|
السعودية والإصلاحات المنتظرة حسن المصطفى: في محاضرة للدكتور محمد علي الهرفي، بمنتدى النمر الثقافي، بمدينة الدمام، شرقي السعودية. تحدث الهرفي عن "الحوار الوطني" بوصفه مادة بحثية وصحفية تناولها الكتاب بالنقد والتحليل، في مقالات مختلفة، قرأت الموضوع من زوايا عدة وبوجهات نظر متنوعة، كلٌ وفق ما يرى، وما يقتنع به. ما طرحه الهرفي من آراء للعديد من الكتاب والمثقفين السعوديين، وما تبع محاضرته من مداخلات وأسئلة، كلُ ذلك يعكس انشغال المواطن السعودي بما بعد "الحوار"، وما من الممكن تحققه على أرض الواقع من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، تنعكس بشكل مباشر على حياته، محققة بعضا من الإيجابيات المحلحلة لبعض القضايا العالقة على الأقل، كقضايا البطالة، والرواتب، وحرية الرأي والتعبير. هذا الهم الداخلي، يمكن إيجازه في سؤال واحد، يطرح نفسه بشكل ملح، منذ انتهاء ملتقى الحوار الوطني وحتى الآن وهو: متى ستكون البداية؟ وهو السؤال الجوهري الذي تتفرع منه عدة أسئلة أخرى تتعلق بجدية الدولة في إحداث تغييرات سياسية واقتصادية محددة، أم أن المسألة لا تعدو كونها تخفيفا لاحتقانات داخلية لا أكثر. بعض المداخلين طرح السؤال بشكل أكثر صراحة، عندما تساءل: هل تحول الحوار الوطني إلى مخدر يستخدم لتهدئة الوضع، وامتصاص ردات الفعل الداخلية؟ وهو السؤال الذي رد عليه الهرفي بالسلب، في اعتقاد منه أن الدولة تمتلك الجدية في تحقيق إصلاحات داخلية، لا مجرد فرقعات إعلامية مؤقتة. هذا التفاؤل الحذر لدى الهرفي، يقابله تشاؤل لدى البعض. وسبب هذا التشاؤل هو الإبطاء الحاصل في عملية التغيير. وهي العملية التي إن لم تبدأ الآن، فمعنى ذلك أن دولابها سيعلوه الصدأ ولن تتحرك القافلة. ربما يكون من المتعذر القيام بتغييرات شاملة وجذرية دفعة واحدة. وهذا أمر طبعيٌ، كون بعض هذه التغييرات تحتاج لفترة من الإعداد والتجهيز. لكن هنالك مساحات يمكن التحرك فيها إصلاحيا دون انتظار فترة أطول من الزمن، وهي مساحات تشكل توافقا وطنيا يتفق عليه جميع أبناء هذا الوطن بمختلف تنوعاتهم المذهبية والفكرية والمناطقية. فمن الممكن أن يبدأ الإصلاح بتوسيع دائرة حرية الصحافة، وحرية التعبير عن الرأي، وإعطاء هامش أكبر للنقد البناء الموجه لمؤسسات المجتمع والدولة، الرسمية منها والأهلية. إضافة إلى العمل الفوري في الإصلاح الاقتصادي، والاهتمام بمسائل حقوق الإنسان، وإنشاء جمعيات النفع العام، وجمعيات المجتمع المدني، كنقابات وهيئات الصحفيين، والكتاب، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والمعلمين...وغيرهم، وجميع هذه المؤسسات ستجعل من الإعداد لعملية الإصلاح أمرا أكثر سهولة ومرونة. البدء في الإصلاح لا بد إذن أن يلمس الناس آثاره، وأن يرونه مترجما على أرض الواقع، على شكل خطوات عملية، تشكل اللبنة الأساس لدمقرطة وقوننة الدولة، كبداية لتعاقد اجتماعي سياسي دستوري، يكون مرجعية عليا، يتفق عليها الجميع، مجتمعا ودولة، ويكون هذا التعاقد الدستوري، هو الفصل والحكم، في حال الاختلاف. الدولة كما صرح العديد من المسئولين ماضية في طريق الإصلاح، والمجتمع بنخبه الواعية اتخذ من الإصلاح خيارا له، وكلاهما –الدولة والمجتمع- متفقان على نبذ العنف والإرهاب، ومتفقان على أن سبيل التغيير هو الحوار الشفاف الصريح السلمي، كسبيل وحيد آمن يتفق عليه الجميع. ولذا فما دام الكل متفق على ذلك، بقي أن تبدأ المسيرة، لأن تخلفها عن الحركة، يهدد هذا التوافق، ويهيئ للآخرين ذرائع لممارسة ضغوط خارجية، وعمليات تخريبية داخلية لا يقبل بها أحد. ولن يمنع التدخل الخارجي، والتخريب الداخلي، إلا البدء السريع في عملية الإصلاح. ايلاف 1 / 3 / 2004 |