العودة للفهرس

هدف الحوار هو إيجاد ثقافة الحوار

عندما بدأ الملتقى الأول للحوار الوطني أعماله وضع كثيرون، لا أخجل من الاعتراف أني كنت أحدهم، أيديهم على قلوبهم مشفقين من نتيجة حتمية مأساوية، توقع المتشائمون أن يتحول الكلام إلى سجال، وأن يغدو السجال خصاماً، وأن ينتهي الخصام بفرقة عاصفة. عندما سارت الأمور في غير هذا المسار، في مسار يخالفه تماماً إذا أردنا الدقة، كانت هناك بوادر ارتياح في كل مكان. قاد النجاح الباهر إلى قرار سياسي تاريخي بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني. تبنى المركز ملتقى ثانياً، طرحت فيه قضية الغلو، وكان اللقاء ناجحاً بكل المقاييس. ويستعد المركز، الآن، لملتقى ثالث يطرح قضيتين تحتلان مكان الصدارة في اهتمامات المجتمع السعودي، هما قضية المرأة وقضية التعليم.

في مجتمع تعود على نبرة واحدة مرتفعة، ويسوده صوت مرتفع إقصائي، يعتبر ما تحقق اختراقاً على أكثر من جبهة وانتصاراً في أكثر من معركة. تعانق أشخاص كان من قبيل المستحيل أن يراهم أحد يتصافحون. اعترف بالتعددية المذهبية أناس كانوا يرون فيها رجساً من عمل الشيطان. تلاقت حول القضايا المطروحة رؤى لم يطف بالبال أن تلتقي على شيء. بعد كل حوار، خرج المتحاورون، وعلى وجوههم الابتسامة، وفي جعبتهم أفكار جديدة لحوارات جديدة.

حسناً! في مجتمعنا قضايا كثيرة كثيرة لا تزال تنتظر دورها في الحوار، وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك معضلات البطالة وجنوح الأحداث والتحدي الاقتصادي ومتطلبات المجتمع المدني. وفي مجتمعنا مفكرون ومفكرات لم يساهموا بعد في الملتقيات. وأمام المركز، وهو في شهوره الأولى، أجندة مزدحمة حافلة. والمركز يشرع أبوابه، وآذانه، للمقترحات والآراء من كل قادر على إبداء مقترح أو طرح رأي.

كل هذه الإنجازات الواعدة معرضة لخطر داهم، يجيء من أصدقاء الحوار لا أعدائه، وهو خطر التوقعات الجامحة التي تطالب بالمستحيل. ينظر البعض إلى مركز الحوار كما لو كان القناة الوحيدة، أو الأساسية، لصنع القرار في المملكة. ويتوقع البعض أن تتحول توصيات الحوار، في عملية سحرية، إلى قرارات وأن يلتزم بالقرارات كل فرد، في عملية سحرية أخرى.

الحقيقة إن المركز ليس مكاناً لصنع القرار. للقرار وسائله وقنواته سواء كنا بصدد قرار في مسألة سياسية أو إدارية أو شرعية أو اقتصادية ـ والمركز بحكم تكوينه وطبيعته ليس وسيلة ولا قناة لأي نوع من هذه القرارات. والهدف من الحوار لم يكن ولا ينبغي أن يكون، حشد أكبر عدد ممكن من التمنيات، على هيئة توصيات، تمهيداً لإصدارها في شكل تشريعات.

الهدف من الحوار هو تعويد مجتمع لم يتعود على لغة التسامح التعددية على الحديث بهذه اللغة. والسبيل هو أن يبدأ الحوار في دائرة صغيرة تحت مظلة المركز، ثم تتسع الدائرة فتشمل وسائل الإعلام، ثم تتسع فتشمل البيوت والمجالس، ثم تتسع فتدخل المدارس والجامعات.

باختصار شديد، هدف المركز هو إنشاء ثقافة للحوار تصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المجتمع اليومية ومن أسلوب تفكيره ومن طرائق تعبيره.

إن الذين يريدون تحويل مركز الحوار إلى مكان لتفريخ القرارات يسيئون، دون قصد، إلى فكرة نبيلة رائدة ويسهمون، دون أن يدركوا، في خنق المشروع الذي يعتقدون أنهم يؤازرونه ويؤيدونه.

 شبكة راصد الاخبارية 14 / 3 / 2004