العودة للفهرس

السعودية في النظامين الدوليين القديم والجديد

محمد صالح: موضوع التغيير السياسي في المملكة العربية السعودية، لا يزال يطرق بقوة. ورغم أن الآمال العريضة بهذا الشأن، والتي انتعشت خلال أزمة الخليج الأخيرة، وما رافقها من وعود بالاصلاح تكررت لأكثر من أربع مرات على لسان الملك فهد.. رغم أن هذه الآمال قد خبت، وأن الكثيرين يحسبون بأن هذه الوعود في طريقها إلى التناسي والتجاهل، كما تم تناسي غيرها من قبل.. فإن هذه المقالة تنطلق من خلفية ترى أن التغيير سيكون حتميا في المملكة، ولكنه سيكون تغييراً طفيفاً.

كما ترى المقالة، بأن حل المعضلة الداخلية في المملكة، لن يكون هذه المرة بتأجيلها، انطلاقاً من أن هذا التأجيل طال أمده، واتى بمردودات سلبية عظيمة، وبالتالي فإن الانفجار الداخلي قد يكون وارداً في حال تجاهل المعطيات الداخلية والدولية والاقليمية.

أياً كان رأينا في المقالة، فانها تقدم نظرة تستحق التأمل والدراسة، خاصة لأولئك الذين يهمهم مجرى العمل الوطني في المملكة.

السعودية في النظام الدولي القديم

صورة أنظمة الحكم في الخليج والجزيرة العربية في النظام الدولي المنهار، قائمة على معادلة خارجية وداخلية متداخلة العناصر، ومتبادلة التأثير.. فهي أنظمة تقليدية غير معقدة التركيب في الداخل، وتستلهم ـ من جهة أخرى ـ قوتها واستقرارها الامني والسياسي بين دول المنطقة بفعل تحالفات دولية.. وقد ساهم انخراط دول الخليج في صراع القطبين في الحفاظ على شكل الأنظمة التقليدية الحاكمة، كما جعل من المنطقة مسرحا مؤثرا في صراع الشرق والغرب، لما لها من اهمية استراتيجية فرضتها طبيعة الخريطة الجغرافية والجيولوجية.. مما دفع الدول الغربية إلى بناء علاقات قوية ومتينة مع أنظمة الخليج تصل إلى حدود التحالف والتبني الكامل والحماية المطلقة لها قبال الضغوط الداخلية أو الخارجية الدافعة نحو التغيير، وقد نجح الغرب في مسعاه حيث حافظت الأنظمة على استقرارها في وسط منطقة مليئة بالمنازعات والتحولات، وإن كان ذلك قد تم بصورة لا تخلو من العنف والقسوة.

لم يكن اصلاح الأنظمة الخليجية قابلا للتحقيق، خاصة في السعودية، في وقت يهيمن فيه الصراع بين الكبار على العالم.. ولم يكن الغرب ملتفتا إلى اصلاح النظم التقليدية والديكتاتورية التي تهيمن عليها عوائل فاسدة، أو مجموعة من العسكر، في وقت يرى فيه ان وجود هذه الأنظمة الموالية ضروري في خريطة الصراع مع الكتلة الشرقية، وقد كان يخشى ان يؤدي تعديل هذه الأنظمة إلى لخبطة موازين الصراع في غير صالحه، لذا كان الابقاء على هذه الأنظمة هدفا في حدّ ذاته، ضمن معادلة الصراع الكوني.. واعتبر تعديل الأنظمة الموالية للغرب والداخلة ضمن هذه المعادلة، مسألة يمكن تأجيلها ـ حتى وان أدى إلى استخدام القوة لتحقيق ذلك ـ، هذا إذا كانت دول الغرب تؤمن ـ فعلا ـ بأهمية اصلاح النظم السياسية الموالية لها، والتي يعتبر بقاؤها واستمرارها في سياساتها العنفية سببا أساسياً في كره شعوب العالم الثالث ـ وخاصة في البلاد الإسلامية ـ لكل ما يمت لسياسة الغرب بصلة.

