العودة للفهرس

مستقبل العربية السعودية

تناولت مجلة الإيكونومست البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 18/3/1995 مجمل الأوضاع المتردية للمملكة , وأشارت في مقال مطول إلى مجموعة من مواضع تفكك الدولة , سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي . ورغم مخالفتنا لبعض الرؤى التي حملها المقال , خاصة تلك المتعلقة بدور الإسلاميين في المملكة والموقع العام للإسلام في بنية المجتمع , فإننا ننشر هنا الأجزاء الهامة من تلك المقالة.

مملكة تتصدع

هناك من الأسباب ما يدعو للقلق على أكبر منتج للنفط في العالم , خصوصا  بعد أن أ ضعف اقتصاديا  , وأصبح آيلا  للسقوط , إضافة إلى أنه محاط بالمعارضة الإسلامية من كل جانب . وعلى المحللين الذين يعتقدون أن التفكك السياسي قد يحدث في العالم الإسلامي في دول مثل الجزائر أولا  ثم مصر وربما الباكستان أو تونس والمغرب , أن لا يسقطوا المملكة العربية السعودية من حساباتهم . فالملك فهد في هذه الأيام يسيطر عليه القلق الشديد جراء ما يحدث في البلاد . فأينما يولي وجهه هذه الأيام لا يرى إلا أعداء  . ففي الشمال الشرقي , صدام العراق وإيران . وفي الشمال الغربي الأردن التي يتشكك الملك في "نواياها السيئة" خاصة بسبب الخلافات العائلية القديمة, وفي الجنوب هناك اليمن والتي تطالب بحل مشكلة حدودية قديمة , أما في الداخل فتخفيض الميزانية وتقليص المصروفات أدى إلى تذمر الشعب , كما أن الأمر ازداد سوءا  بسبب إنذارات البنك الدولي, الأمر الذي مكن المعارضة الإسلامية من اسثثمار الأوضاع بشكل أكثر.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأمريكان لم يسه لوا الأمر على صديقهم الملك فهد , ففي الوقت الذي يطالبونه فيه بتصحيح الأوضاع المالية , يلوون يده بمطالبته شراء أغلى منتجاتهم بما فيها أحدث الأسلحة المعقدة .

لقد مضت الآن أربع سنوات على إنقاذ الغرب لملوك وأمراء الخليج , ولكن الملك ما زال يتحدث عنها وكأنها حدثت بالأمس , حيث يقول : «إن الله (سبحانه وتعالى) نصرنا بجنود من جميع أنحاء العالم» . وقال أيضا  لمجلس شوراه في يناير الماضي «الكثيرون يقولون إن وجود الأجانب في أراضينا خطأ , ولكنا كنا في أمس الحاجة إليهم» , ورغم ذلك فلا زالت تنتاب الملك حالة انزعاج من القرار المشؤوم باستجلاب نصف مليون جندي أمريكي إلى الأراضي السعودية , فالحرب قد ك سبت ولكنها أد ت إلى اتهامات في مصداقيته وشرفه, ومثل هذه الاتهامات ليس من السهل التخلص منها في مجتمع قبلي كالسعودية . كما أن استدعاء الجيوش الأجنبية جلب على الملك اتهامات إسلامية خطيرة أهمها نشر الفتنة بين المسلمين والتسبب في اقتتالهم . ولهذا فإن استجلاب القوات الأجنبية مازال كابوسا  يؤرق الملك بشدة.

للمملكة السعودية أهمية كبيرة عند الكثيرين , فهي تمتلك أكثر من ربع احتياطي العالم من النفط , وهي الحليف الحقيقي الوحيد للغرب في منطقة الخليج , كما أنها تمثل صحن عسل ضخم للغرب . فالسعودية في العقود الماضية سخرت مساجدها الصخمة لمحاربة الشيوعية , كما أنها أنفقت أموالا  طائلة من أجل رفاهية ومتعة أمرائها , والكل يبدو أنه قد أخذ حظه من طبق العسل الضخم من أعلى رتبه حتى أصغر قائد . فاستغلال السعوديين كان تجارة كبيرة , فحتى أصدقاء السعودية كانوا يضحكون منها وهم يراقبونها تشتري وتصرف الأموال الطائلة على أسلحة لا تستطيع استعمالها , وهؤلاء الأصدقاء قلقون هذه الأيام من أن السعودية لا تستطيع أن تبذر كما كانت تفعل في الماضي!!

