العودة للفهرس

آل سعود ومأساة البوسنة

ليس التخاذل عن النصرة فحسب , بل العمل على إلحاق الهزيمة بالمسلمين

 حسام الدين الحربي: لربما يقول قائل إن اتهام النظام السعودي بالعمل على إلحاق الهزيمة بمسلمي البوسنة فيه مبالغة تتجاوز المعقولية, وأن الاتهام المعقول هو تخاذل النظام عن الوقوف بصلابة في مساندة المسلمين هناك سواء بعدم ممارسة دور سياسي يذكر في المحافل الدولية, أو استخدام وسائل التأثير الكثيرة التي من المفترض أن تكون متوفرة لديه.

الكثير من العرب والمسلمين يدركون الدور الانهزامي للنظام السعودي في كل القضايا التي تهم المسلمين في العالم, ويرجعون ذلك - بحسن نية - إلى جبن النظام حينا , وإلى تبعيته المطلقة للسياسة الغربية حينا  آخر. ولا يتصورون أن النظام يذهب إلى حدود أبعد من ذلك بكثير, خاصة وهم يراقبون حملات الدعاية والإعلام التي سرعان ما تنظمها أجهزة الدولة لمناصرة بعض القضايا الإسلامية, كأفغانستان والبوسنة مثلا . وهي الحملات التي تهدف إلى التغطية على حقيقة الدور الذي يقوم به النظام في تلك القضايا, والذي يخالف تماما  جوهر الشعارات الإعلامية المؤيدة.

للتدليل على فعالية هذه السياسة الضاربة في معاداة قضايا الإسلام والمسلمين. يكفي التذكير بالسياسة السعودية في أثناء الجهاد الأفغاني. إذ طوال سنوات ذلك الجهاد, والسعودية تقوم بدور الوكيل الوقح للمخابرات المركزية الأمريكية, وتطبق السياسات والأوامر والمخططات الأمريكية في الساحة الأفغانية. لذلك فقد دعمت السعودية في بدايات الأزمة الأفغانية الملك داود وكانت وراء الدعوات المطالبة بعودته, ثم تبنت لاحقا  مجموعة القيادات الأفغانية المقربة من الولايات المتحدة والتي كانت خارج إطار التحالف الإسلامي لأحزاب وجماعات المجاهدين, من أمثال مجددي ومحمد بن نبي وجيلاني. ويذكر الذين اهتموا بالجهاد الأفغاني آنئذ كيف عسكر مدير الاستخبارات السعودية بتوجيه من الملك فهد في بيشاور عدة أشهر لمتابعة موضوع تخريب مستقبل أفغانستان, والحيلولة دون قيام نظام إسلامي عقب الانتصار على نظام نجيب الله وكان شعار السعودية "إلا حكمتيار" ويعني ذلك قبول أي بديل لنجيب الله “إلاحكمتيار”

ثوابت النظام السعودي

يأتي المثال الأفغاني السابق, والمثال البوسنوي الراهن متسقا  تماما  مع خطوط السياسة الخارجية العامة التي يتبعها النظام في تعامله مع القضايا الإسلامية. تتلخص هذه الخطوط بثوابت ثلاثة هي الآتية :

الثابت الأول:

الحيلولة دون ظهور أي نظام إسلامي في المنطقة العربية أو في العالم الإسلامي يكشف نفاق وزيف المثال السعودي الذي يرفع شعار الإسلام. واستنادا  إلى هذا الثابت يمكن أن نفهم المواقف السعودية المعادية لقيام دولة إسلامية في أفغانستان. أو للتجربة الجزائرية واحتمالات انتصار جبهة الإنقاذ الإسلامي.

وفي هذا الإطار يذكر أحد كبار المسئولين السودانيين في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري, كيف أن السعودية أرسلت وفدا  رفيع المستوى إلى السودان, إبان الإعلان عن تطبيق الشريعة آنذاك لإقناع النميري بأن الوقت لازال مبكرا  لمثل ذلك التطبيق, وأنه من المفضل تأجيل ذلك أو إلغائه!!.