وبديهي، أن المفاهيم التي كان يروج لها ويبشر بها الغرب (الحرية، احترام حقوق الإنسان، الديمقراطية، العدالة، المساواة، والرفاه)، انما كانت أداة من ادوات الحرب ضد الاتحاد السوفيتي ومنظومة الكتلة الشرقية، ولم يكن الغرب نفسه على استعداد لتطبيقها، أو السعي إلى ذلك، في الدول التي يهيمن عليها.. ورأينا أن الغرب واجهزته الاعلامية والسياسية تعامت وبشكل مقصود وواضح، عن الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان، التي يمارسها حلفاؤه في شتى بقاع العالم، وبشكل اخص في البلدان العربية وعلى رأسها بلدان الخليج.

كان من المهم ـ بالنسبة إليه ـ الانتصار في الحرب الباردة بأي شكل كان، حتى وإن كان بتأييد وممارسة أو الصمت عن الخروقات والممارسات العنفية تجاه شعوب العالم الثالث.. وطبيعي ان يكون مقدرا للاصوات المطالبة بالاصلاح في العالم العربي، أو في بلدان الخليج ان تخنق، لأنها من وجهه نظر الغرب جاءت في الوقت غير المناسب.

في الطرف الآخر، كان للمملكة العربية السعودية، دور مهم عليها تأديته في الصراع العالمي، وضمن المعسكر الذي اختارته، والذي أمن لنظامها السياسي الصمود امام الزوابع السياسية التي اجتاحت المنطقة العربية منذ الخمسينات ـ على الأقل ـ. كان على نظامها السياسي أن يدفع ـ بصورة أو بأخرى ـ ثمن بقائه وديمومته، وقد اتخذ دفع الثمن مسارات واضحة محددة، اعتبرت بمجملها (مهمات انيطت بالنظام السعودي في النظام الدولي القديم).

* المسار الأول: محاربة النفوذ الشيوعي في العالم، وبالخصوص في العالمين العربي والاسلامي. ولم يكن أحد من دول المعسكر الغربي يستطيع المزايدة على النظام السعودي في هذه الناحية، حيث رفع شعار (محاربة الشيوعية) لنصف قرن، ولم يتنازل عنها، الا بعد أن انتهى النظام الشيوعي من كل دول أوروبا الشرقية، ومن الاتحاد السوفيتي نفسه. وكان السعوديون طيلة هذه المدة، قد قطعوا العلاقات مع هذه البلدان، وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، ولم تعد العلاقات الا بعد أزمة الغزو العراقي للكويت.

لقد حول النظام السعودي أنظمة عن مساراتها اليسارية (السودان ومصر)، وانفق من المال ما تعجز الجبال عن حمله، لدفع حركة المجتمع العربي والإسلامي في مسار«محاربة الأفكار الالحادية»، وأعطى لتلك الحرب المشرعة مع (الشرق) ثوبا شرعيا دينيا ضلل به الكثير من الحركات الإسلامية.. مع ان الحرب في واقعها كانت جزءا من المعركة (الأم) التي يخوضها الغرب ضد المعسكر الشرقي، بالسلاح والمال والايديولوجيا.

* المسار الثاني: دعم المعسكر الغربي ماديا، عبر التحكم باسعار النفط وانتاجه (انتاج ضخم واسعار هابطة)، واعادة تصدير الرساميل إليه، لابقاء الرفاه الغربي عند مستواه المعهود، ليحقق مقولة النموذج الاصلح (معسكر الرفاه).

* المسار الثالث: تشجيع اعتدال الأنظمة والحركات، ومحاربة التطرف، ضمن التعريف الغربي المحدد له، أي أن تنساق هذه الدول والحركات ضمن المعادلة الفكرية والسياسية وحتى العسكرية للمعسكر الغربي. وبلمحة عابرة للمساعدات السعودية في البلدان العربية والاسلامية وتوزيعها، يمكن فهم اعتباراتها ودوافعها السياسية وكيف ان «سياسة المساعدات»، كانت ولا تزال تخدم التوجه السياسي للغرب بشكل أساس في صراعه.

ومجمل القول، أن ارادة الحكومات الغربية ـ في ظل الحرب الباردة ـ ساهمت في المحافظة على النظام السعودي، ضمن صياغة (توافق) بين هذه الدول على تفرد نسبي للولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة على سياسات هذا النظام، والاستئثار بالنصيب الاوفر من خيرات المملكة، مع اعطاء بقية الدول الغربية المتحالفة فرص غير قليلة من الامتيازات، بحيث (حصن) هذا (التوافق) الغربي منطقة الخليج من أي تسرب يذكر للنفوذ السوفيتي ودول المعسكر الشرقي.