الأقل ثراء  أكثر تفلتا

ذكرت جريدة الفاينانشال تايمز (البريطانية) في ديسمبر 1993 أن (السعودية كانت غنية مؤقتا ) , وأن السعوديين وغيرهم كانوا بطيئين في إدراك حقيقة أن فترة الإسراف قد انتهت وأنه قد آن الأوان لمواجهة الواقع .

في السنة الماضية أعلن الملك عن تخفيض المصروفات الحكومية بـ 20% وفي هذه السنة وبعد تهديدات بتخفيض مماثل تراجع إلى 6,2% , وحسب الميزانية المعلنة في الأول من شهر يناير فإنه على السعوديين أن يدفعوا أكثر للحصول على خدمات الماء , والتيار الكهربائي , والمنتجات النفطية , وتذاكر السفر الداخلية , كما أنه تم إيقاف الخدمات الهاتفية المحلية المجانية , وانخفض الصرف على الخدمات التعليمية بمعدل 20% , وهناك أيضا  احتمالات لرفع الدعم , وتمليك بعض الشركات العامة للقطاع الخاص مثل شركة الطيران السعودية , وكذلك إعطاء القطاع الخاص دفعة قوية لتشجيعهم , وبالإضافة إلى ذلك فإنه على الأجانب أن يدفعوا أكثر للحصول على تأشيرات الدخول والإقامة . وبالرغم من هذا كله فإن ميزانية الدفاع لا يبدو عليها التأثر من هذه التخفيضات , والمعروف أن الدفاع عادة يأتي على أكثر من ثلث المصروفات . ولكن الاقتصاديين يشيرون إلى أن الإجراءات والتخفيضات التي اتخذتها المملكة وإن كانت خطوة في الطريق الصحيح إلا أنها لا تكفي , كما أن البنك الدولي يطالب السعودية بإجراءات أكثر صراحة وصرامة وذلك لأن السعودية استنزفت احتياطيها النقدي . فالدولة أو بالأحرى العائلة المالكة ينبغي أن تفكر مليا  في بيع أصولها (ممتلكاتها) للقطاع الخاص . كما أن المواطن السعودي ينبغي أن ي عد نفسه لدفع سعر السوق كاملا  بالنسبة للخدمات المقدمة إليه والبضائع المدعومة, أما الإجراءات المؤقتة فلن تؤدي إلى النتيجة المطلوبة .

بالنسبة لعادات حكام السعودية فإنه لا يحكمها الاقتصاد فقط ولكن السياسة أيضا  , فمنذ أيام الملك فيصل في الستينيات افترض حكام السعودية أن الشعب سيرضى بالتقدم الاقتصادي كبديل للديمقراطية , وفي السبعينيات والثمانينيات بدا هذا الافتراض صحيحا  . ولكن حظ الملك فهد السيء أنه اعتلى العرش سنة 1982م أي في بداية انخفاض النشاط التجاري . ومع انخفاظ الدخل من النفط كان عليه مواجهة أمور جديدة مثل العجز في ميزان المدفوعات والبطالة , وازدياد تنامي التيارالإسلامي المتشدد الحديث والذي يهدد الكثير من الأنظمة في الدول الإسلامية.

وعندما جاءت حرب الخليج كشفت سوءة النظام أمام الجميع : سوء إدارة وفساد عام , وأعداد هائلة من الشباب الحائر (60% من السعوديين تحت سن 21) , ومعاملة قاسية للعمالة الأجنبية (في السعودية 5 مليون عامل أجنبيا  وربما 10 مليون سعوديا ) , وكذلك الإكثار من قطع رؤوس المجرمين ومهربي المخدرات (59 رأسا  في السنة الماضية , وفي سنة 1993م رقما  قياسيا  بلغ 85رأسا ) . ولكن المتفائلين قالوا بأن السعودية كانت هي الجهة الرابحة في الحرب , وكانت الخسارة لصدام ونظامه الثوري , كما أنهم ذكروا أن العوائل الحاكمة في منطقة الخليج تمتلك القدرة على التكيف والتلون حسب المستجدات . ولكن المتفائلين كانوا على خطأ , فالمملكة السعودية نجت بأعجوبة وبقوة الأصدقاء الأجانب وليس من خلال قوتها وقدرتها الذاتية على البقاء . فالحرب تسببت في إضعاف اتحاد الدولة , وأدت إلى انقسام العلماء , واستنزاف الاقتصاد . وهذا مما تسبب في موجة عارمة من التطورات غير المتوقعة والتي اضطرت الملك فهد إلى إعمال حلول غير مجربة , حيث أنه اضطر إلى تغيير سياسته السابقة والتي تعتمد على الرخاء الاقتصادي بدلا  من الديمقراطية , والتوجه إلى نوع جديد من السياسة , هي خليط من الإصلاح السياسي والصرامة الاقتصادية , وتجديدالرؤية الإسلامية للدولة, والسؤال هنا هل هذه التغييرات ستقدم الحل؟