الثابت الثاني:

الالتزام بالسياسة الأمريكية نصا  وروحا  وعدم الخروج عليها. وهذا الثابت لا يحتاج إلى تدليل إذ أن الموقف السعودي تجاه أية قضية إسلامية بل تجاه أي قضية كانت  لابد أن يتأخر فترة كافية حتى يصدر الموقف الأمريكي, وحتى يتم تبين ملامح التوجه الأمريكي إزاء تلك القضية المحددة. وبعدها يبدأ النظام السعودي بالتعبير عن موقفه الخاص, والذي يتطابق في جوهره مع الموقف الأمريكي, ويتم تغليفه عادة بالمحسنات اللغوية واللفظية السعودية ليظهر وكأنه موقف أصيل.

في السياسة الراهنة يذهل المرء من التطبيق الحرفي والانصياع الإملائي السعودي للمواقف الأمريكية تجاه قضايا الإسلام والمسلمين. فعدا أفغانستان والبوسنة, يلحظ بوضوح السكوت والصمت السعودي المشين على ما يحدث للمسلمين في جمهوريات آسيا الوسطى, سواء في طاجاكستان أو غيرها من الجمهوريات, ورغم أن الأنظمة القمعية في عدد من تلك الجمهوريات, والتي جاءت على ظهور الدبابات رغم فوز الإسلاميين بالانتخابات التشريعية, هي أنظمة شيوعية أو من بقايا الشيوعية وموالية لموسكو قلبا  وقالبا , وأعملت السكين في رقاب المسلمين ذبحا  وترويعا  وتهجيرا , فإن النظام السعودي يتبع الموقف الأمريكي خطوة خطوة, والذي ارتكز على التجاهل لما يحدث هناك, باعتباره الساحة الخلفية لروسيا وبالتالي إطلاق يد الروس ليفعلوا ما يشاءون. هذا كله من دون أن نذكر المثل الصارخ والذي لازال دمه ساخنا  في مأساة الشيشان التي استمرت شهورا  أبيد فيها آلاف المسلمين من دون أن يحرك ذلك أي ساكن عند النظام السعودي, الذي يمكنه أن يفعل الكثير لو أراد مستخدما  نفطه ونفوذه ومصالح الآخرين المرتبطة به. بل لقد صرح النظام السعودي أن مشكلة الشيشان مشكلة روسية داخلية وهي نفس العبارات الأمريكية. وكان كل ذلك يتم بتواز  تام ومذهل مع حملات الإعلام المنافق التي تزعم التأييد والمناصرة.

ويذكر هذا, على صعيد القضايا الإسلامية العربية, بالموقف السعودي المتحمس والداعم لما يسمى بعملية التسوية في الشرق الأوسط, وهو ذات الموقف الأمريكي, وكيف أن النظام لم يخجل في تأييده المطلق لتلك العملية الاستسلامية من إدانة ما سماه بـ "العمليات الإرهابية" التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المجاهدة في الأرض الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الثابت الثالث:

هو إجهاض مشروعات الصحوة التي تحملها الحركات الإسلامية المعاصرة التي ينظر لها النظام نظرة حذر وشك وريبة. ويتم ذلك الإجهاض بمحاولات الاحتواء الدائمة, والمحاصرة المالية عبر التضييق على المتبرعين من أهل الخير, وعبر التشويه الإعلامي المستمر الذي تضطلع به امبراطورية الإعلام السعودي الموزعة على كثير من العواصم العربية والغربية.

إن تدقيق النظر في الرسالة التي يروجها الإعلام العلماني السافر للمملكة السعودية, سواء في الداخل أو الخارج, يشير إلى ضراوة الحملة على ما يطلقون عليه "الأصولية". وتتجسد هذه الحملة في مناصرة الأنظمة القمعية القائمة في المنطقة العربية ضد الحركات الإسلامية المضطهدة, وهي مناصرة تظهر في كثير من الأحيان فجة وسافرة وتدعو للقرف.