وعلى الصعيد الداخلي، كانت أنظمة الخليج تستمد قوتها واستقرارها من خلال التعاطي مع شعوبها بسياسات يغلب عليها الطابع الابوي، واحترام الموروثات القبلية والدينية، أو على الأقل عدم التجاهر بمعارضتها، وكذلك احترام العادات والتقاليد الاجتماعية التي يتفاعل معها ويتمسك بها أبناء المنطقة، مما جعل الاكثرية قانعة ـ إلى حدّ ما ـ عن تلك النظم السياسية.

وكان للنفط وما يوفره من مزايا مادية كبيرة، أثر في صيانة التركيبة البسيطة لأنظمة الحكم، القائمة على تفرد عوائل بادارتها، بالتحالف مع أنظمة غربية متقدمة في التحرر والمدنية، وبالتحالف في الداخل مع قوى تقليدية متمسكة بالماضي وغارقة في الكثير من أوحاله المتخلفة، مما ساعد السعودية وانظمة الخليج الأخرى، وفي كثير من الأحيان على التعاطي مع الانشقاقات السياسية الداخلية بعنف ودموية، دون الخوف ـ كثيرا ـ من اثاره الجانبية على مجمل فئات الشعب.

وتجدر الاشارة إلى ان تدفق أموال البترول ساعد في خلق حياة ذات مظاهر مدنية، اعطت الصيغة التقليدية القائمة على استفراد العوائل الحاكمة بالملك، أبعاداً مقبولة خارجيا وداخليا.

إن استمرار التأييد الخارجي للنظام في المملكة العربية السعودية في ظل النظام الدولي القديم، أعطى موقعا متميزاً للحكم السعودي في الساحة العربية والاسلامية، وساهم ذلك التأييد في الحفاظ على قوته واستقراره الداخلي.

كما أن الكثير من الامتيازات التي حصل عليها الحكم السعودي طوال نصف قرن على الصعيد الخارجي، لم تكن بسبب حنكة النظام السياسي ـ رغم عدم النفي بوجودها ـ وانما كانت لاسباب عديدة يأتي في مقدمتها التوافق الغربي على حماية النظام وتعزيزه، اضافة إلى وجود إمكانات حقيقية (مادية/ النفط، ومعنوية/ وجود المقدسات الإسلامية) كان يمكن لأي نظام حاكم في المملكة أن يستثمرها بمثل أو بافضل مما استثمرها النظام القائم.

ومع هذا كله، فإن التوافق الغربي الذي جعل السعودية جزءا من التحالف الغربي، وصاغ طبيعة العلاقات بينها وبين دول المعسكر الشرقي، وجعلها في مقدمة دول العالم العربي والاسلامي مكانة واحتراماً.. لم يجعلها رغم كل امكاناتها عضوا فاعلا ومؤثرا بين دول عدم الانحياز.

دوافع التغيير

يمكن تحديد ثلاثة ابعاد مؤثرة قد تساهم بصورة كبيرة في ايجاد مقدار من «التعديل» في الأنظمة السياسية في منطقة الخليج، وفي مقدمتها النظام السعودي، وهي:

التحول الدولي

في العقود الخمسة الماضية التي تلت توقف الحرب الكونية الثانية، هيمن على العالم النظام القطبي المتنافس في تقاسم الادوار والنفوذ، ضمن صراع حاد ومحموم تجنب فيه القطبان الدخول في معارك حربية مباشرة. ولقد صاغ هذا النظام ـ في ظل اجواء ما سمي بالحرب الباردة ـ خريطة التحالفات والمنازعات، والحروب الاقليمية في بلدان العالم الثالث، وتبدل توجهاتها السياسية، وخياراتها الثقافية والتنموية، بما يخدم مصالح القوى القطبية، مع اجراءات صارمة وذكية ابعدت من خلالها الشعوب عن المساهمة بفاعلية في بناء مستقبلها، فضلا عن التأثير في مجريات الأمور في النظام الدولي.