إن إصلاحات الملك بما فيها مجلس الشورى الذي عينه والمتكون من 60 عضوا  في 1993م لا تكفي لإرضاء تيارات القوى السياسية الصاعدة في المملكة. وهناك سؤال آخر محرج تفرضه التخفيضات في الميزانية وهو : لماذا من عامة السعوديين أن يربطوا الأحزمة ويتقشفوا في حين أن الستة آلاف أميرا  لا يتأثروا على الإطلاق ؟ بالإضافة إلى ذلك فإن رؤية الدولة الجديدة للإسلام تفرض مزيدا  من القيود على المرأة , وكذلك إطلاق يد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحكومية بمزيد من الصلاحيات الأمر الذي أزعج المتحررين ولم يرض المتشددين . تحلم الأسرة الحاكمة هذه الأيام بارتفاع أسعار النفط , ولكن العكس قد يحدث . فإذا نجحت روسيا وفرنسا في نداءاتها لتخفيف حدة المقاطعة على العراق فإنه من المؤكد أن أسعار النفط ستنخفض . ولكن لم يعد للأسرة الحاكمة متسع للمناورة , حيث أن رصيدها النقدي قد استنزف , والمصارف المحلية لا ترغب في إقراضها المزيد فوق الديون التي لم تدفع بعد , أما بالنسبة للحلول الصارمة فتحتاج إلى شجاعة أكثر مما أبداه حكام السعودية في الماضي وربما حتى مما يستطيع تقديمه الحاكم الحالي .

الأسلوب الذي سيجلب التغيير :

كل ما سبق يدل على أن النظام بدأ في التداعي والانهيار . ولكن التغيير الظاهر في الأفق لن تفرضه مجموعة معينة أو مجموعات من الإسلاميين , أو عن طريق التكنوقراط أو حتى الجيش . ولكن التغيير يبدو وكأنه سيأتي من داخل العائلة المالكة والتي تبدو أقرب شيء إلى الحزب السياسي . فالملك فهد عمره 73 عاما  والبعض يقولون أكثر - وهو مترهل القوى ويعاني من السكري وهو يحكم بالبلاد بصورة متقطعة (شكليا ) . وقد غير الملك فهد قوانين ولاية العهد في عام 1992م بحيث أعطى الصلاحية لنفسه في أن يعين أو يفصل ولي العهد , كما غير نظام الأقدمية في الوصول إلى العرش بحيث تعطى الفرصة للأصلح لاعتلاء العرش , وهذا بمعنى آخر يفتح باب المنافسة للمرة الأولى للجيل الثالث من العائلة , ولكن لا أحد يعرف متى أو هل ستطبق هذه القوانين؟ غير أنه من المتوقع أن عبدالله سيعتلي العرش بعد فهد ويصبح سلطان وليا  للعهد , ولكن تبقى هذه التوقعات مجرد تخمينات , خصوصا  أن ثلاثتهم كبار في السن ولا يبدو بينهم انسجام كبير . بالنسبة لولي العهد فعمره 71 عام  وهو رئيس الحرس الوطني , ثاني أكبر جيش قبلي في البلاد , وهذا يعطيه اتصالات قبلية كان قد حافظ عليها وحرص على تنميتها , ولكن مشكلته الوحيدة أنه ليس لديه إخوة أشقاء مثل فهد وإخوته المعروفين بأبناء السديرية السبعة نسبة إلى أمهم , والذين استطاعوا أن يجمعوا الكثير من التأثير والقوة بجموعهم , وهذا ما يفتقده الأمير عبدالله , الذي إذا أصبح ملكا  فهذا يعني أنه سيضع بعض رجالاته في المناصب الحساسة وخصوصا  الحرس الوطني ولكنه لا يستطيع أن يزعج أبناء السديرية بعزلهم من مناصبهم.

