العودة للفهرس

محاربة الإرهاب.. والمسؤوليات الجديدة

محمد المحفوظ: لا يمتلك الإنسان السوي تجاه الأعمال الإرهابية والممارسات العنيفة التي تطال الأبرياء وتدمر الممتلكات الخاصة والعامة وتمارس القتل والتدمير، إلا إدانة هذه الأعمال واستنكارها، وذلك لمخالفتها الصريحة لقيم الدين وثوابته، التي تعلي من شأن الإنسان وتحافظ على حقوقه وتصون كرامته وحياته.

لذلك نجد أن القرآن الحكيم يعتبر قتل نفس واحدة بغير حق كقتل الناس جميعاً. إذ يقول تعالى ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾ - المائدة الآية 32

فالإنسان السوي يدين الأعمال الإرهابية، ويشجب الممارسات العنيفة، ويبرأ إلى الله عز وجل من تلك الأفعال التي تستهدف القتل والتدمير. لهذا نجد أنه بعد كل عمل إرهابي وفعل إجرامي، يستهدف الأبرياء، ويطال الممتلكات الخاصة والعامة، تتوالى تصريحات الشجب والاستنكار، وتزداد وتيرة التنديد والعويل. إذ تصدر البيانات التي يدين أصحابها الأعمال الإرهابية، وترسل الرسائل التي تستنكر الإرهاب والعنف بكل صوره وأشكاله، وتكتب المقالات التي تستهجن هذه الأفعال التي لا تنسجم والفطرة السوية والجبلة الإنسانية. ولكن السؤال الذي يبرز في هذا السياق هو: هل تكفي الإدانة تجاه هذه الأعمال الإرهابية التي تمارس القتل والتدمير. وهل الاستنكار هو المسؤولية الوحيدة الملقاة على عاتق الدعاة وأساتذة الجامعات والمعاهد والمثقفين وأئمة المساجد وصناع الرأي في المجتمع. أم أن هناك مسؤوليات دينية وأخلاقية ووطنية، تتجاوز موقف الإدانة، وتمارس دوراً ووظيفة على المستوى الاجتماعي والوطني في وأد واجتثاث هذه الآفة الخطيرة، ورفع الغطاء الديني والثقافي والاجتماعي عنها.

لا شك أن الإدانة مطلوبة، ولكننا نقول وبضرس قاطع أنها لا تكفي. إذ أن فئات المجتمع المختلفة وكفاءات الوطن المتعددة، تتحمل مسؤوليات إضافية، تتجاوز شعارات التنديد ويافطات الشجب والاستنكار. فلا يمكن أن نقبل لأنفسنا في هذه المحنة العصيبة التي يتعرض لها وطننا ومجتمعنا إلا دور الشجب والتنديد والاستنكار.

إننا جميعاً نمتلك من المؤهلات والمواقع والتأثير، أن نمارس أدواراً ووظائف تتعدى التنديد والاستنكار، وتستجيب بشكل فعال إلى التحديات التي تواجه الوطن والمجتمع في هذه اللحظة التاريخية. فالدعاة وأئمة المساجد، لا تنحصر مسؤوليتهم الدينية والأخلاقية والوطنية في القاء خطبة عصماء تندد بالإرهاب وتوسم الإرهابيين بأقذع الصفات وتحذرهم من مصيرهم ومستقبلهم الحالك. إن هؤلاء يتحملون مسؤولية كبرى تجاه هذه الأعمال، تتجسد في المساهمة الجادة في صياغة الواقع الثقافي والاجتماعي بما ينسجم وسماحة الإسلام وعفوه، ويعزز حالة الاستقرار الاجتماعي على هدى قيم الدين وحقوق الإنسان الأساسية. كما أن المثقفين وصناع المعرفة والرأي في مجتمعنا يتحملون مسؤولية كبرى في هذا الصدد. إذ أنهم مطالبون بالوقوف بحزم ووعي ضد تلك الأفكار التي تشرع لممارسة العنف وتحرض على الإرهاب ومتوالياته المختلفة. كما أن أساتذة الجامعات والمعاهد، بحاجة أن يتبوأوا موقعاً متقدماً، يليق بإمكاناتهم العلمية ومستوياتهم الثقافية في معركة الوطن ضد العنف والإرهاب. فالشرائح الاجتماعية المتعددة، والكفاءات الوطنية المختلفة، مطالبة أن تتجاوز لغة الشجب والاستنكار تجاه آفة الإرهاب، وتبدأ هذه الشرائح من مواقعها العلمية والاجتماعية والدينية والإعلامية والثقافية، بممارسة دورها الوطني ومسؤوليتها الدينية والأخلاقية تجاه هذه الآفة التي تمارس القتل والتدمير ضد أبناء جلدتهم ودينهم. ولكي تتبلور هذه الآراء والمسؤوليات، التي تتجاوز التنديد، وتباشر دورها الحقيقي تجاه آفة الإرهاب..

