|
الأكتاف العارية تحمي الشوارب
الناس
في انحاء العالم يتساءلون: لماذا استوردتم النساء الامريكيات حتى يدافعن عن
بلادكم، اليس في بلادكم رجال يدافعون عنها؟
صحفي
بريطاني زار السعودية اخيرا كتب ((لقد انقلبت الآية فالعربي الذي كان يضرب به
المثل في البطولة والفداء والتضحية في سبيل كرامته وعرضه وارضه أصبح الآن يختبئ
وراء الجدران بينما تدافع عن كرامته نساء جئن من اقصى بلاد الأرض، النساء ذوات
الاكتاف العارية يحافظن الآن على كرامة الشوارب واللحى في هذه البلاد العجيبة.
اصبحنا مهزلة العالم
معلق
في وكالة أنباء أمريكية معروفة كتب: ان المسئولين السعوديين اشتكوا لقادة القوات
الأمريكية المرابطة في الظهران من ان الحفلات الراقصة التي تشارك فيها نساء شبه
عاريات قد تثير السخط في اوساط المتدينين السعوديين، كما انها قد تشوه سمعة الملك
فهد الذي يعرض نفسه في العالم باعتباره خادم الحرمين الشريفين وحامي حمى الإسلام.
وجاءت
هذه الشكوى بعد ان عرض التلفزيون الأمريكي على شبكة سي. بي. اس. ريبورتاجا مصورا
لمدة ثلاثة ارباع الساعة يظهر فيه مئات من الجنود الأمريكيين من الرجال والنساء
يرقصون ويغنون ويشربون الخمر بينما كانت فرقة أمريكية تؤدي برنامجا استعراضيا
يتضمن غناء ورقصا تشارك فيه نساء بالملابس الداخلية الشفافة.
ويقول
المعلق الأمريكي متهكما: ان هذه الحفلة الرائعة لم تجر في لاس فيغاس حيث كانت تجري
امثالها بشكل اعتيادي بل جرت في منطقة توصف بانها الأكثر تزمتا ومحافظة على
التقاليد في العالم، لقد جرت في الحقيقة في الوقت الذي كانت الشرطة تقمع مسيرة
للنساء السعوديات يطالبن فيها بالسماح لهن بقيادة السيارات، ومنعت تلك المسيرة
واعتقل الذين نظموها لأن الحكومة تعتبر المطالبة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة
خروجا عن الدين كما يفسره كبار رجال الدين المرتبطين بالاسرة المالكة.
ويواصل
المعلق الأمريكي تقريره بالقول ان القادة الأمريكيين قد اجابوا المسئولين
السعوديين الذين حدثوهم في هذا الموضوع بأن جنودهم اتوا إلى السعودية للدفاع عن
حكومتها وليس للالتزام بتقاليد البلاد الدينية، وان ما يهمهم هو قوانين بلادهم ـ
أمريكا ـ وليس القوانين السعودية. فقال السعوديون انهم لا يعارضون اقامة حفلات من
ذلك النوع وانهم يتفهمون حاجة الجنود إلى الاسترخاء، والتمتع بوقت قليل من الراحة
والاستمتاع بعد عزلة الصحراء وصعوبة العيش فيها، ولكنهم يتمنون على اصدقائهم
الأمريكيين ان يتفهموا بالمقابل الصعوبات التي تنشأ من اكتشاف مواطنيهم لهذه
الحقائق بينما تمنع الحكومة عليهم أي مظهر يخالف التقاليد حتى لو كان بسيطا، وهم
لذلك يقترحون حلا مخففا وهو عدم السماح بتصوير هذه الحفلات في حالة اقامتها وعدم
السماح للصحافيين بتغطيتها حتى لا تكون سببا في احراج الحكومة السعودية.
