|
بندر: "أمير" في الرياض "ملك"
في واشنطن
بوش يعده لتولي "مستعمرة النفط" الأميركية
تقول صحيفة "الهيرالد تريبيون"
الأميركية في بداية مقال في عددها الصادر في 21 نيسان 1992" أن السفير
السعودي لدى الولايات المتحدة بندر بن سلطان ربما كان مجرد أمير في المملكة العربية
السعودية، لكنه أصبح ملكاً في واشنطن".
وبالرغم من أن كاتب المقال أورد هذا في معرض
تصويره للحجم الذي يتصوره لدور بندر آل سعود ونفوذه في واشنطن، إلاّ أن هذا
التصوير يعكس فعلياً مستوى العلاقة بين واشنطن والرياض في أعقاب كارثة الخليج
والآمال التي تعلقها واشنطن على بندر الذي يتم تحضيره وتأهيله لدور أكبر بكثير في
المستقبل ربما القريب.
فمند العام 1982 لم يحصل أي حدث رئيسي على صعيد
العالم، إلاّ وكان لبندر دور فيه، فهو موجود في كافة الخطط وفي مراحل تنفيذ
السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم.
وكانت آخر المهمات التي اضطلع بها زيارته إلى
الاتحاد السوفياتي السابق، التي أبرم فيها إتفاقات سرية مع القيادة الروسية، والتي
أعلن على أثرها أن السعودية ستقدم قروضاً لروسيا تصل إلى حوالي مليار ونصف المليار
دولار.
وبما أن الولايات المتحدة ـ الدولة العظمى الوحيدة
في العالم حالياً ـ هي دولة مغرقة بالديون، وتعتبر أكثر الدول مديونية في العالم،
وبما أنها تعاني من أزمات إقتصادية هائلة من بطالة وكسالة وتضخم، وبما أن الرئيس
الأميركي جورج بوش غارق في وسط معركة إنتخابية لا تتيح له خيارات استخدام أموال في
سياسات خارجية، فإنها (أي الولايات المتحدة) تجد في السعودية، الخزينة التي تستطيع
استخدام أموالها كما تشاء لخدمة "المصالح القومية الأميركية" وأهداف
السياسات التي يخططها البيت الأبيض.
فالديون الأميركية تتجاوز الـ 260 مليار دولار،
وأحداث لوس انجلس وبعدها أحداث نيويورك ونتائج استطلاعات الرأي أبلغ دليل على
فداحة الأزمة الاقتصادية.
فالأموال التي نقلها بندر إلى القيادة الروسية،
هي بالنسبة إلى كل من موسكو وواشنطن، مساعدات أميركية لروسيا، وإن بطريقة غير
مباشرة. وفي مقابلها تقدم موسكو خدمات للولايات المتحدة وليس للعرب أو للسعودية
بالتحديد.
ومن النقاط الأساسية على جدول أعمال بندر في
زيارته لموسكو، الحصول على دعم روسي، لمواجهة أي تمدد أو توسع إسلامي أصولي أو أي
تمدد للنفوذ الإيراني في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية المستقلة حديثا عن
الإتحاد السوفياتي.
أينما وجدت تحركاً أميركياً يتطلب مالا، لا بد
وأن تجد بندر، فهو القوة المالية وراء وزارة الخارجية الأميركية، وهو أيضاً ناقل
التوجيهات الأميركية إلى الأسرة السعودية المالكة، وناقل الآمال والإستعطافات
السعودية إلى القيصر الأميركي…
وتكشف العديد من الكتب والدراسات الأميركية عن
جانب ـ ولو جزئي ـ لدور بندر في العديد من خطط وكالة الاستخبارات المركزية
الأميركية، منها ما كشف عن دوره في الغزو الاسرائيلي للبنان في صيف العام 1982 وعن
دوره في شن عمليات إرهابية لوكالة الـ" سي. آي. آيه" في لبنان في أواسط
الثمانينات، ومن بينها محاولة إغتيال العلامة السيد محمد حسين فضل الله التي راح
ضحيتها أكثر من مائة قتيل من المدنيين الأبرياء ـ كما ورد في كتاب
"الحجاب" للصحافي الأميركي المتخصص بفضائح السياسة الأميركية روبرت بورد،
وعن دوره في فضيحة "إيران غيت" وتحويل الأموال إلى الكونترا في الكتاب
نفسه، ودوره التآمري في حرب الخليج كما كشف كتاب "القادة" للصحافي نفسه.
