|
مشروع "لبنان السعودي"
وربما كان
التورط السعودي في لبنان، من أبلغ الأمثلة على النهج الذي ينهجه آل سعود في
التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين.
ففي بدايات
الحرب الاهلية في العام 1975، وبينما كانت قوات "الكتائب"
و"الاحرار" تذبح المسلمين والمسلخ وسبنيه وغير ذلك، وبينما كان متعصبو
الموارنة، الذين قلدوا كتائب فرانكو ومحاكم التفتيش الإسبانية، يهتكون أعراض
المسلمين المحاصرين، كانت خيرات السعودية تتدفق عليهم وكان السفير السعودي علي
الشاعر، يبرر الدعم لقوات المسيحيين على ان دعمهم ضد القوى الماركسية واليسارية.
وخلال العديد
من الغارات التي شنها مقاتلو الميليشيات الإسلامية على معاقل القوات المارونية،
عثروا على كميات كبرى من الذخائر المختوم عليها شعار الجيش السعودي.
وأستمرت هذه
سياسة الرياض تجاه لبنان لسنوات طويلة، حيّث عمدت إلى تغذية الحرب الاهلية بالدعم
المادي، من دون ان تقدم قرشاً واحداً لمساعدة الشعب اللبناني على الخروج من عثرته
وتجاوز الحرب.
ولم ينبر بني
سعود إلى بذل الاموال على أهداف مدنية في لبنان إلاّ بعد العام 1982، أي بعد الغزو
الإسرائيلي وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية والقوات السورية من بيروت، وذلك
بواسطة الممول السعودي الجنسية اللبناني الاصل ـ صديق فهد ـ رفيق الحريري.
وحتى ان
جرافات مؤسسات الحريري عمدت إلى تنظيف مداخل بيروت من المتاريس والحواجز الرملية
قبل ايام قليلة من الهجوم المفاجئ للقوات الصهيونية على بيروت في ايلول العام
1982، وبدا ذلك وكأنه تسهيل لمهمة الإسرائيليين، خاصة وإن إزالة العوائق التي كانت
مزروعة بالألغام والتي كانت سواتر لا بد منها للمقاومة، ساهمت في تخفيف خسائر
الإسرائيليين اثناء تقدمهم نحو بيروت وكانت مؤسسة الحريري قد ازالت العوائق، تحت
شعار ان كل شيء انتهى وانه لا بد من تنظيف المدينة من آثار الحرب.
وبدا واضحاً
آنذاك ان السعودية إنبرت لتمويل المشروع الأميركي المرسوم للبنان والذي يقوم على
أساس قيام حكم كتائبي بدعم اسرائيلي.
وبعد ان فشل
هذا المشروع تحت ضربات المقاومين اللبنانيين، عمدت السعودية عبر الحرير إلى تمويل
كافة النزاعات الطائفية والمذهبية التي عصفت بلبنان، وعمد اكثر من ذلك إلى التلاعب
بالعملة المحلية وتحطيم البنية التحتية للإقتصاد اللبناني عبر تقديم الرشاوي لمئات
الموظفين والمسؤولين.
وربما كان
الإنفراج الفجائي ـ ولو الجزئي ـ الذي حصل في لبنان على صعيد الخدمات بعد وصول
الحرير إلى مجلس رئيس الوزراء اكبر دليل على ما كانت تفعله أموال السعودية، في
اعاقة عمل البنية التحتية والخدمات، إذ في ليلة واحدة تضاعفت امدادات الكهرباء
والمياه وتمت السيطرة على أسعار العملة.
وهذا ما يكشف
بوضوح ان الخطة كانت ببساطة التحطيم والعرقلة، حتى تتحسن الامور فور وصول
"المخلص السعودي" وهو غيض من فيض مما فعل آل سعود لتدمير لبنان، وتحويله
من ارض للمقاومة والمعارضة إلى جزيرة للفساد والإفساد.
رسالة
الحرمين العدد 34 جمادى الاولى 1413 هـ الموافق تشرين الثاني 1992 م. |