تنقل
صحافية أمريكية عن جندية في الجيش الأمريكي التقتها في الظهران قصة حدثت لها مع
أحد رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقول انها كانت تسوق سيارة جيب
تابعة لسلاح الطيران ومعها ضابط الفرقة التي تتبعها، وتوقفوا عند إحدى البقالات
لشراء ماكولات، ونزل الضابط فيما بقيت هي في السيارة، في هذه الأثناء وقفت بجانبها
سيارة سوبربان تبين انها تابعة لهيئة الأمر بالمعروف، ونزل منها رجل عجوز ذو لحية
طويلة مخضوبة بالحناء، فتكلم معها بغضب حديثا طويلا لم تفهم منه شيئا، فاستعانت
برجل هندي كان يقف هناك وسألته عما يريد العجوز فقال لها الهندي انه يدعوها إلى
الاحتشام وتغطية صدرها وكتفها العاري، هنا انفجرت الجندية غضبا في وجه المطوع ثم
امسكت لحيته بشدة وصاحت فيه (لقد
جئنا لنحمي كرامة هذه اللحية الوسخة، وإذا كنت رجلا فاذهب ودافع عن بلدك ايها
الجبان بدل ان تعلمني حسن الادب).
لقد اصبحنا مهزلة العالم في ظل شركة هادم الحرمين واخوانه المساهمة.
ان
بلادنا تتعرض لاحتمالات الغزو من جانب العراق، ومع ذلك فإن الحكومة لم تبادر إلى
إعلان التعبئة العامة.. لماذا؟
لأنها
لا تثق بالشعب، وهي تخشى ان يتعلم الشباب على السلاح والجندية فتكون بايديهم
مقومات الضغط لو ارادوا المطالبة بالاصلاح السياسي في المستقبل. والتعبئة العامة
غير الدعوة إلى التطوع. والحكومة تفهم تماما الفرق بين التعبئة العامة والدعوة
للتطوع، فالتطوع يعني تجنيد من يرغب، ومن هو مرغوب فيه وليس من يقدر، ثم التحكم في
قبول من هو مؤكد الولاء للاسرة المالكة، ومن هو مشتبه فيه أو غير معلوم. اما
التعبئة العامة فهي قانون تصدره الحكومة تلزم فيه الجميع بالتقدم إلى معسكرات
الجيش للتدريب على السلاح والمشاركة في واجب الدفاع من الوطن، وتلتزم هي بعدم منع
أي فرد من المشاركة في اداء هذا الواجب الا لعذر مقبول كأن يكون مريضا وما إلى
ذلك. ولو تحقق هذا الأمر فسيكون لدى البلاد جيش من المتطوعين لا يقل عدده عن مليون
جندي، وهو يزيد ضعفين عما استوردته الحكومة من رجال أمريكا ونسائها وغيرهم.
ونقول
مليون مع التحفظ، حتى لانتهم بالمبالغة، فعدد أبناء الشعب حسب قول الحكومة يبلغ
عشرة ملايين نصفهم من الرجال ومن بين الذكور هناك نسبة قدرها 65% ممن تتراوح
اعمارهم بين 16 ـ 40 عاما وهي السن المثالية للجندية، وهذه النسبة تعادل ثلاثة
ملايين، وسنفترض ان ثلثهم فقط سيكونون مهيئين للتجنيد أي مليون جندي، فلماذا يمنع
هذا العدد الضخم من اداء واجبه الديني في الدفاع عن الوطن؟ ولماذا يحرم الوطن من
سواعد أبنائه في ساعة الحاجة إليهم؟
ان
دعوة الحكومة للتطوع ليست الا تمويها ارادت الحكومة من ورائه استبعاد معظم الشباب
من الخدمة العسكرية.
ولا
بد ان البعض يتساءل عن عدد الذين سجلوا اسماءهم في مراكز التطويع وعن مصيرهم بعد
التسجيل..