ليست هذه الإطالة في الحديث عن الأطر العامة للسياسة السعودية الخارجية إزاء القضايا الإسلامية خروجا  عن موضوع الحديث عن البوسنة, بل هي في جوهر الموضوع حيث تطبق ثوابت تلك السياسة الثلاثة بحذافيرها في الحالة البوسنوية وينضاف إليها بنودا  جديدة.

خشية آل سعود

فابتداء  يخشى النظام من أي انتصار إسلامي في البوسنة, لأن ذلك معناه قيام نظام إسلامي جديد معبأ بروح التضحية والاستشهاد, وقائم على تاريخ حديث من الجهاد المتواصل. وهذا سوف يكشف زيف النظام السعودي الذي يد عي الإسلام, والذي يهنأ بالقعود على ثروات المسلمين من دون استغلالها لخدمة قضاياهم.

أما الأمر الآخر والذي يخشى منه آل سعود في حالة أي انتصار للمسلمين في البوسنة, فيكشفه تقرير أمريكي سري أعدته إحدى دوائر السياسة الأمريكية الداخلية وقدمته للرئيس كلنتون كي يطلع على التوجهات والسياسات السعودية العامة. يقول التقرير إن النظام السعودي يعتقد بقدرته في أن يغير في مجرى السياسة الدولية عن طريق الرشوة واستخدام المال, ولهذا وبحسب التقرير المذكور فإن ملايين الدولارات صبت في حسابات مسئول كبير في الأمم المتحدة بغية تحقيق ثلاثة أهداف :

1- تهميش القضية البوسنوية إلى أبعد حد, وذلك لأن أي نصر للمسلمين هناك سوف يؤدي إلى ردود فعل مؤيدة له في المنطقة عموما  وفي المملكة السعودية خصوصا , وهذا أمر له عواقب غير حميدة. وفي هذا السياق تأتي أوامر منع القنوت والجهر بالدعاء في الصلوات العادية في مساجد المملكة من أجل نصر المسلمين في البوسنة وذلك خشية إثارة عواطف المسلمين وتعاظم شعورهم بمؤازرة إخوانهم هناك وما قد يترتب عليه .

2-إضعاف العراق وتأخير رفع الحصار الاقتصادي عنه إلى أطول مدة ممكنة.

3- إخفاء أية تقارير تصل إلى المنظمة الدولية بشأن الانتهاكات الرهيبة لحقوق الإنسان التي تحدث في المملكة.

يشير ذلك التقرير إذن وبوضوح إلى السياسة السعودية الهادفة إلى إحباط أي نصر بوسنوي. ويمكن تتبع ملامح التطبيق لتلك السياسة عبر التخاذل الرسمي السعودي على مستوى وزارة الخارجية إزاء تناول قضية البوسنة, فليس هناك أي أثر للسياسة السعودية, أو لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي تسيطر عليه السعودية, وهناك استغراب شديد في أوساط الإعلام الغربي بسبب ذلك الغياب, إذ تعتقد تلك الأوساط أن المجازر الدموية والرهيبة, والإبادة البشرية التي تنفذ بحق مسلمي البوسنة من حقها أن تستثير الدول الإسلامية التي تزيد عن الأربعين, والتي مع الأسف ترهن قرارها, أو جزء منه على الأقل للسعودية, بسبب تأثير الرشاوى والمساعدات المالية للحكومات والحكام. وكثيرا  ما تتندر الأوساط الإعلامية الغربية باستهزاء بالغ ومثير للمرارة في النفوس بقرار وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في جدة في وقت متأخر من عام 1993, والذي حدد تاريخا  نهائيا !! (وهو 17 كانون ثاني (يناير) 1994) لوجوب إيقاف الصرب عدوانهم على المسلمين هناك  وإلا..., ومر  بالطبع ذلك التاريخ ومرت عليه الآن سنة ونصف ولازال المسلمون يقتلون كالشياه, ووزير الخارجية السعودي بلع تهديده ثم لا يخجل من مواجهة الصحفيين والإعلاميين.