وهذا غيض من فيض حول الدور الذي رسمه الأميركيون
لبندر الذي يحلو للكثيرين تصويره على أنه الملك "المنفتح على السياسات
والأفكار الغربية" المناسب للمصالح الأميركية، المقبل على السعودية.
فقد تولى بندر مهمة تقديم المساعدات للحركة
المعادية للشيوعية في بولندا وأوروبا الشرقية في أوائل الثمانينات، وتولى مهمة
تقديم المساعدات للمتمردين اليمينية (الكونترا) في نيكاراغوا، التي مهدت الطريق
لسقوط حكم جبهة الساندينيستا اليسارية… وغير ذلك..
ويحلو للبعض القول أن هذا يعبر عن تعاظم دور
وأهمية السعودية على صعيد السياسات الأميركية في العالم، لكن الأمر مختلف في
الواقع عن هذا، فقد ساهم أشخاص مثل بندر في تقليص دور المملكة التي تضم في حدودها
اقدس مقدسات المسلمين، إلى مجرد بيدق على رقعة الشطرنج الأميركية، وبالأحرى إلى
مجرد مكتب تمويل للخطط القذرة الأميركية بحق الشعب، التي يخجل حتّى الأميركيون من
الإعتراف بمسؤوليتهم عنها.
ويورد الكاتب الصحافي الأميركي باتريك تايلور في
مقاله المنشور في صحيفة "نيويورك تايمز" في السابع من حزيران العام 1992
الكثير من التفاصيل حول مهام بندر وسلوكه السياسي.
ويبدأ مقاله المطول بإيراد دور بندر في إقناع
السعودية بالإسراع بالموافقة على المشاركة في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
والمسألة هنا ليست في أهمية بندر كشخص بل في أنه
النموذج المثالي التي تراه الإدارة الأميركية للسياسي والدبلوماسي السعودي المناسب
لمصالحها.
ويقول تايلور أن وزير الخارجية الأميركية جيمس
بيكر، لم يستطع في زيارته إلى جدة التي سبقت افتتاح "مؤتمر السلام" في
مدريد الحصول على موافقة صريحة من الملك السعودي فهد على دخول مفاوضات مباشرة مع
اسرائيل، فسعى للحصول على مساعدة من بندر الذي كان في نقاهة في سويسرا بعد عملية
جراحية في ظهره.
والسبب في الحصول على المساعدة، ليس أن الملك
قال لا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بل أنه لم يقل نعم، فهو أقل جسارة من بندر
الذي لا يرى في العالم سوى قوة واحدة يجب الرضوخ إليها وحسبان حسابها هي الولايات
المتحدة، والذي يرى أن مصلحة آل سعود هي من مصلحة واشنطن مائة في المائة.
خلاصة الأمر أن بندر نجح في إقناع أسرته المالكة
ومليكه في الدخول في مفاوضات مباشرة تعتبر الخطوة الأولى لتطبيع العلاقات بين
السعودية واسرائيل. وهو ما تراه إسرائيل هدفاً إستراتيجياً يمثل ثمناً
"عادلا" لدوره في حرب الخليج، وسكوتها عن المشاركة في الحرب رداً على
القصف الصاروخي العراقي.
وبندر من المؤيدين أو حتّى المتحمسين لمكافأة
إسرائيل واليهود على دورهم في حرب الخليج، إذ كان يمكن لأي تورط اسرائيلي أن بغير
الصورة ـ ولو السياسية ـ لحرب الخليج ويحرج السعودية وحليفاتها في الداخل والخارج
ـ خاصة على صعيد العالم الإسلامي.
وفي إشارة واضحة إلى طبيعة العلاقة بين الوزير
الأميركي وبندر الذي تصفه وسائل إعلام أميركية، بأنه في عداد طاقم ومستشاري الوزير،
نقل تايلور عن بيكر قوله لبندر بعد أن فشل في الإتصال به مرات عدة هاتفياً
"اللعنة يا بندر … أين أنت … أنت جالس في بذخك الملكي… وأنا بحاجة
اليك".