من
اصل مجموع الشعب الذي يبلغ عشرة ملايين سجل 70 الفا فقط اسماءهم، وفي أحد المراكز
في المنطقة الشرقية بلغ عدد المسجلين 3000 مواطن أرسل منهم إلى التدريب 130 وارسل
100 آخرون إلى المطافئ ليكونوا دفاع مدني، ويعادل مجموع هؤلاء نسبة 8%، بينما
اعتبر الآخرون أي ما مجموعه 2770 غير مرغوبين. ان عدد الذين سجلوا اسماءهم للتطوع
يبلغ 70 ألفا أي بنسبة 7 بالالف فقط من مجموع أهل البلاد، ومن بين هؤلاء لم يقبل
الا نسبة 8%، أي اننا لو اردنا تعميم هذه النسبة على مجمل المتطوعين فسنخرج بنتيجة
ان الذين قبلوا في الجندية أو الدفاع المدني اثر دعوة الحكومة لا يزيد عن 5,5
بالاف، ولنا عودة لاحقة لبيان معنى هذه النسبة بالنسبة لأي حكومة تحترم نفسها
وسيادة بلدها.
معظم
الناس في البلد يفهم ان دعوة للتطوع هي مجرد ذر للرماد في العيون، ولا سكات
المطالبين بتجنيد عامة أبناء الشعب. وكان التجنيد الالزامي مطلبا شعبيا عاما منذ
عشرين عاما على الأقل، وقد وعدت الحكومة في خمس مناسبات على الأقل بانها توشك على
اصدار قانون الخدمة الالزامية، لكنها في كل مرة تتجاهل الموضوع بعد خفوت الاصوات
المطالبة باصدار القانون، وفي بعض الاحيان تبرر تجاهلها للموضوع بحرصها على ان
يتواجد الشباب في ميادين العمل نظرا لأن البلاد تمر في فترة تنمية تحتاج معها إلى
ايد عاملة كثيرة. واستمرت هذه الحجة حتى بعد سقوط أسعار البترول وتوقف المشاريع
التي اسمتها الحكومة بخطط التنمية في منتصف الثمانينات حينما كان في البلاد قرابة
نصف مليون عاطل عن العمل.
وهناك
من الناس من لا يريد ان يتطوع قبل ان تقدم الحكومة على اصلاح الاوضاع البائسة
والفاسدة في العمل السياسي الداخلي. فهؤلاء الناس وهم الذين يمثلون الطبقة الأكثر
وعيا وحماسة يرون ان الأسرة المالكة حولت البلاد إلى مزرعة خاصة تديرها بذات
الاساليب التي كانت سائدة في زمن
الاقطاع الاوربي في القرون الوسطى، فالارض وما فيها ملك للاسرة ومن عليها من البشر
مجرد خدم لها، ولان هذا الوطن محكوم بالسيف وليس بالمحبة والتفاهم والتراضي، ولان
مستقبل البلاد واهلها مرهون بأي قرار يتخذه وزير أو أمير في لحظة انفعال، فإن
التطوع الآن لا يعني سوى مساعدة الحكومة في التضليل، والمساهمة في حماية وضعها
الداخلي بينما يقوم الأمريكان بحماية الحدود، أي ان المتطوعين لن يكونوا في هذه
الحالة سوى ملحقين بالشرطة المكلفة بحماية الحكم وليسوا مدافعين عن الوطن. وليس
هناك من هو مستعد بطبيعة الحال للفناء من أجل عائلة أو حكومة ليس لديها أدنى
استعداد لاشراك الشعب في إدارة أمور بلده، بل وليس لديها الاستعداد لترك الناس في
حالهم يفكرون كما يشاؤون ويقولون ما يريدون، من الذي سيقدم روحه فداء لحكومة شعارها
السيف وقاعدة حكمها السيف ووسيلتها الأولى في التعامل مع مواطنيها التهديد بالسيف؟
إذا
كانت الحكومة صادقة في انها تريد مشاركة الشعب في الدفاع عن وطنه فلتخفف قليلا من
وضع الاختناق الذي يعيشه الشعب، الاختناق الذي يجعل القيام بأي عمل محفوفا
بالمخاطر خشية أن يكون غير مرغوب من جانب الشركة الحاكمة.