لقد دخل النظام الدولي ذي القطبين مرحلة انهيار منذ أن أخذت (ظاهرة) البيرسترويكا موقعها المتقدم من أجل تغيير الافكار والنظم الشمولية الشيوعية. وإن المتغيرات التي شهدتها السياسة الداخلية والخارجية في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، لها انعكاساتها المهمة على مواقع الحرب والنفوذ بين الشرق والغرب، وبالتالي في انماط التفاعلات والعلاقات بين الدول. كما ان السنوات الماضية والتي شقت خلالها البيرسترويكا مسارها، قد وسعت مدى الحوارات والمناقشات، وادخلت النظام الدولي في دوامة مضطربة تسودها احداث وازمات متتالية وسريعة تحتم صياغة نظام دولي جديد، يستوعب حجم التحولات التي وقعت أو التي يتوقع حدوثها وامتداداتها.

وفي لحظات التحول المثيرة التي نشهد فصولا منها على الساحة العالمية اليوم، يزداد تنافس الدول الكبرى والطامحة على مواقع متقدمة ومتميزة في النظام الدولي القادم.. بينما قد تؤدي استجابات دول العالم الثالث المرتبطة في استقرارها بوجود النظام القطبي المنهار ـ كالسعودية ـ، قد تؤدي الاستجابات للمتغيرات التي تجري في قمة النظام الدولي، إلى بروز مشاكل وارباكات عديدة لكل نظام سياسي، وليس من المستبعد أن تسقط أنظمة تفشل في تكييف نفسها مع عملية التغيير القسرية التي سيفرضها النظام الدولي الجديد.

من هنا فإن احتمالات التحول في المملكة العربية السعودية يمكن أن ترصد من خلال فهم صورة وعلاقة هذه الدولة بالنظام الدولي الجديد، وبمقدار قوتها وقدراتها على استيعاب معطياته وافكاره.

التحول الاقليمي:

بعد سقوط الأنظمة الشيوعية في المعسكر الشرقي، برزت في الساحة العربية آمال وطموحات بالتغيير، استنادا إلى أن عصر الديكتاتوريات القوية ورموزها القوية قد سقطت، وان الحركة الشعبية في أوروبا الشرقية قد تخلق حالة من التدافع الثوري لدى الجماهير العربية، سيما وأن المنطقة العربية هي الاقرب من دول العالم الثالث إلى التفاعل مع التغييرات.

لكن هذا لم يحدث لأن بين الغرب ودول أوروبا الشرقية، تراث ثقافي مشترك، بينما هناك خلفية فكرية وفلسفة وتراث ثقافي خاص للعالم العربي، لا يقبل بالتجربة الشيوعية، وهو أيضاً ليس على وفاق عقائدي وسياسي مع التجربة الغربية. بل أن أكثر التيارات العقائدية والفكرية حضورا في الساحة الشعبية العربية لا تقبل ولا تمزج بين اطروحاتها والأطروحة الغربية.

إن أحد أهم أسباب حدوث التغيير المنشود في العالم العربي، هو ان الدول المطبقة على القرار الدولي تريثت في دفع ـ أو على الأقل تشجيع ـ حركة التغيير في العالم العربي، وبالذات في الدول التي لها ارتباط مباشر بمصالح الدول الغربية الكبرى، كالدول الخليجية، وبعض الدول العربية التي يعتبر التغيير فيها أحد مفاتيح التغيير في بقية الدول.

إن التغيير في العالم العربي، من وجهة نظر الغرب يجب أن يطبخ على نار هادئة، وأن يجري التحول بصورة تدريجية وطويلة زمنيا، على أن يحد قدر الامكان من الاعتماد على خيار حركة الشعوب والتيار المؤثرة فيها.

مع كل هذا، فقد رأى بعض الحكام العرب، وضمن تحليلهم لانعكاسات التغيير في النظام الدولي، المبادرة إلى القيام بتعديلات تستبق الاحداث أو تستثمرها.. فكان أن قامت الوحدة اليمنية، وكانت الانتخابات في الجزائر والاردن، ولربما كانت بعض الدول العربية ستنحو بخطى وئيدة باتجاه التغيير الجزئي، ولكن التفكير في ذلك توقف لبرهة من الزمن حين تفجر البركان باحتلال العراق للكويت، الأمر الذي فتح مجالات للتغير هي بلا شك اوسع بكثير مما كان الحكام يظنون أو يخططون.

ومن المنتظر في المدى المنظور ان تستكمل حلقة التغيير الاقليمية لكي تحيط بالمملكة من كافة جوانبها.. فالنظام في العراق ـ سواء بقي صدام حسين أم لم يبق ـ لا بد وان يجتاحه بعض التغيير. والكويت مقبلة خلال عام أو أكثر على تجربة ديمقراطية، بغض النظر عن مستواها المتدني المتوقع.. في حين ينتظر تعزيز المسلك الديمقراطي في كل من اليمن الموحد والاردن، هذا اضافة إلى التغييرات الكبرى التي ستسفر عنها عملية (السلام) مع إسرائيل.