وبالطبع فإن بندر قطع النقاهة ولبى نداء الوزير
الأميركي على الفور.
وكانت النتيجة ما جرى في مدريد، حيث شارك بندر شخصياً كندوب عن
السعودية، بالرغم من أن وجود السعودية لم يكن مقرراً أصلاً، وكان القرار الخليجي
هو مشاركة مندوب عن مجلس التعاون الخليجي ( عبد الله بشارة). وقد فاجأت هذه الخطوة
الجميع بمن فيهم إسرائيل.
وحتى أن السعودية التي ليست على تماس مباشرة مع
إسرائيل، دفعت كامل تكاليف "مؤتمر السلام".
وأكثر من ذلك فإن السعوديين تخلو عن عهدهم
اسابق، بعدم الدخول في المفاوضات المتعددة الأطراف قبل تحقيق تقدم على صعيد إنسحاب
إسرائيل من الأراضي المحتلة، في المفاوضات الثنائية المباشرة.
وبدلاً من أن تكون السعودية وحليفاتها في الخليج
عناصر دعم للمواقف العربية في المفاوضات الثنائية، اتخذت دوراً معاكساً.
فالمفاوضات المتعددة الأطراف تعني في نتيجتها
الدخول في إرتباطات إقتصادية وسياسية مع إسرائيل، وبالتالي رأت الأطراف العربية
فيها نتيجة لا يمكن تقديمها لإسرائيل قبل أن توافق إسرائيل عن إرجاع الأراضي
المحتلة منذ عام 1967.
والدور الذي لعبه بندر هو تشجيع أسرته المالكة
عن تجاوز الحسابات والمخاوف العربية والداخلية والدخول في بداية علاقات مع
إسرائيل. وكانت النقطة الرئيسية في "منطق بندر" هو أنه لا الأردنيون ولا
الفلسطينيون وقفوا إلى جانب السعودية في حرب الخليج، فلماذا الوقوف إلى جانبهم!
وساهم هذا المنطق الذي روج له بندر في جعل
السعودية والخليج في الصف الإسرائيلي، بعيداً عن فلسطين.
وأكثر من ذلك فقد نظم بندر زيارة لممثلين عن
الجالية اليهودية الأميركية إلى السعودية، وذلك في أول زيارة ـ علنية على الأقل ـ
من نوعها في التاريخ، والتقى اليهود كبار المسؤولين السعوديين وزاروا حصن خيبر.
ويقول المدير التنفيذي للمؤتمر اليهودي الأميركي
هنري سيغمان الذي أجرى حوارات مع بندر طوال أربع سنوات "إنه دبلوماسي (عربي)
مختلف ـ غير عقائدي وعملي للغاية ـ ويعطيك الإنطباع بأنه موجود للمساعدة في التوصل
إلى صفقة،" بالطبع مع اليهود.
وهذا هو بالتحديد الرجل المطلوب من جانب بوش ذو
التاريخ العريق في وكالة الـ "سي. آي. أيه" فقد كان بوش مديراً للوكالة
عام 1979. أما بندر فعل لمصلحة الوكالة، حسب إعتراف العديد من الخبراء والدراسات
الأميركية.
فإضافة إلى دورها في "إيران ـ غيت"
ودعم "الكونترا" لعب دوراً مهما في تمرير صفقة طائرات
"الاواكس" إلى السعودية وكان المنفذ لخطة الـ" سي. آي. آيه"
بحصول السعودية على صواريخ متوسطة المدى من الصين، بعد أن فشلت الإدارة الأميركية
بإقناع الكونغرس بالموافقة على تزويد السعودية بطائرات "أف ـ 15" ـ
طبعاً في أواسط الثمانينات وليس الآن. ولعب دوراً في التشجيع على مواجهة الوجود
الكوبي والسوفياتي في أفريقيا إبان الحرب الباردة، وغير ذلك العديد العديد من
المهمات التي لا يجيزها الكونغرس والقانون الأميركيين والتي أصر بوش وقبله سلفه
رونالد ريكان على تنفيذها عبر قنوات جانبية.
