العودة للفهرس

ساعة بغلاف من ذهب ... ولكن بدون ماكينة تديرها

لقد كان النظام السعودي مضطرا ... لكي يغطي ويبرر انفاقه العسكري المتزايد خلال السنوات الأخيرة .. أن يحاول إيهام العالم أنه على وشك أن يصبح .. القوة العسكرية المسيطرة في المنطقة.

ولكن هذا كذب محض! فالحقيقة المجردة .. أنه خلال السنوات الست أو السبع الماضية لم يحدث سوى زيادة ضئيلة... لا تذكر في القوة العسكرية .. برغم الانفاق العسكري الذي تجاوز مائة بليون دولار ..

وهنا يجدر أن نتأمل بعض الحقائق:

في سنة 1975 وحين أصبح فهد بن عبد العزيز وليا للعهد والنائب الأول لرئيس الوزراء .. كان مجمل القوات السعودية .. البرية.. والجوية ... والبحرية .. هو 47000 وبعد سبع سنوات .. أي في 1982 لم يتجاوز هذا الرقم الكلي للقوات ـ 52200 بمعدل سنوي لا يزيد عن 740 فردا ـ وطبقا لهذا المعدل .. فان السعودية سوف من الزمن 65 سنة لتزيد قواتها المسلحة إلى مائة ألف فقط (وبافتراض عدم تعرضها لخسائر).

إلاّ يكفي هذا لاقناع الشعب السعودي وشعوب الأمة الإسلامية معه ... أن الحديث الطنان عن الرغبة المحمومة... للاسراع ببناء القوات العسكرية السعودية ليس أكثر من دعاية كاذبة .. وخداع مضلل؟!

ما حدث فعلا هو أن ثروات الأمة قد ذهبت وما زالت تذهب هباء .. تحت ذريعة الاسراع بتحويل السعودية إلى طاقة عسكرية مؤثرة .. تملك الدفاع عن استقلالها السياسي، وحماية حدودها كاملة . الأمر الذي لم ولن يتحقق ما دامت السياسات والممارسات تجري كما هي الآن.

لقد وصف "دافيد وود" القوات السعودية في تقرير نشر في الهيرالد تريبيون (11/11/1981) على النحو التالي:

"تشبه القوات المسلحة السعودية . إلى حد كبير ـ ساعة، ظرفها من ذهب لكنها لا تحتوي بداخلها ما يديرها. فبالرغم من المنشآت الهائلة هناك فانها تفتقد الطيارين والميكانيكيين، والفنيين ... والمديرين .. الذين بدونهم ـ لا يمكن للآلة العسكرية أن تتحرك .. ".

إن المأساة في أنهم بدلا من التركيز على إعادة التجنيد ـ وعلى التدريب فان النظام كان وما يزال يوجه طاقاته وثرواته لشراء ولاء القوات المسلحة ـ بما يدفعه لأفرادها من مرتبات باهظة وما يغدقه عليهم من ترف ... وما يؤمنه لهم من نمط الحياة ـ الذي يتنافى تماما مع نمط الحياة الذي يزودهم باللياقة والكفاءة ليقاتلوا في ميادين القتال تحت ظروف غير مواتية..

ولنأخذ مثالا:

مرتب الضابط برتبة نقيب في الجيش السعودي هو 60000 ستون ألف دولار أمريكي وهو يبلغ ثلاثة أضعاف مرتب ضابط مناظر في الجيش الأمريكي! وهذا المرتب الضخم معفي تماما من أية ضرائب .. وكل هذا بالاضافة إلى الامتيازات الأخرى التي لا يحصل عليها كبار الجنرالات في أمريكا أو أوربا ...

وفي هذا الصدد كتب "دافيد وود":

"إن مسكن ضابط متوسط في القوات السعودية سوف يصيب بالدوار أي جندي أمريكي ... بحيث لا يصدق ما يراه ...

إن هذا الضابط البدائي .. الذي لم يفارق منشأه البدوي لأكثر من سنين معدودات .. لا يحتاج لأكثر من أن يتسلم مفتاحا .. لينتقل إلى مسكن فخم أنيق.. به كل ما يخطر له على بال .. أجهزة الاستريو ـ السجاجيد ـ الخزف الصيني ـ النجف المتلألئ.. ".