التحول الداخلي

لقد احدث الغزو العراقي للكويت، وما تبعه من حرب ضروس تغييراً واضحا لا يمكن تجاهله في البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لكل الأنظمة العربية، وبالخصوص تلك الأنظمة التي شاركت بفاعلية في الأزمة، أو تلك التي اكتوت بنارها عن قرب، وفي مقدمتها الأنظمة الثلاثة العراقي والكويتي والسعودي.

جاءت أزمة الخليج لا لتحتم التغيير، بل أيضاً لكي تعدل وتصوغ التغييرات وحجمها، وتحدد مساراتها، خاصة وان الولايات المتحدة، تسعى من خلال النتائج التي وصلت إليها الأزمة إلى خلق واقع جديد للشرق الأوسط يتواءم مع المعطيات الدولية الجديدة، وبما يتناسب مع مصالحها بدرجة أولى، في ظل غياب جماهيري واضح بسبب العجز عن التأثير في الأزمة وملحقاتها، الا بمقدار تأييد أو ترجيح أحد أطراف اللعبة، وهي أطراف لم تنطلق من قاعدة تلبية أو احترام تطلعات الأمة المشروعة.

الا أن هذا لا يعني تجاهل التحولات الداخلية التي افرزتها أزمة احتلال الكويت. وهي تحولات تصل إلى الجذرية، فيما يتعلق بنسبة الوعي السياسي، ومقدار الالحاح في طلب المشاركة السياسية أو الاستعداد لخوض غمارها وتحمل تبعاتها، من قبل المواطنين.

ومثال السعودية واضح للغاية، حيث قلبت الأزمة المجتمع السعودي رأسا على عقب، وقد عجز النظام حتى الآن عن استيعاب، أو حتى فهم التحول العميق الداخلي.

وأهم التحولات التي برزت يمكن تحديد مساراتها في الأمور التالية:

أولاً: لقد كان رهان الحكومة السعودية الرابح في تفادي التغيير، وعلى مدار عقود عديدة، قائما على سياسة ابعاد الشعب عن أي حركة أو قوة سياسية معارضة للدولة، وعلى تدني مستوى الوعي لدى الشعب، الأمر الذي مكنها من صياغة ثقافة وهموم الشعب بما يخدم سياسيتها. الا أن أزمة الخليج، أتاحت للمواطنين ـ ولاول مرة في تاريخ المملكة ـ فرصة كبيرة في ادراك واقعهم السياسي، وأدت تعرية النظام السياسي القائم بفعل تسليط أجهزة الإعلام المعادية والمؤيدة على مساوئه وعجزه إلى اسقاط هيبته في نفوس المواطنين.

إن المتتبع للساحة السعودية الداخلية يستطيع أن يرصد بسهولة مقدار التحول المهم في وعي الناس، وارتفاع مستوى طموحاتهم، وتبدل همومهم من القضايا الحياتية الخاصة إلى الهموم الوطنية العامة.. ساعد في ذلك بلا شك ارتفاع مستوى التعليم، والتواصل مع التيارات السياسية والفكرية خارج المملكة، وفشل النظام في وضع سياسة تنموية واضحة، ودخول البلاد ـ قبل أزمة الخليج الأخيرة ـ في أزمات سياسية واقتصادية واضحة ـ وإن لم تكن حادة ـ، وجمود نظام الحكم التقليدي، وشعور الناس بثقل العبء الذي يمثله وجود آلاف من أمراء الأسرة الحاكمة، وسيطرتهم على كل المرافق في الدولة والاستحواذ على معظم خيرات الوطن.

لم تعد حكومة الأمراء السعوديين تحكم شعبا جاهلا أو غافلا كما مضى، ولم يعد الشعب ذات الشعب الغارق في مشاكله الخاصة، بل أصبح شعبا مسيسا في شديد الحاجة إلى تنظيم قواه وفاعلياته.. وقد حققت أزمة الخليج أكبر انجاز للشعب في المملكة، بأن عرفته بواقعه المريض والسئ.