ومن الأمثلة
الواضحة على ذلك الدور الذي لعبه في تمرير أسلحة أميركية إلى العراق أثناء الحرب
العراقية ـ الإيرانية.
وبالطبع فإن بندر الذي لعب دوراً رئيسياً في
إقناع السعودية بالخطط الأميركية في حرب الخليج، يلعب دوراً رئيسياً حالياً في
الخطط لتغيير الحكم في العراق، ويشارك في تحرك أميركي لإستعادة صواريخ
"ستينغر" المضادة للطائرات من "المجاهدين الأفغان" لتسليمها
إلى "البشمركة" الأكراد في شمالي العراق.
ومن الأمثلة الواضحة أيضاً عن تعاظم موقع بندر،
هو أن ليبيا طلبت منه النصيحة لحل أزمتها الحالية مع أميركا والغرب، فكان رده أنه ينصح
العقيد القذافي بإعلان أن القيادة الليبية لا علاقة لها بحادث تفجير طائرة الركاب
الأميركية فوق لوكربي في اسكتلندا وبعرض التعويض على أسر الضحايا وبإعدام الأشخاص
الليبيين المتورطين في العملية بهدوء.
وبإختصار فإن بندر هو الشخص المناسب بالنسبة إلى
الولايات المتحدة لأن يكون معتمد واشنطن في الرياض، وسفير الرياض في واشنطن خاصة
بعد أن تحولت السعودية بفعل "حرب الخليج" والوجود العسكري الأميركي
الكثيف والمباشر من حليف أساسي إلى تابع بكل ما في الكلمة من معنى.
ودور بندر لا يقتصر على خارج الولايات المتحدة،
بل له دور حتّى في تنفيذ خدمات داخلية، إذ أن منزله هو ملتقى كافة الشخصيات
الأميركية الضيوف العرب والأجانب، نتيجة البذخ وحفلات "الود والأنس".
ويقول صحافيون أميركيون أن بندر بات على الصعيد
الداخلي الأميركي اليد التي تقدم الرشاوى بالنيابة عن الإدارة الأميركية، وهو نتيجة
لموقع بلاده المالي وبذخه، قطب رئيسي من أقطاب الحملة الإنتخابية الداعمة لبوش.
وبما أن الولايات المتحدة عملت طويلاً منذ أواخر
السبعينات من أجل تحويل السعودية إلى مجرد مستعمرة نفطية، وتحقق لها ما أرادت بعد
حرب الخليج، فمن أفضل من "المخلص" بندر لتولي "الملك" في
"المستعمرة النفطية، فهو أشد شباباً وأكثر التزاماً بالمصالح الأميركية
والعلاقات الأميركية السعودية من أي من أفراد الأسرة الحاكمة.
ويقول تايلور فوق ذلك أنه "لعب دوراً
رئيسياً في تخفيف التوتر بين العرب واسرائيل" وفي إقامة روابط بين الخليج وإسرائيل.
وفوق ذلك فهو إبن وزير الدفاع والطيران السعودي
سلطان بن عبد العزيز وزوج بنت الملك الأسبق فيصل، هيفاء.
ولربما كانت الإشارة بأن الملك في السعودية حق
في أبناء "وأحفاد" عبد العزيز آل سعود، في "النظام الأساسي
للحكم" تتعلق مباشرة ببندر، الذي بات يعتبره الكثير من الدبلوماسيين
والسياسيين الملك المقبل الحقيقي للسعودية، حتّى ولو سبقته مرحلة إنتقالية.
فبندر هو التكملة الطبيعية لفهد الذي شكل حكمه
مرحلة الإندماج الفعلي بالمصالح الأميركية. وقد نقل عن بندر قوله مؤخراً:
"إنني أتابع لفهد فقط… الأمير عبد الله والأمير سلطان… الجميع أحبهم،
وأحترمهم وأفعل كل شئ من أجلهم، ولكن فهد يأتي في الدرجة الأولى".
رسالة الحرمين العدد 30/31
1413 هـ ـ 1992 م |