|
مخاطر وألغام .... في تصريح العواجي لـ "إيلاف" د. صالح عبد الرحمن بن سبعان*: حاول الدكتور محسن العواجي مؤسس ما يسمى بـ"الوسطية" أن يرقى مرتقى عالياً حين قال لـ"إيلاف" إن هناك صراعا غير معلن بين فئتين غير متكافئتين سمى إحداهما بـ"التيار الإسلامي" وقال إنها تملك الصوت والساحة، وإن الأخرى لديها صوت وتفتقد القاعدة . وذهب العواجي لأكثر من ذلك حين قال إن من يسميهم الإسلاميين هم من مد اليد لتوسيع دائرة المشاركة الثقافية لتكون أرضية للمنطلقات الوطنية المرجوة . ولعل آخر ما في تصريح الدكتور العواجي لـ "ايلاف" قوله في الفقرة التالية، إن الإسلاميين ـ كما يسميهم ـ إذا لم يشعروا بأنهم قدروا بهذه المبادرة "فإنهم الطرف الذي اكتفى ذاتيا، ويستطيع أن يمضي قدما في مشاريعه"، لأنهم حسب قوله يحظون بتأييد الشارع السعودي المؤيد لهم . نحن الآن لا نرجم بالغيب، فأمامنا نص صريح للدكتور العواجي . ونحن إزاء هذا النص أمام عدة أفكار واضحة : أولاها: أن العواجي ومن يشايعه يصنفون الشارع السعودي ـ حسب تسميته ـ إلى فئتين أو تيارين: الإسلاميون وغيرهم. ثانيها : هو يزعم أن الفئة التي ينتمي إليها ويسميها بالإسلاميين يحظون بتأييد الشارع السعودي . ثالثها : أنه يزعم أن هذا التيار الذي يطلق عليه صفة الإسلامي يمتلك مشروعه الخاص . رابعا: أن الفئات الأخرى ـ وبالتالي اللاإسلامية حسب تصنيفه ـ لا " تحظي بتأييد الشارع السعودي المؤيد للإسلاميين " حسب نص تصريحه . جاء ذلك في إطار رده على 880 سعوديا و سعودية يطالبون بتسريع عملية الإصلاح في المملكة، ومستخفا بهم قائلاً في تصريحه لـ" ايلاف " إن "حشد الأسماء بهذه الطريقة يعتبر أمراً مثيراً للغرابة، ويبدو لي أن الموقعين قد فات عليهم أن القضية ليست حشد أسماء مجهولة وتطعيمها ليبدو أنهم ممثلو إصلاح في المجتمع السعودي " معبرا عن دهشته بأن الخطاب قد " تجاهل قامات كبيرة في الساحة الثقافية لم تعلم عنه إلا من خلال الانترنت " وبما أنني لا أنتمي فكريا ولا تنظيميا لا إلى العواجي وتياره الذي يسميه إسلاميا، ولا إلى الجماعة التي وقعَّت البيان الذي أشار إليه . إلا أنني أجد نفسي أمام تناقضات ومخاطر وألغام في هذا التصريح الذي أدلى به الدكتور محمد العواجي . وهذا ما سأحاول إيضاحه بإيجاز . أولا من الذي أعطى الدكتور العواجي حق تصنيف مواطني هذا البلد هذا التصنيف الديني ؟ هل العواجي ومن يشايعه هم الناطقون باسم الإسلام ؟ حتى يعطي نفسه هذا الحق ؟! . إن واحدة من أكبر أبواب الفتنة الدينية والاجتماعية أن يسمح شخص ما لنفسه بأن يصنف نفسه بأنه "إسلامي " .. وأن البقية الآخرين غير إسلاميين . دعونا نعود بهذا المنطق إلى بداياته ومن ثم إلى نتائجة . هل بين أهل هذه البلاد من يدينون بغير الإسلام دينا ؟ حسناً ..كلنا أهل هذه البلاد مسلمون ولله الحمد والمنِّة . إذن ما معنى أن ينفرد نفرٌ منا بإصباغ صفة الإسلام على أنفسهم ؟! . أنه يعني ببساطة أن غيرهم غير مسلم . فهل هذا هو الواقع ؟ لا . إذن ما الهدف من هذه الادعاءات ؟ . خلف هذا التصنيف الخبيث للمسلمين أهداف سياسية لا تخفى على كل من له بصر وبصيرة . ولم تعد مثل هذه الأهداف السياسية تخفى على أحد ، بعد أن صَّرح بها جهرا وعلانية غلاة المتطرفين، أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما، بل ومنذ أن صرح بها سيد قطب- يرحمه الله -في كتابه " معالم على الطريق " ، وتم تنفيذها فعلاً ـ لا قولاً ـ في إيران بعد أن رسخ الخميني ولاية الفقيه السياسية ، مما أدخل إيران في هذه الدوامة التي لم تجد مخرجا منها . إن الأمر لم يعد يحتمل المزيد من الصبر والتأني والمجاملة بعد أن تجاوز الخطر كل الحدود إننا كمسلمين لم نعهد في تاريخ الإسلام مثل هذا الدور السياسي في رجال الدين . وفي تاريخ المملكة لم يكن للإمام محمد بن عبد الوهاب ـ طيب الله ثراه -مثل هذا الدور، إذ اقتصر دوره الديني على محاربة البدع في ممارسات مسلمي هذه البلاد، والتي شاعت بسبب الجهل ، مثل التبرك ببعض الأشجار أو الاعتقاد الخاطئ بولاية بعض الأسلاف، أما إدارة شؤون الدولة فلم يكن له من دور فيها ، لأنه كان يدرك بوعيه الناصع أنه ليس بالرجل المناسب لـها . أما نحن فقد أُبتلينا برجالٍ لا يقنعون بشرف أداء دورهم الديني الصرف، بل يتطلعون للقيام بأدوار الطبقات الأخرى في المجتمع . وإذا ما تواضع رسولنا الكريم -عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم - ليُسِّلم للناس بحقهم في ممارسة دورهم وتفعيل خبراتهم في حادثة تلقيح النخيل قائلا "أنتم أدرى بشؤون دنياكم " ، فإن فقهاء آخر الزمان هذا يريدون أن يصادروا هذا الحق من الناس ليصبح أحدهم خبيراً زراعياً، وسياسياً ، ودبلوماسياً يُفتي في كل شئ ، ويدير شؤون الناس حسب رؤيته ، رغم قصر قامته المعرفية . إن العواجي، حين يقوم بجرأة لا يحسد عليها ، بتصنيف أهل هذه البلاد إلى فئتين : إسلامية ، وغير إسلامية، إنما يزرع بذور الفتنة بين أهل بلد واحد يدينون بدين واحد . ثم هو بذلك ينصب نفسه مرجعية دينية وسياسية واجتماعية ، متجاهلاً ، ومتجاوزاً بذلك ولاة أمره ، وولاة أمر المواطنين ، وبذلك يرتكب جرما شرعياً حين يدعو إلى الفتنة . فهل ولاة أمر هذا البلد خارجون على النهج الشرعي حتى تصح دعوته بالخروج عليهم ؟! . أعلم أنه لم يقل هذا بصراحة تقتضيها الأمانة إلا أنه وبهذا النهج والأسلوب يقوم بتحريض المواطنين على الخروج على طاعتهم ، أي أنه يعمل على تحقيق النتيجة دون التصريح بالوسائل . وقد آن لنا أن نكتشف مثل هذا اللعب . بصريح العبارة، العواجي يريد أن يقول إن ولاة أمر هذه البلاد لا يتبعون النهج الشرعي ، وربما يقول هذا بين خلصائه . إلا أنه في العلن لا يعلن هذا الرأي ، ولكنه، وعلى نهج مبدأ التقية الشيعي، يمكن أن يثير الفتنة بين الناس حين يقول إن الناس في هذا البلد ينقسمون إلى تيارين : أحدهما إسلامي ، مما يوحي بأن الآخر إلحادي أو أي شيء آخر . ويظل السؤال قائما : من هو العواجي حتى يطلق مثل هذه القنابل غير الموقوتة ؟ . أليس هو مواطن عادي مثل أي واحد من الـ 880 مواطنا الذين وقعوا عريضة تطالب بالإسراع بعملية الإصلاح في المملكة . بماذا يتميز عنهم حين يصفهم ؛ بالمجهولين ؟! . وهل هو أكثر شهرة منهم ؟ . وعلى افتراض أنه كذلك هل هذا يعطيه امتيازا خاصاً ؟. هل شهرة فنان ما مثلاً تعطيه الحق في فرض رأيه الخاص على بقية قطاعات المجتمع بمن فيها علماء الدين ؟! خــــاتمة : أعتقد ـ وجازما ـ أننا أمام مشكلة كبيرة ، ويجب أن نتنبه لها ، وبحدة . وإلا فإننا أمام باب يفضي إلى الجحيم . لقد نبهت قبل أكثر من خمسة عشر عاماً إلى هذا الباب ، ولكن لم يكن ثمة من يسمع ويعي . والآن نحن نقف أمام هذا الباب . وعلينا أن نعيد حساباتنا بدقة وإلا فإنها المحرقة .. ايلاف 27 / 2 / 2004 |