ثانيا: لقد ساعدت أزمة الخليج على توسيع الانشقاق بين النظام السياسي وبين المؤسسة الدينية أو بعض تياراتها. ولعل هذه النتيجة تعد من أخطر النتائج التي اسفرت عنها الأزمة.

ومن جهة ثانية، كانت المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة متماسكة ومندمجة مع النظام السياسي في البلاد، في وقت كانت فيه الحكومة ترفع شعارات حرب الشيوعية والقومية والعلمانية والثورية، اضافة إلى حرب ما يمكن تسميته بـ« الإسلام الشيعي»، وقد غذت الدولة هذا التوجه ووفرت له الامكانيات المادية.. لذلك لم يكن غريبا أن تذوب التوجهات المختلفة والقوى الدينية التقليدية والحركية (السعودية وغيرها) في بوتقة واحدة منسجمة مع الخط السياسي للدولة.

غير أن أزمة الخليج احدثت تمايزاً واختلافا في هذه الجبهة، لتتبلور قوى دينية اخذت في خطوطها العريضة منحنيات ثلاثة:

 أولها: قوى سلفية تقليدية متشددة تعارض الدولة على أرضية عدم قبول أي تغيير يمس بالحالة السلفية والتقليدية في الحياة الاجتماعية، وقد وضح بشكل مبكر أن هناك «أنيابا سياسية»، تتخفى وراء المطالب الاجتماعية العامة هذه.

وثانيها: قوى سلفية تقليدية تمتزج في معظم توجهاتها ومواقفها مع خطط النظام ومواقفه.

وثالثها: قوى دينية ذات جذر سلفي، منفتحة وواعية قد تساعد الظروف الحالية والمستقبلية في تسارع نموها «السياسي»، وهذه الأخيرة قائمة على مواكبة التيار الحركي الإسلامي المنتشر في العالم العربي..

هناك فرز واضح بين هذه القوى الثلاث، وكلما مرت الأيام توضحت نقاط الالتقاء والافتراق بينها، كما ان من الواضح ان أجهزة الأمن السعودية قد شخصت الأمر، وبدأت بصورة عنيفة ـ ولكنها صامتة ـ بضرب التيار المتشدد، فاعتقلت العديد من اعضائه، وعطلت نشاط الكثير من قيادته كما منعت الكثير من اتباعه ومرشديه من السفر إلى خارج المملكة.

إن انشقاق التيار عن النظام أمر واضح، ساعد على زيادة المعارضة للحكومة شعبيا، كما أن الفرز بين الاجنحة السلفية ودخول بعضها اللعبة السياسية، يعد مؤشرا هاما لمقدار التحول في القوى الدينية الفاعلة في المملكة، كما انه مؤشر على وجود حالة من النضج، أيا كانت نسبتها، لا بد وان يكون لها دور مؤثر في عملية التغيير المرتقبة.

ثالثا: بروز قيادات، وقوى اجتماعية ذات ابعاد محلية، تعتبر تمهيدا لبروز تكتلات سياسية في المستقبل، لها اهتمامات مباشرة بمجريات الأمور في المملكة، وبرؤية معارضة أيضاً، أو على الأقل فانها لن تكون «ذائبة» وخاضعة للنظام القائم بشكل يلغي خصوصيتها الذاتية.

وتبرز اهمية هذه النقطة أن المملكة بقيت خلال سنين عديدة بعيدة عن التفاعل المؤثر مع ما يجري في الساحة العربية والاسلامية من نقاشات وحوارات وصراعات بين التيارات الفكرية الإسلامية أو القومية.. ولم تبرز في الساحة الداخلية شخصيات ورموز أو تكتلات تنطلق في بنيتها وانشطتها من واقع الخصوصية المحلية، خاصة وان قيام الكيان السعودي السياسي. قد انهى بشكل «دموي» دور القيادات الاجتماعية المحلية، كما همش من دور القوى الدينية ذات المنحى السياسي أو قام بتصفيتها من الوجود.

لقط برزت أثناء أزمة الخليج، وفي بعض مناطق المملكة قبل عقد من السنين، رموز وطنية، وشخصيات اجتماعية محلية مستقلة، وقد ساعدت الأزمة والظروف التي احاطت بالتحول الشعبي الداخلي تلك الشخصيات على البروز، رغم أن اكثرها لم تكن تعرف لا في الاوساط الاجتماعية القريبة، ولا على الصعيد الوطني فضلا عن الصعيد الدولي.