في
ظل حكومة تقرر ان اقتناء الكتاب جريمة، والحديث في الأمور العامة جريمة، وانتقاد
رئيس البلدية جريمة، والسفر إلى بعض البلدان جريمة، والصلاة في جوامع معينة جريمة
والتعبير عن الرأي جريمة، والانتماء إلى منطقة بعينها أو طائفة بعينها جريمة. في
ظل اختناق كهذا من سيكون مستعدا للدفاع عن الحكم واركانه؟
لقد
دعونا ودعا الوطنيين جميعا إلى التعبئة العامة حينما اجتاح العراقيون الجارة
الصغيرة الكويت، إذ كان واضحا ان بلادنا هي الهدف التالي، لكن الحكومة اعتصمت
بالصمت الذهبي إلى ما بعد الاجتياح باربعة أيام، وحينما تكلمت في اليوم الخامس فقد
تمخض الجبل فولد فأراً، فبدل إعلان التعبئة العامة، واصدار قانون الخدمة العسكرية
الالزامية، اعلنت الحكومة ان قوات خليفة المسلمين جورج بوش قادمة عاجلا لحماية
كعبة المسلمين ومثوى نبيهم عليه الصلاة والسلام.
كنا
نظن ان الحكم مقبل على تصحيح خطئه التاريخي بالانفتاح على الشعب، واعلان التعددية
السياسية واقامة حكم الشورى لأول
مرة في تاريخ البلاد، واطلاق الحريات واعلان الالتزام بحماية حقوق الإنسان،
لكن بدلا من ذلك سمعنا اعلانا بفتح باب التطوع لمن يرغب الانخراط في السلك
العسكري، وكأن أمن البلاد وسيادتها واستقلالها هو موضوع للرغبة والشهوة، ولا ندري
ما هي حجة الحكومة في هذا لكن الملك واسرته وحكومته ـ حسب العرف القائم بالقوة في
بلادنا المظلومة ـ مثل الباري تبارك وجل، لا يسأل عما يفعل.
نقول
ويقول أبناء الوطن اننا والجميع في كامل الاستعداد للدفاع عن الوطن وعن استقلال
الوطن، ونحن لسنا بحاجة إلى النساء من أمريكا وغيرها للدفاع عن بلادنا، نحن
مستعدون للدفاع عنها والموت في سبيل استقلالها، لكننا غير مهتمين اطلاقا بالدفاع
عن المصالح الأمريكية التي أرسل جورج بوش قواته لحمايتها، ولن نضحي قلامة اظفر من
أجل وكلاء أمريكا الذين يقفون على صدورنا بحرابهم وسيوفهم.
إذا
ارادوا ومن أبناء شعبنا التضحية فليكونوا حماة لنا، وليكونوا عدولا معنا، وليكونوا
قادة شرفاء لشعب كريم، لا أعضاء في شركة مساهمة همها اللهف والنهب، وهي فوق ذلك لا
تحمد ولا تشكر تقطع الرقاب، وتسجن وتشرد وتقمع كل من لم يدخل في مزاجها.
وكلمة
نقولها للواعين من أبناء شعبنا ومن شبيبتنا.. دونكم هذه الفرصة فلا تفوتكم.. الحكم
الآن قد تعرى وبان هزاله، فلا تتركوا الفرصة تفلت، يجب ان نضغط على الحكم حتى
نجبره على اعطائنا ما نريد من الحرية، يجب ان تكون اهدافنا واضحة للكل، يجب ان
يعلم كل منا الآخر كيف نطالب وكيف نضغط، وكيف نصل إلى ما نريد، ويجب ان نمارس
حرياتنا ونفرضها أمراً واقعاً رضى الحاكمون أم رفضوا، هذه بلادنا ونحن احرار فيها،
وهم وان عذبونا وآذونا فإن مصيرهم إلى جهنم ومصيرنا الانتصار، العالم كله معنا
والله من فوق الجميع معنا فلنصنع تاريخنا من جديد.
الجزيرة
العربية العدد الأول ـ يناير 1991م ـ جمادى الثاني 1411هـ |