نؤكد على النقاط التالية:

1- إن التساهل في إطلاق أحكام الكفر والضلال، وممارسة العنف والإقصاء ضد الآخرين، يؤدي إلى خلق فضاء ومناخ يحبذ العنف ويتعاطى مع أدواته وآلياته، ويفكر بمنطقه ولوازمه، باعتباره جزءاً من عملية الدعوة والتبليغ. والذي يزيد الأمر سوءاً في هذا الصدد، هو غياب المرجعية الدينية العليا، التي تمارس عملية ضبط شرعي واجتماعي ووطني لهذه المسألة.

والمشكلة هنا ليست فقط في اطلاق أحكام الكفر والضلال على الآخرين الذين لا ينسجمون معنا في التصور والرؤية، وإنما في اللوازم المترتبة على هذه الأحكام. التي تبدأ بالمفاصلة الشعورية، وتتواصل بالنبذ والإقصاء، وتنتهي بإسقاط حرمة الإنسان وحقوقه.

إننا مطالبون في مشروع اجتثاث الإرهاب من فضائنا الاجتماعي والوطني، أن نتجاوز حالة التساهل في إطلاق الأحكام الكاسحة والخطيرة ضد الآخرين. وإن المسؤولية الدينية والوطنية، تستدعي منا جميعاً الوقوف بحزم ضد هذه الحالات، ونشجع لغة الحوار والجدال بالتي هي أحسن وثقافة التسامح وحسن الظن بالآخرين. من هنا فإن مسؤولية الفئات الواعية في المجتمع، تتجاوز شعارات التنديد ويافطات الشجب والاستنكار، ولابد لها من الانخراط بفعالية في مشروع البناء الثقافي والاجتماعي المستند على قيم الحرية وحقوق الإنسان وكرامته.

2- إن الاختلاف الأيدلوجي والفكري والسياسي، ليس مدعاة لانتهاك الحقوق وتجاوز الحدود. وإنما هو مدعاة للتواصل والحوار والجدل بالحكمة والموعظة. لذلك فإننا مطالبون في فضائنا الاجتماعي، أن نفك الارتباط بين حقائق الاختلاف والتباين في وجهات النظر، وبين انتهاك حقوق وحرمات المختلف. فالاختلاف مهما كان سببه أو شكله أو مستواه، ليس مشرعاً لتجاوز حقوق المختلف أو انتهاك حرمته. وإنما على العكس من ذلك، حيث أن الاختلاف لا يلغي إنسانية الإنسان، وليس سبباً للتجاوز والانتهاك. والممارسات العدوانية والانفعالية، لا تلغي الاختلافات والتباينات الأيدلوجية والثقافية، وإنما تدخلها في علاقة صراعية، عنفية، بدلا أن تكون العلاقة تواصلية وتفاعلية. ولا يمكن على الصعيد الاجتماعي والإنساني فهم الآخر إلا بتقدير مساحة الاختلاف معه، وكيف سيتم إدارة هذا الاختلاف. لأن الاختلاف في حدوده الطبيعية والإنسانية ليس أمراً سيئاً، الأمر السيىء والخطير في هذا الإطار هو عدم الاعتراف بشرعية الاختلاف وحق صاحبه في أن يكون مختلفاً. فالتوحيد القسري للناس، يزيدهم اختلافاً وتشتتاً وضياعاً. وذلك لأن محاولة إنهاء وحسم الاختلاف بالقمع والقهر يزيده اشتعالاً. كما أن هذا المنطق والخيار يخالف مخالفة صريحة ناموس الوجود الإنساني، القائم على التنوع والاختلاف والتعدد. من هنا ندرك أهمية حضور قيمة العدل في الاختلافات الإنسانية. حيث أن الاختلاف مهما كان سببه أو مستواه، ينبغي أن لا يفضي إلى الظلم والخروج عن مبادئ وقواعد العدالة. يقول تبارك وتعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ - المائدة الآية8. ويقول تعالى ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ﴾ - الأنعام الآية152.