بديهي ان مثل هذه التحولات الداخلية لا بد وان تساهم في رسم صورة النظام السياسي القائم في المملكة، وحدود الاصلاحات التي يمكن تطبيقها، أو يمكن لرجال الحكم أن يهضموها، بما يتيح لهم استيعاب التطور الداخلي، وبالتالي الانطلاق للمشاركة بدور (ما) في التمهيد لقيام النظام الجديد ـ فيما يخص الشرق الأوسط بالتحديد ـ..

من الواضح ان الوضع الداخلي في المملكة ـ رغم النقلة النوعية في الوعي والتفكير لدى شرائح عديدة من المجتمع السعودي ـ، لم يصل إلى مرحلة النضج الكامل، بحيث يقودنا ذلك إلى التفكير بأن العامل المحلي وحده، بات قادرا على اجبار العائلة المالكة على التنازل عن امتيازاتها الاساسية.. ولا يمكن ونحن نستعرض التطورات الداخلية السعودية، أن نتجاهل بأن العائلة المالكة لا تزال تمسك بكثير من الاوراق، كما لا تزال تملك مساحة كبيرة للمناورة واللعب بأوراق الوعود والامنيات المدغدغة للمشاعر، بل أن مساحة التنازلات لدى العائلة المالكة واسعة جداً، لا تجبرها على التنازل من أعلى السلم، بل من عتباته الأولى، وهي صغيرة في واقعها، يتمنى الوسط المحروم من كل شيء تحقيقها، أو تحقيق بعضٍ منها.

ملامح الشرق الأوسط في ظل النظام الجديد وموقع المملكة منه

أمام النظام السعودي عقبات كثيرة عليه أن يتجاوزها إذا ما اراد أن يحافظ على دوره الفاعل القديم، في ظل النظام الدولي الجديد.. ويبدو ان أهم عقبة والتي يترتب عليها الكثير من الأمور، تلك التي تتعلق بامكانية (اصلاح النظام السياسي)، ضمن مشروع اصلاح داخلي يتحكم النظام نفسه في مقداره، بحيث يضع ميزانا واضحا لاستقرار النظام وديمومته، ويبعده عن القلاقل والشرور، كما ويزيد من فاعليته في المحيط الاقليمي.

لا يمكن للنظام السياسي في المملكة، الذي يرى أن دوره الذي لعبه في النظام الدولي القديم معرض للتحطيم أو الاستغناء عنه ـ بشكل نسبي ـ.. لا يمكنه ان يحفظ مواقعه بدون اصلاح نفسه، وبدون أن يتكيف مع القيم الجديدة التي تسود العالم.

ويخشى أن يؤدي تشبث النظام بسياساته القديمه ومنهجه المستبد الذي سار عليه منذ تأسيسه، ليس فقط إلى اهتزاز الوضع الامني الداخلي، وتصاعد القلاقل، وانما أيضاً إلى تضاؤل اهميته وتأثيره ووزنه الدولي، وقد يؤدي ذلك ـ فيما لو سارت الأمور إلى التشنج الداخلي ـ إلى أن يفكر الامريكيون بتعديل نظام الحكم وبالقوة.

منذ عام على الأقل، يستطيع المراقب لسياسات المملكة، ادراك حقيقة ان لدى الأمراء السعوديين قابلية للسير ضمن مخطط الامريكيين للنظام الدولي الجديد دون مراعاة أي اعتبار.. لكنهم ـ ورغم الوعود الكثيرة والتطورات الداخلية الخطيرة ـ يتوقفون عند نقطة (اصلاح النظام)، ولربما يعود ترددهم إلى تخوفهم من أن يفسح أول تنازل للشعب ـ مهما كان صغيراً ـ المجال لاجبارهم على تنازلات أخرى تمس جوهر نفوذهم وتفردهم.

وهناك نقطة حساسة أخرى، يجدر الالتفات إليها، وهي أن المهام المتوقع اناطتها بالحكم السعودي ضمن تركيبة النظام الدولي الجديد، تختلف بنسبة غير قليلة عن تلك المهام التي اداها في الماضي.. فلم تعد هناك حاجة إلى «محاربين للشيوعية»، ولا إلى «حماة للانظمة المستبدة المصنفة ضمن المعسكر الغربي»، ولا إلى «حماة للانظمة المستبدة المصنفة ضمن المعسكر الغربي» وبذلك الشكل الذي كان سائدا في العقود الماضية.. وبالتالي لم يعد النظام السعودي صاحب المهمات الصعبة التي نال على اساسها امتيازات الحماية، حيث يتوقع أن تبرز أنظمة أخرى عربية وغير عربية تعرض خدماتها ضمن المواصفات الفكرية والسياسية في النظام الجديد، وبأفضل مما يستطيع الحكم السعودي تقديمه.