يذكر هنا أن تاريخا  نهائيا  مشابها  أي 17 كانون ثاني (يناير) كان قد وضع خطا  أحمر أمام العراق للانسحاب من الكويت, قبل ثلاث سنوات فقط من الخط الأحمر الخاص بوزراء الخارجية المسلمين تجاه البوسنة, وكان تجاوز العراق لذلك الخط الأحمر بساعات قليلة رغم تلميحه حول رغبته بالانسحاب كفيلا  بسقوط أربعين ألف طن من القذائف التي دمرت بغداد في واحدة من أشرس عمليات الانتقام الغربي والأمريكي. أين الخط الأحمر الذي يرسمه الغرب من الخط الأحمر الذي ترسمه الدول الإسلامية بقيادة النظام السعودي ؟!!

إيقاف التبرعات

يمكن أيضا  تتبع ملامح تطبيق السياسية السعودية إزاء البوسنة داخل المملكة خاصة على صعيد جمع التبرعات, إذ سرعان ما أقفلت الدولة باب التبرعات الشعبية, خوفا  من أن تؤدي تلك التبرعات إلى توفير سيولة مالية لدى البوسنويين تؤهلهم لشراء السلاح وتغيير ميزان القوى. وسنت الداخلية السعودية قوانين وأنظمة تقضي باعتقال ومحاكمة كل متبرع لا يمر  عبر القناة الرسمية التي شكلتها الدولة لجمع التبرعات. وهذه القناة هي اللجنة التي يرأسها الأمير سلمان أمير الرياض, حيث تستولي هذه اللجنة على أموال المتبرعين الذين يقدمون أموالهم بنوايا حسنة ومدفوعين بمشاعر مناصرة إخوانهم المسلمين, لكنهم لا يعلمون مصير تلك الأموال وهو مصير مؤلم, إذ تفيد تقارير عديدة ومتطابقة في المضمون, أن تلك الأموال يوجهها الأمير سلمان إلى ما يسمى "المنظمات الدولية وغير الحكومية الإنسانية" وذلك كي تذهب لأعمال الإغاثة فقط, وبالتالي تصبح تلك المنظمات هي الموكلة في توزيع تلك الأموال ويعتقد أن جزءا  كبيرا  منها يصل إلى أيدي الصرب, وبذلك تتحول تبرعات المسلمين الطيبين إلى سلاح بيد الصرب لنزع المسلمين والاستمرار في إبادتهم. أما الجزء الآخر من التبرعات فقد علمت "الشرعية" حديثا  أنه يتم الاستفادة منه في تسديد الديون المستحقة على الأمراء إلى الدولة .

على جانب آخر تتابع أجهزة المباحث والمخابرات السعودية, سواء عبر شبكاتها في الداخل أو عملائها الذين أرسلتهم إلى منطقة البوسنة وكرواتيا أي شاب سعودي ذهب للمساعدة في الجهاد أو للإغاثة. ويفاجأ الشباب المتحمس لمناصرة إخوانهم هناك بالاعتقال والتعذيب عند عودتهم إلى المملكة. حتى أولئك الذين ذهبوا لمجرد الإغاثة.

وحتى يتكامل جوهر السياسة مع نفاق الإعلام, لا تنسى المملكة ولا يغفل ساستها عن الإبقاء على أسلوب ذر الرماد في العيون, فترتفع عقائر المنددين "بوحشية الصرب", ويتباكى الإعلام الرسمي على ذبح المسلمين, وتشارك المملكة في ما يسمى لجنة الاتصال الخاصة بالدول الإسلامية, فتجتمع تلك اللجنة الفارغة من أي محتوى ومن أي قدرة على الفعل تارة في جنيف, وتارة في باريس في أرقى فنادق العالم, حيث يتسامر وزراء خارجية بعض الدول التي تسمى إسلامية, ويشربون أنخاب الدم البوسنوي المراق ثم يعودون ثملين فرحين إلى بلدانهم.

لك الله وحده أيتها البوسنة, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 الشرعية العدد الثاني- ربيع الأول 1416هـ أغسطس 1995م