فالاختلافات الفكرية والاجتماعية والسياسية، ينبغي أن لا تكون سبباً للقطيعة مع قيم العدالة والوحدة، بل وسيلة من وسائل الالتزام بهذه القيم. وذلك من أجل تحديد مجالات الاختلاف وتنمية الجوامع المشتركة، لأنها جزء من عملية العدالة المطلوبة على كل حال..

والمنهجية الأخلاقية والحضارية الناظمة للاختلافات والتباينات الفكرية والسياسية، قوامها الحوار والتسامح وتنمية المشتركات وحسن الظن والأعذار والاحترام المتبادل ومساواة الآخر بالذات. وتتجسد مسؤولية فئات المجتمع الواعية، في بلورة وتأصيل هذه القيم في الفضاء الاجتماعي. فلا يجوز اليوم وبأي شكل من الأشكال التبرير أو التستر على الأفكار المتطرفة التي تشرع للعنف وتحرض على ممارسة الإرهاب. إننا بحاجة إلى وقفة شجاعة وصريحة ضد كل الحوامل الثقافية والفكرية لظاهرتي العنف والإرهاب. وذلك لأن التبرير أو التغافل عن معالجة البعد الثقافي والفكري لظاهرة الإرهاب، سيوفر لهذه الآفة الخطيرة، القدرة على التمدد والانتشار.

آن الآوان وبعد التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الدولة والمجتمع في آن، أن نشمر عن ساعد الجد في مواجهة هذه الجرثومة على المستويات الدينية والفكرية والثقافية.

3- حماية الرأي الآخر، وذلك لأن مسلك الإلغاء المتبادل على مستوى الآراء والقناعات الفكرية والسياسية والأيدلوجية، يؤدي إلى خسائر مشتركة في الأرواح والأوطان والقيم والأفكار، وإن سعي كل واحد منا إلى حماية الرأي الآخر، هو الذي يحفظ الجميع من الخسائر على مختلف الصعد والمستويات.

والمشكلة ليست في وجود آراء متباينة ومختلفة، بل تنشأ من عجزنا عن القبول بالرأي الآخر. والديمقراطية تنطلق من الاعتراف العميق والجوهري بالآخر وجوداً ورأياً كما هو شريكاً مختلفاً، ولكنه الاختلاف الذي يحفزنا إلى الفهم والتفاهم والتكامل..

لهذا كله فإن اجتثاث الإرهاب من فضائنا الاجتماعي، يقتضي العمل على توفير المناخ المناسب لقبول الآراء والقناعات المختلفة، والتعامل معها على قاعدة أنها تساهم في إثراء الوطن والمجتمع.

فالمطلوب في مشروع اجتثاث جذور الإرهاب، هو استنبات قيم الحوار والحرية وحقوق الإنسان والاعتراف بالآخر رأياً ووجوداً في الفضاء الاجتماعي. لأن هذه القيم بمتوالياتها وتأثيراتها الخاصة والعامة، هي القادرة على طرد موجبات العنف، وتحقيق الأمن والاستقرار على أسس صلبة ومتينة.

الرياض 6 / 5 / 2004