العودة للفهرس

حقوق الإنسان لا تتجزأ ولا تختزل في جمعية

د. صالح بن سبعان: هل كنَّا في حاجة حقيقية إلى جمعية سعودية لحقوق الإنسان؟ كان هذا هو السؤال الأول الذي قفز إلى ذهني مباشرة بعد أن أفقت من مفاجأة إشهار الجمعية في المملكة. وإزاء ذلك أعتقد أن الصيغة المثلى للإصلاح لا يمكن أن تكون بتقليد النموذج الغربي في التحديث، ولا في الانقياد اللامشروط لرؤيته.

التأسيس على التقوى

قبل أكثر من عقد من الزمان كتبت في الـ Arab News السعودية مقالا بعنوان " Human rights in the Islamic Low " موضحا أن التشريع الإسلامي هو المصدر الأول والحقيقي والوثيقة الأولى التي نصت على حقوق الإنسان والحيوان والبيئة وشرعت لها. ومصدر عجبي اليوم أننا وبعد نزول القرآن قبل أكثر من أربعة عشرة قرناً ننشئ جمعية لحقوق الإنسان.

ألا يدعو هذا إلى العجب بل ويثير الحزن؟!.

وجه الغرابة يأتي من أن الدولة السعودية الحديثة ومنذ إرساء قواعدها على يدي الملك الرائد المؤسس عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ وضعت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أساساً للدولة الوليدة التي استطاعت أن تلملم شتات ما مساحته أربعة أخماس جزيرة العرب في دولة واحدة، وأن تنتظم بانسجام خيوط متناثراتها القبلية، ولم يكن ذلك ممكنا إلا بأن يكون القرآن والسنة النبوية المطهرة هما الخيط الذي يربط الجميع بحبل قوي يشد هذه الأطراف القارية الشاسعة.

وكان الملك المؤسس ـ رحمه الله ـ على دراية ووعي فطري بأن هذا الدين الحنيف لو طبقت قواعده وأسسه الشرعية في العبادات والمعاملات على أرض الواقع على أساس من تقوى الله ومخافته ومراقبة النفس ومحاسبتها، فإنه كفيل بإشاعة العدل الاجتماعي وصيانة وحماية حقوق الناس، لذا فقد كان يراعي هذه في خاصة نفسه أولا، ثم في المسئولين الذين يوكل إليهم مهام إدارة شؤون الناس، ثم في عامة الناس ثالثا. والآن حين تسأل نفسك: ما الذي تعنيه حقوق الإنسان التي يصدعنا بها الغربيون صباحا ومساء؟.

فإنك لن تجد لها تلخيصا شافيا سوى أنها بوابة تطبيق مبدأ العدل بين الناس.

مستويات الخطاب الإسلامي

لا أتهم المجتمعات ولا الدول الغربية بأنها تعمل جاهده وفق دساتيرها وقوانينها على تكريس انتهاك حقوق الانسان، ولا يمكن لعاقل أن يذهب إلى هذا الظن. فالبشرية قاطبة ـ لا فرق في ذلك بين أبيض وأسود ـ تسعى إلى إقرار مبادئ سامية مثل الحرية وحقوق الإنسان وغيرها من المثل العليا.

إلا أن المنظور ووسائل تحقيق مثل الغايات النبيلة تختلف بين مجتمع وآخر ووفق ثقافته وإرثه الحضاري. وثمة فرق بين المنظور الإسلامي وبين المنظور الغربي في هذه القضية وفقا للفوارق الثقافية والتجربة التاريخية بين المجتمعين : الإسلامي والغربي.

إلا أن هذا يجب أن لا يجعلنا نذهب بعيداً لنجرد الآخرين من الحس الأخلاقي والإنساني. وهذا من المبادئ والأسس القرآنية الراسخة. إذ أن القرآن يخاطب الناس على مستويين: فهو يخاطب البشرية بـ "الناس بشكل مطلق، كما أنه يخاطب المؤمنين والمسلمين بتخصيص هذه الصفة الإيمانية في المسائل التشريعية، سواء على صعيد العبادات أو المعاملات.

وفي مستوى خطابه لـ "الناس" فإنه أرسى دعائم وأركان وفلسفة حقوق الإنسان كأول وثيقة تفصل هذا الأمر، ولم يترك القرآن شاردة ولا واردة في هذا الشأن إلا وقد أوفاها حقها كاملا، وجاءت السنة النبوية المطهرة تزيد الأمر تفصيلاً من خلال أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أوضح كيفية ووسائل تطبيق هذا الدستور الإلهي بهذا الشأن.

 إذن ما جدواها؟ حسنا.

هذا هو الأساس الذي قامت على هديه الدولة السعودية الحديثة على يدي المؤسس، إلا أنها ـ أي هذه الدولة وفي عهد خادم الحرمين الشريفين عملت على ترسيخ هذه الأسس والمبادئ وتقنينها دستوريا، حيث قال الملك فهد في كلمته بمناسبة إصداره النظام الأساسي للحكم في الشهر الثامن من عام 1412هـ إن هذه الدولة قامت "على منهاج واضح في السياسة والحكم و الدعوة والاجتماع، هذا المنهاج هو الإسلام عقيدة وشريعة"، مؤكداً في خطابه التاريخي ذاك "حرص الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ على إنفاذ منهج الإسلام في الحكم والمجتمع مهما كانت الصعوبات والتحديات".