هذا فقط مثال .. واحد لما تغدقه الحكومة السعودية على أفراد قواتها الجوية الناشئة ! ومع هذا .. فالعديد من هذه المساكن الفاخرة .. والتي ينمو عددها ـ بالمئات ـ في القواعد الجوية السعودية الأربعة ـ يظل خالي طوال الوقت: وسوف يتملكنا العجب حين نعلم أن مجمعا رياضيا عملاقا في قاعدة الظهران الجوية .. يضم حوضا للسباحة ـ أوليمبى الحجم ... وملاعب للاسكواش والبولينج كما يضم حمامات "السونا" ـ ومطاعم تقدم وجبات خفيفة للاعبين .. هذا المجمع يظل خاليا طوال الأسبوع .. ليتقبل مساء كل أثنين حفنة من الضباط يلتقون هناك ليستخدموا هذه الامكانات التي كان يكفيهم أقل القليل منها! ولا نستطيع أن نغفل ما جره التزاحم على تكوين الثروات .. من إفساد لا تجاهات الكثير من الشباب في السعودية...

إن الشروط التي تقدمها القوات المسلحة، لا ترضيهم... رغم أنها أفضل شروط من نوعها في العالم .. وهم يأبون أن يقيدوا أسماءهم في الجيش .. إذ يرون احتمالات تكوين الملايين في إطار الحياة المدنية .. واسعة وكبيرة.

ولهذا فليس غريبا أن يصبح الاهتمام السائد ... لدى العاملين في القوات المسلحة وبالأخص في الصفوف العليا . ليس التنافس في الكفاءة وأداء الواجب.. وإنما يتجه الاهتمام نحو جمع الملايين .. وتكديسها في البنوك هنا وهناك.

هذا المناخ .. سبب مزيدا من استشراء الفساد .. وعدم الانضباط .. ونقص الفعالية .. وعدم القناعة .. بالعمل بالقوات المسلحة . وهذا ما انتهى بهذه القوات إلى ما يشبه العدم.

وقد نشرت صحيفة "الفاينانشال تايمز" تعليقا حول هذه المسألة في عددها الصادر في 5/ 5 / 1982 قالت فيه:

"إن المشكلة الأعظم خطورة ... رغم كل شئ .. هي مشكلة الطاقة البشرية..! وهذا واضح .. ليس فقط في الجيش (القوات البرية) والأسطول ذي الألف رجل .. والخدمات الأرضية للقوات الجوية .. وإنما تتفاقم المشكلة بسبب نقص الدوافع وهبوطها... لدى أفراد هذه القوات بسبب ضغوط القطاع المدني واغراءاته والصراع الضاري من أجل تكوين الثروات بين الامراء مما جعل الضباط ذوي الرتب العالية يتعاملون مع القوات المسلحة ـ كما لو كانت متجرا ... يدر عليهم المنفعة! ولا شك أن هذا يكشف عن نوع التأثير الذي ينعكس على أخلاقيات الصفوف الدنيا".

وهناك عامل يشكل نقطة ضعف خطيرة أخرى في كيان القوات المسلحة السعودية ... يتمثل في الانفصام الداخلي بين قطعات هذه القوات.

هذا الوضع يتضح أكثر إذا عرفنا أن الصلة تبدو منقطعة بين هذه القطاعات بعضها وبعض وأن لكل منها استقلاله ... ونظامه الاتصالي الخاص به..

ولا شك أن هذا يزيد القوات المسلحة ضعفا على ضعف!

ففي الوقت الذي يعم فيه مبدأ "التكامل" والعمليات الشاملة الموحدة... فإن القوات المسلحة السعودية تشذ عن هذا المبدأ .. حيث بنيت على مبدأ مضاد .. هو الفصل التام بين هذه القطاعات.

والدلالة الوحيدة وراء هذا الوضع الشاذ هي: أن المسؤولين عن هذه القوات ومستشاريهم الأمريكان .. ليسوا جادين .. ولا مخلصين في بناء القوات السعودية وتحويلها إلى قوة قتالية مؤثرة!