسلاميوها أن مراعاة شروط الواقع قيمة شرعية قبل أن تكون ضرورة دنيوية. إن أسامة بن لادن الذي يعتبر اليوم العدو الأول في العالم للولايات المتحدة، كان في يوم من الأيام حليفها الأول في أفغانستان، تماما كما كان تنظيمه القاعدة قاعدة العمل الاستخباراتي الأمريكي في مواجهة المد السوفييتي المتطلع إلي موطئ قدم علي شاطئ المياه الدافئة، وعلي نحو ما كان التوافق علي المصلحة كان الخلاف اللاحق عليها أيضا. لقد حاولت الأنظمة العربية اتخاذ القضية الفلسطينية ذريعة لتعطيل الديمقراطية، واليوم تحاول إلي جانب هذه الذريعة، اتخاذ فوز الحركات الإسلامية المحتمل في الانتخابات ذريعة أخري لتضييع المزيد من الوقت علي شعوبها، ومثلما كانت الشجاعة في مواجهة الدولة العبرية خديعة كبري فوتت علي العرب فرصا كثيرة، يأتي اليوم الخوف من الحركات الإسلامية، خديعة جديدة هدفها الأساسي تأبيد أنظمة فاسدة سياسيا واقتصاديا ومفلسة ثقافيا وايديولوجيا علي عروشها. وإن أكثر ما يؤلم هو إمكانية أن تنصت الولايات المتحدة لأنظمة اوروبية يقودها رجال مليئون في داخلهم بالعنصرية واحتقار الشعوب العربية، يزعمون أن الديمقراطية يمكن أن تقود إلي الفوضي وتزعزع استقرار المنطقة الشرق أوسطية، وهم في حقيقتهم يرون أن شعوب هذه المنطقة لا يحتاجون إلي أكثر من الغذاء والدواء علي نحو ما صرح به شيراك لدي زيارته التونسية الأخيرة، أو ليسوا قادرين علي مشاركة الغربيين في القيم الإنسانية، كما تفوه بذلك برلسكوني مباشرة بعد أحداث الحادي عشرة من سبتمبر. إن زعم بعض القادة العرب بأن أي انتخابات نزيهة ستقود إلي فوز المتطرفين الإسلاميين، لهي أقوي دليل لو يعلمون، علي فشل أنظمتهم وسياساتهم، وأهم اعتراف بزيف ما يرددونه علي مسامع شعوبهم صباح مساء في قنواتهم الرسمية ـ التي لا يتابعها أحد ـ من أن شعوبهم تعشقهم وفخورة بإنجازاتهم ولا تمل من منحهم باستمرار 99,99 % من أصواتهم. و لا شك أن كل محلل منصف، يدرك أن ذرائع الحكام العرب المبررة لأنظمتهم الشمولية التعسفية والقمعية لن تنتهي، وبمجرد تجاوز الأحداث لأسطورة الخطر الإسلامي، فإنهم سيبادرون إلي خلق ذرائع أخري..والخاسر دائما ستظل الشعوب العربية المصادرة حقوقها وحرياتها وأصواتها، والحائل بينها وبين بنائها لمستقبلها، مجموعات متسلطة نخر الفساد عقولها وممارساتها، وهي أعجز ما يكون عن القيام بإصلاحات من ذاتها، مثلما هي عاجزة عن الكف عن الخطابات الذرائعية القائمة علي استبلاه مواطنيها والاستخفاف بعقولهم ومصالحهم. لقد استمر أحد الأنظمة الحاكمة في العالم العربي لما يقارب العقدين، علي الزعم بأنه في حرب مفتوحة مع التطرف الإسلامي، علي الرغم من شهادة كافة المتابعين لشؤون ذلك البلد بأنه لم يكن ثمة متطرفون من الأصل فيه، مثلما ظل هذا النظام يدعي بأنه يقدس حقوق الإنسان وهو يعيش علي انتهاكها، و أنه يلتزم المبادئ الديمقراطية وهو يضع السلطات جميعها في يد واحدة، والحاكم بأمره أشبه في الصلاحيات الممنوحة له بالقيصر الروماني منه بالرئيس الجمهوري. وإن تحايل الأنظمة العربية علي مبادئ الديمقراطية أصبح مجالا خصبا للضحك والنكتة، وذلك لكثرة أنواعه وصنوفه، ومن أطرف ما في الأمر زعم أحد الأنظمة بأن برنامج السيد الرئيس لم ينته، وبأنه لن ينتهي في ولاية أو اثنتين أو ثلاثة، فإذا ما ترك حبل الأنظمة العربية علي غاربها، فإنه لن ينتهي نظام منها من برنامجه أبدا، مثلما لن يتنازل حاكم عن عرشه ولا حزب واحد عن سلطته، وسيكون محكوما علي العرب بأن يعيشوا علي هامش التقدم والتنمية..وسيكون بينهم وبين الإصلاح سد، إن الحكام الديكتاتوريين يتوالدون تماما مثلما تتوالد ذرائع تعطيل الإصلاح الخائبة..بالأمس واليوم فلسطين، واليوم وغدا الإرهاب، وبعد غد والذي يليه اختراع آخر يطبخ اليوم ربما، أو قد يطبخ غدا، فليس أفلح من الأنظمة العربية في طبخ الذرائع والمؤامرات. مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي في لاهاي. القدس العربي 16 / 3 / 2004 |