العودة للفهرس

لا.. لاغتيال الإصلاح

حمزة الشاخوري: يفترض أن  أرواحنا عامرة بالأمل في إصلاح شامل ومتميز بات الوطن كله يتطلع إليه ويبحث عنه ويحلم به، غير أن مما يؤسف له أن تواجهنا حالات متمخضة عن قرارات عليا من شأنها أن تجهض ذاك الأمل المتبرعم، وتعيدنا القهقرى!.

فقوة الوطن تتجلى في قدرته على احتضان المواطنين  بكل شرائحهم وتوجهاتهم، ليس فقط المواطن السوي السلوك، بل حتى أولئك الخارجين على القانون والذين جنحوا عن الطريق السوي، فواجب الوطن أن لا يتخلى عن أيّ من أبنائه، وإن اضطر لتقويم مساراتهم الفكرية أو السلوكية!.

فمساحة الوطن، بإمكاناته وطاقاته وفرصه، أوسع من أن تضيق عن استيعاب التعدد والتنوع السياسي والمذهبي، فضلاً عن اختلافات الفكر والرأي والمواقف من القضايا العامة، وأقوى الأوطان تلك التي تمنح أبنائها فرص التعبير عن ذواتهم وتعينهم على تحقيق تطلعاتهم المشروعة حتى وإن اختلفت مع السائد والمألوف، ما لم تتعارض مع الثوابت المتسالم عليها بموجب النصوص القانونية والدستورية!!.

ولعل أهم دوافع ومسببات نشوء حالات التمرد والصدام العنيف لدى المواطنين أفراداً أو جماعات في كل البلدان، هو انسداد الأفق أمامهم وانعدام فرص التعبير عن ذواتهم، مما يغرس في دواخلهم  اليأس والإحباط، ويضطرهم للاستعانة بوسائل غير قانونية للوصول إلى حاجاتهم وطموحاتهم المشروعة.

هذه الرؤية الراسخة تدفعنا بالضرورة لرفض أية قرارات أو ممارسات تنال من حق المواطن وحريته، وتغلق في وجهه منافذ الحركة والسعي للوصول إلى مرفأ آماله، وأغرب ما في الأمرأنه في الوقت الذي تصدر أوامر ملكية سامية بتأسيس لجنة حقوق الإنسان، تقابلها قرارات تغتال تلك الحقوق وتكبل حرية المواطن، قافزة فوق تلك الأوامر السامية!!.

بالأمس القريب سرّبت مصادر عدة نبأ صدور قرار وزير الإعلام الذي وزع على كافة أجهزة الإعلام والصحافة الوطنية، والقاضي بمنع نشر أية مواد أو مشاركات للصحفي اللامع فارس بن حزام الحربي، فكيف لوعينا أن يوفق بين العمل على تأسيس جمعية الصحفيين، ولجنة حقوق الإنسان، والادعاء المستمر باستقلال المؤسسات الصحفية، وبين قرار وزير الإعلام المشار إليه والذي يؤكد وبشكل صارخ انعدام مساحة التعبير عن الرأي وخضوع وارتهان قرارات الصحافة الوطنية للوزارة؟!.

ترى ما الذي ارتكبه الحربي ليستدعي إيقافه عن العمل الصحفي؟ لم نقرأ له شيئاً مما يسيء للوطن أو الدولة أو المجتمع، أو ما يخدش الحياء العام أو يصطدم مع النظام والقانون.. اللهم إلا إذا حسبنا التصدي للملفات الشائكة، كقضية تعرية تيارات التكفير والعنف، جنحة تستحق العقاب!.

ثم هل يعقل أن تستمر محاصرة الصحافة، وهي ضمير المجتمع وعينه على قضاياه وآماله وآلامه، وهل يجوز إيقاف ومنع الصحفي من قول الحقيقة وإظهارها، دون خضوع قرار المنع إلى مرجعية قضائية مستقلة؟!.. حقيقة يحتار الوعي في تفسير ذلك، لاسيما وأننا نحلم بإصلاح يهدف إلى إرساء المشاركة السياسية للشعب، ويمنح جميع المواطنين حرية النقد والاعتراض وإبداء الرأي!.

إن أي قرار تنتج عنه إعاقة حركة المواطن والحيلولة بينه وبين تطلعاته، كفيل بوضعه أمام خيارين أحدهما أسوأ من الآخر فإما أن يتمرد ويخالف القوانين والأنظمة التي تعيق وتعرقل تقدمه ونموه، وإما أن يستسلم وينكفئ على نفسه محطماً كسيراً ويتخلى عن السعي لبناء مستقبله الشخصي. هذا في الحالات الخاصة والفردية، وأما فيما يتصل بأطر العمل الوطني العام كالصحافة والإعلام والفن، فإن تكبيل الحرية الفردية وتضييق الخناق على المشتغلين في هذه الميادين الحيوية، يؤدي لا محالة إلى تخلخل وضعف هذه البنى الوطنية وعدم قدرتها على أداء دورها الطبيعي، ويمنعها من التطور والإبداع في مجالات تخصصها.

وذلك كله يتعارض مع استراتيجية الإصلاح الذي أصبح شعاراً وهدفاً وطنياً يتعاضد الجميع منا حكومة وشعباً لتحقيق فصوله وإرساء دعائمه، فأهم ركائز الإصلاح أن نتحول إلى دولة القانون والنظام، وأن نقضي على كافة أشكال المخالفات والانتهاكات للحقوق العامة للوطن والمواطنين، ومن هنا نتوجه إلى الدكتور عبد الله العبيد رئيس لجنة حقوق الإنسان الأهلية أن يتخذ موقفاً صريحاً تجاه قرار وزارة الإعلام المشار إليه، وأن يسعى لإيقاف تنفيذه بحق الحربي وغيره من الكتاب والصحف، ويطالب الوزارة بإعادة النظر في مدى الشرعية القانونية لمثل هذه القرارات.

شبكة راصد الاخبارية 14 / 3 / 2004