وقد يذكر في بعض الأحيان أن عبدالله ضد الأمريكان , ولكن هذه مبالغة , والصحيح أنه ليس قريبا  للأمريكان مثل فهد وبالتالي فإن نصائح الأمريكان لن ت قبل بنفس السهولة , فالأمريكان يشعرون بارتياح أكثر تجاه الأمير سلطان (67 عاما ) وزير الدفاع الحالي , وابنه بندر سفير المملكة في واشنطن , ولكن قصص فساد سلطان كثيرة , كما أنه معروف بسرعة الغضب , فقد كان يتبنى الحل العسكري بشدة في أحداث اليمن الأخيرة , أي أنه لن يكون ملكا  محبوبا  .

ولكن على أية حال فإن فهد وعبدالله وسلطان قد يتبع أحدهم الآخر للقبر في مدة قصيرة , خصوصا  وأنهم جميعا  كبار في السن مثلما حدث لأندروبوف وتشيرنكو بعد بريجينيف في السنوات الأخيرة لسقوط روسيا, فهل يا ترى هناك جورباتشوف سعودي في الانتظار؟ أما ولاية العهد فعاجلا  أم آجلا  ستكون من نصيب الأمراء الصغار, ولكن علينا أن نتذكر أن هناك 6000 أميرا !!!

تأتي القوة والتأثير في السعودية عن طريق الولاءات والاتحادات , فالأمراء الأثرياء يسعون دائما  لبناء علاقات وتكتلات مع زعماء القبائل والمسؤولين البارزين في الدولة والجيش وكذلك مجموعة من العلماء البارزين, كما أن التكنوقراط والعلمانيين يتمنون أن يروا رجالهم في المواقع الهامة كذلك , وقد تعطي قوة التيار الإسلامي المؤسسة الدينية كلمة فاصلة في الأحداث . وربما قد تمضي ثلاث أو أربع سنوات على قدوم أي تغيير , ولكن ثلاث أو أربع سنوات في العالم الإسلامي ليست بالمدة الطويلة نتيجة تعقد المشاكل وشدة تأثر الدول الإسلامية بعضها ببعض . والسؤال المطروح الآن هو : هل تستطيع الأسرة الحاكمة أن تصلح من أوضاعها قبل قدوم سنة 2000م؟ إذا لم تقم الأسرة بذلك فإنها ستنضم إلى قائمة الأنظمة المنهارة .

رؤية فرنسية للحياة السرية للأمراء السعوديين

تضمن العدد السابق عرضا  لمقال نشرته مجلة "لوبوان" الفرنسية في  24/2/1995 تحدث عن فساد الأسرة الحاكمة , والأزمة الخانقة التي تواجهها , وأشرنا إلى أن حلقة هذا العدد من الترجمات الفرنسية ستكون مقتطفات من كتاب جديد لباحث فرنسي صدر حديثا  تحت عنوان "الدكتاتورية المحمية" , والباحث هو (Jean Michel Foulquier)  ونشرت هذه المقتطفات نفس المجلة المذكورة في نفس العدد السابق .

عدد أفراد آل سعود غير معروف غير أنه يمكن تقديرهم بحوالي 7 آلاف , منهم 4 آلاف ذكر . وتمتاز الأسرة المالكة بسرعة التكاثر (فقد كان للملك عبدالعزيز 36 ولدا  , وللملك سعود 102 ولدا ) لدرجة أنه يمكن أن ينطبق عليها وصف الطبقة الاجتماعية بالمفهوم الواسع للكلمة . وهي بطبيعة الحال طبقة اجتماعية متميزة يسمح لها مركزها المالي بأن تعيش حياة البذخ المثيرة للدهشة .

يقول عنهم أبناء الشعب"إنهم" أهل البيت, للدلالة على أن هؤلاء الأمراء قد سمحوا لأنفسهم جميع قطاعات الحياة في البلاد, والتصرف فيها بكل حرية ومن غير مراقبة . فعلى سبيل المقارنة فإن العائلة المالكة في عمان لا تتجاوز علاوة على السلطان قابوس , سوى 25 أميرا  يعيشون حياة عادية .

يتلقى آل سعود رواتب من الدولة  تبقى قيمتها سرية , غير أنه يمكن التخمين بأن أيا  من الأمراء الشباب يحصل على راتب لا يقل عن2000 دولار أمريكي شهريا  . وهو راتب يتزايد مع مرور السنوات . وعند بلوغ سن الزواج يستفيد الأميرمن قرض بدون فائدة يسمح له ببناء قصر , غير أنه لا يحصل على ذلك سوى مرة واحدة في حياته!. وينطبق هذا على الأميرات أيضا  . وقد يحصل أن يتقدم أحد الأمراء بطلب جديد إلى الملك لغرض الحصول على قرض بصورة استثنائية وقلما  ترفض هذه الطلبات , خصوصا  في شهر رمضان الذي يزداد فيه المؤمن كرامة وعطاء  !!!