وينص النظام الأساسي للحكم في مادتيه السابعة والثامنة على أن الحكم "يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة" وأن الحكم يقوم "في الملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية"، وفي المادة السادسة والعشرون ينص النظام على أن "تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية". ليس ذلك فحسب، بل أن الدولة عملت إنفاذ ما يضمن كافة هذه الحقوق من قوانين عبر مؤسسات متعددة ومتنوعة مثل ديوان المظالم، وديوان الرقابة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق، وهيئة الادعاء والتحقيق، والحقوق المدنية، التي لا يخلو منها قسم شرطة، وغيرها من المؤسسات ترتكز في وظيفتها على مراعاة حقوق الناس وضمان عدم إلحاق الأذى بهم سواء في أرواحهم أو حريتهم أو ملكياتهم وكافة حقوقهم، وكل ذلك وفق ضوابط الشرع الإسلامي.

لا شك، ولا أظن غيري أيضا يشك، في أننا لو عملنا على تفعيل عمل هذه النظم والمؤسسات لما وجد بيننا من يحتاج إلى جمعية لحقوق الإنسان يلجأ إليها شاكيا أو مطالباً بحق أو ساعيا لحريةٍ ما.

مفهوم هلامي غامض

لقد كتبت من قبل بمناسبة انعقاد ندوة حقوق الإنسان في الإسلام في الحرب والسلم في الرياض " بأن شماعة حقوق الإنسان التي يطرحها الغرب " الأرو / أمريكي " اليوم إن هي إلا ذريعة لشن حرب على الدول التي لا تنساق لركبهم من ناحية، وأنه من ناحية أخرى عملية اختراق أو فخ ثقافي تقع فيه المجتمعات اللاغربي وفق النموذج الغربي عن طريق فرض المفاهيم.

وأحب الآن أن أوكد على مفهوم حقوق الإنسان بصيغته الحالية هو نبت ثقافي غربي وأنه هلامي، وغير واضح المعالم، وأنه مفهوم وضعي ابن فلسفة وضعية وبالتالي فهو مفهوم نسبي. وإلا ما الذي يبرر الانتهاكات الفجة والقبيحة لحقوق الإنسان التي تتم على يدي أمريكا ومؤسساتها الرسمية في غوانتمانو؟!.

لقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان أمريكا بأوضح التهم بانتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان وكان رد أمريكا الذي يدعو للسخرية ويفضح زيف شعاراتها الإنسانية بأن هذه المنظمات لم تراعي خصوصية ظروف قواتها في ذلك البلد المسلم حين وضعت وصاغت هذه التقارير. وكأن هناك مبرر لانتهاك حقوق الإنسان!.

أو لم تأخذ أمريكا الكل بجريرة البعض مخالفة في ذلك النص القرآني "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، حين انتهكت عبر مؤسساتها الرسمية كرامة وحرية وحقوق كل المسلمين والعرب داخلها عبر إجراءات تعسفية، بل سنت القوانين والإجراءات ما يعد انتهاكاً لكرامة من يدخل أراضيها بالتعامل معه من هذه الشعوب وكأنه إرهابي محتمل في مطاراتها بإجراءات استثنائية، ثم أليس في هذا تفرقة عرقية ودينية لا يمكن أن نسمح لأنفسنا به وفق ضوابط شرعنا الإسلامي وأرثنا الثقافي والأخلاقي وتقاليدنا الاجتماعية؟

وأخيراً، مع كل تقديري واحترامي لأعضاء الجمعية السعودية لحقوق الإنسان، ومع كامل تسليمي وامتثالي لولاة الأمر الذين أقروا إشهاره، إلا أنني اعتقد، بل وأجزم، بأننا متى ما انفذنا شرع الله الذي جعلناه أساساً ومنهجاً لحياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية، ومتى ما قمنا بتفعيل المؤسسات التي أقمناها في المملكة على هدى هذا الشرع، ومتى ما تسلحنا بالإيمان الحقيقي ومخافة الله وتقواه فيما نفعل ونقول، فإننا لن نجد أنفسنا في حاجة إلى جمعية مثل هذه، لأن حقوق الإنسان في النهج الإسلامي لا تتجزأ ولا تختزل في جمعية، إذا ما تعاملنا مع الإسلام كنظام حياة متكامل.

وإذا وجدت عندنا انتهاكات لحقوق الإنسان , فإننا يجب أن نعترف بأن هذا نقص وعيب فينا , وأنه دلالة على أننا خرجنا عن النهج الإلهي الذي وضعه لنا كاملاً في دستوره الأزلي القرآن الكريم ووأوضحه سبحانه وتعالى في سيرة رسوله خاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم...

ايلاف 14 / 3 / 2004