امتيازات الأمراء

ولتقريب الفكرة إلى الأذهان , فإنه يمكن القول إن أي أمير في حدود الأربعين من العمر يمتلك على أسوأ الأحوال بيتا  في الرياض وآخر في جدة, ومخيما  في نجد حيث يقضي عطلة نهاية الأسبو ع في الشتاء , وشقة في لندن أو باريس وبيتا  آخر في إسبانيا , كما يملك مجموعة لا تقل عن 10 سيارات , تحتوي على المرسيدس طراز 300 أو 600 , وبي إم دابليو 735 وتويوتا , ونيسان , وجيمس (سوبربان) لنقل الأطفال ومربياتهم الفليبينيات . وسياراتهم الخصوصية عادة ما يكون لها لوحة خاصة , مزدانة بالشعار الملكي , النخلة والسيفان , وهم عندما يقدمون إلى باريس يفضلون النزول بفندق Georges V لقربه من الشانزيليزيه , ويتناولون وجباتهم في مطعم Rouquet , وفي مدينة كان يفضلون النزول بـ- Noga Hilton حيث يجدون هناك الجو الشرقي سائدا  .

كان الملك عبدالعزيز قد أوصى الأمراء بالبقاء بعيدا  عن الأعمال والتجارة ناصحا  إياهم: «لا تنافسوا التجار في ميدانهم , وإلا نافسوكم في السياسة» , إن أقل ما يمكن قوله اليوم إنهم لم يستمعوا إلى هذه النصيحة ولم يعملوا بها , فمنذ وفاة الملك فيصل الذي كان أهم حجر عثرة في وجه تحول الأمراء إلى رجال أعمال , ارتمى جل الأمراء في الأعمال والتجارة . والقدوة في هذا الفهم التجاري كانت تأتيهم من أعلى , إذ أن مجيء فهد على رأس الدولة زاد اهتمامهم بجمع الأموال عن طريق الممارسات التجارية .

وهذه الأعمال التجارية التي يكون الأمير فيها طرفا  هي ذات عوائد عالية محققة , وتخلو من أي عنصر من عناصر المخاطرة, إذ أن الأمير الذي يقدم على التجارة لا يشارك في المشاريع سوى باسمه وبالشخصيات التي يشركها في مشروعه . بل إن الأموال التي يستمثرها تكون عادة أموالا  تم اقتراضها من البنوك . والذين يديرون هذه الأعمال هم عموما  المصريون والسوريون واللبنانيون . وإذا مكنته ميزانيته الخاصة فإن الأمير يستدعي خدمات بعض الأمريكان , أو بصفة خاصة الإنجليز الذين يشكلون أرخص عمالة غربية في سوق العمل السعودية , وهم مستعدون أكثر من غيرهم للعمل بأقل الشروط , صحيح أن الصعوبات الاقتصادية في بريطانيا قد تكون السبب وراء ذلك , لكن المؤكد أيضا  أن جاذبية الصحراء لاتزال تعمل مفعولها في أذهان الدهماء من الانكليز!!

لم يكتف الأمراء بالدخول في ميدان الأعمال والتجارة , بل إنهم استأثروا بقطاعات واسعة وجعلوها حكرا  عليهم وحدهم , سواء في مجال الرياضة والمعدات الخاصة بها التي تعرف رواجا  مؤكدا  , أو في غيرها من الميادين التقنية البحتة .

الأمراء وتجارة الخمور والمخدرات

بعض الأمراء لا يتردد في انتهاج طرق مخالفة للقوانين في سبيل الحصول على المزيد من الأموال, كما هو الحال في التعامل بالخمور حيث أن الأمراء وحدهم - إضافة إلى الدبلوماسيين - مرخص لهم باستجلاب حمولات كبيرة من الخمور من غير مواجهة تفتيش الجمارك . وكما هو الحال في غيرها من الدول التي يحظر فيها الاتجار في هذه المادة , فإن سوق الخمور تدر أرباحا  خيالية على أصحابها , إذ أن زجاجة الويسكي Johnny Walker Black Label تباع بـ1600 فرنك فرنسي خلال حفلات نهاية السنة الميلادية في مقابل 500 فرنك في غيرها من شهور السنة , ويعتقد كذلك أن تجارة المخدرات لها دور كبير في ثراء أبناء الأسرة .

إلى جانب هذا فإن لجوء بعض الأمراء إلى توفير شهادات للإقامة والعمل لقاء 4500 ريالا  , يضيف بشكل كبير إلى ثرواتهم الضخمة, ومن الواضح أن الرغبة في المزيد من المال تدفع الأمراء إلى إصدار المزيد من شهادات العمل والإقامة من غير أن تكون سوق العمل في حاجة إلى يد عاملة, مما يتسبب في تدهور ميزان العرض والطلب وإرهاق سوق العمالة بالهنود والباكستانيين .

لكن بعضا  من الأمراء لم يعد يكتف بما يحصل عليه من أموال بمختلف مصادرها الشرعية وغير الشرعية , فكلما ازدادت ثروتهم ازدادت شهوتهم إلى المزيد منها , حقا  إن عائلة آل سعود تحب المال إلى درجة الجشع .

ثروة فهد وممتلكاته

تقدر ثروة الملك فهد حسب مجلة Fortune Magazine بأكثر من 20 مليار دولار, وهو يملك 12 قصرا  في السعودية منها قصر اليمامة بالرياض . ومنذ أيام حرب الخليج أمر ببناء مخبأ محصن ضد الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية تزيد مساحته عن 14000 متر مربع , منها 7000 متر مربع مخصصة للسكن , ويحتوي المخبأ إضافة إلى جناح ولي العهد , كل العناصر المكو نة للقصور السعودية : المجلس , ومجموعة من المكاتب والصالونات , والشقق الملكية المتوفرة على كل أنواع المعدات , ومن ضمنها قاعة للعمليات الجراحية (جراحة القلب) .

لم يكتف الملك بهذا النوع من الحصانة في الرياض , فلقد أمر ببناء قصر نظير في جدة , لكن الضيق المالي الذي تشهده البلاد حاليا  حال دون استكمال الأشغال به . والواقع أنه لا يوجد اليوم ما يحتم الإسراع بإتمام هذا العمل , فالملك لم يعد الآن على مرمى الصواريخ العراقية أو الإيرانية . وربما يفكر الآن في الاحتراز من عملية هجومية قادمة من السودان أو اليمن !!

يملك الملك عددا  كبيرا  من اليخوت التي تبلغ قيمة أغلاها 100 مليون دولار . ونظرا  لكونه مولعا  بالمناظر البحرية أكثر من الألعاب الرياضية البحرية فإنه تم تخصيص جزيرة على بعد 50 كيلومترا  من جدة له ولأبنائه من أجل أن يقضي بها عطلة نهاية الأسبوع . كما أن له بيتا  شيقا  في مدينة كان الفرنسية , وآخر على ميدان مساحته 3 هكتارات, كذلك يمتلك الملك ميدانا  على ضفاف بحيرة ليمان بسويسرا , الأمر الذي سبب للسلطات السويسرية صداعا  بسبب شكاوى السكان من الأعمال التي ينوي الملك القيام بها , وله قصر في Marbella في إسبانيا , وبيتا  في ولاية Apelines الفرنسية, وكان هذا البيت قد أحدث له شيئا  من الحرج حينما احتج سكان المنطقة ضد الأشغال التي كانت ستقام لشق طريق خاص بالملك يصل بيته بالطريق السريع , فاضطر إلى التخلي عن فكرته , ومن المحتمل جدا  ألا يزوره مطلقا  نظرا  لكبر سنه وسوء حالته الصحية . إضافة إلى ذلك فإن قرب المكان من مطار Sainta - Cyr - L ecole يجعل منه غير قابل لإيواء ملك يجعل حياته الخاصة وأمنه الخاص في مقدمات اهتماماته . وللمرء أن يتساءل بعد الاطلاع على هذه الحيثيات عما إذا كان إقدام الملك على ابتياع هذا العقار نافعا  له , أو للسمسار السوري - اللبناني الذي توسط في الصفقة.

وأخيرا, وحتى نقفل الملف العقاري للملك , لابد أن نذكر أن فهد أمر ببناء جزيرة اصطناعية على مقربة من جدة يصلها بها طريق سريع خاص به وحده, ز رعت على حافتيه مجموعة من النباتات النادرة , كما أقيم على الجزيرة قصر فخم ومرسى مخصص لليخت الملكي وفي هذا الديكور الذي تفنن في بنائه أبرع المهندسون المعماريون الإيطاليون والفرنسيون , يمضي العاهل السعودي ثلاثة أرباع السنة.

الشرعية عدد/3 1996