الشرق الأوسط مقبل على تغييرات ـ قد تكون في قليل منها جذرية ـ لصالح اقامة وضع جديد يتماشى مع النظام الدولي الذي تبشر به الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال استعراض ملامح هذه التغييرات المتوقعة، يمكننا البحث في ثناياها عن الدور الذي يمكن أن يناط بالنظام السعودي.

شرق أوسط بلا أزمات:

يبدو أن من اهم الاولويات للنظام الدولي الجديد، تقضي بانهاء بؤر التفجر والنزاع في العالم.. وفي الشرق الأوسط هناك قضيتان اساسيتان يراد حلحلتهما بشكل جدي ـ والجدية هنا لا تعني الصحة ومراعاة الحقوق كما لا تعني تغافلهما بشكل كامل والا فقدت الجدية معناهاـ.

لقد دخلت الأزمة اللبنانية مسار حل جاد، وبدأ النظام هناك باستعادة عافيته وترسيخ اقدامه، كما أن القوى المحلية التي تشكلها الاحزاب والتنظيمات السياسية، أدركت بأن هناك اتفاقا اقليميا ودوليا على حل الأزمة بأي شكل كان. وإذا كان من الصحيح ان تفجير الأزمة اللبنانية كان بأيد دولية، فإن من الواضح لدى تلك القوى الدولية ان الأزمة وبعد مضي نحو عشر سنوات من اشتعالها، قد أصبحت عبئا عليها، وانها استنفذت اغراضها، فضلا عن أن الأزمة اللبنانية «فرخت» أزمات أخرى لم تكن في حسبان صانعي السياسة الغربيين ـ الأمريكيين بشكل خاص ـ.

ومع أن السعودية كانت قد دخلت طرفا في الحرب الاهلية اللبنانية منذ اشتعالها، وانحازت إلى الطرف المرضي عنه غربيا، فانها في الوقت الحاضر لا تملك الكثير من الاوراق التي تلعبها، وليس امامها سوى مباركة الجهود الأمريكية التي تبذل لحل المشكلة، اضافة إلى المساهمة المالية في حل مشكلات لبنان الصعبة عبر مشاريع الحريري، الذي يسعى لاعادة بناء النفوذ السعودي الذي اصيب بشرح كبير في السنوات العشر الماضية.

على الطرف الآخر، دخلت الأزمة الفلسطينية مسار حل أيضاً، وقد وافقت المملكة على (كل) ما تقدمت به الإدارة الأمريكية من اطروحات تتعلق بالمشكلة.. ابتداءا من ابعاد منظمة التحرير عن المشاركة، ومرورا بالقبول بحضور المؤتمر الدولي والغاء المقاطعة العربية لاسرائيل، وانتهاءا بالقبول سلفا بكل ما يقرره الامريكيون وبما يسفر عنه المؤتمر الدولي من نتائج.

وتحاول المملكة أن توحي بأن مواقفها هذه إنما هي انتقام من منظمة التحرير وياسر عرفات غير المرضي عنه في الوسط الشعبي من المملكة.. لكن الحقيقة هي أن سياسة النظام في هذا الاتجاه قائمة على تأييد ومسايرة الإدارة الأمريكية في سياساتها «حذو القذة بالقذة»، من أجل بناء شرق اوسط جديد خال من الأزمات، ولاقناع تلك الإدارة بأن النظام السياسي في المملكة لا يزال قادرا على تقديم شيء جديد يتناسب مع المرحلة، وربما اعتبر الأمراء السعوديون تقديمهم التنازلات الكبيرة بشان القضية الفلسطينية وسيلة للتخلص في المستقبل من الالحاح الغربي بشأن تقديم تنازل على صعيد الاصلاح السياسي الداخلي.

احتواء أو تغيير الأنظمة الراديكالية

(ليبيا ـ إيران ـ العراق)

يراد ضمن التصور الأمريكي للنظام الجديد، احتواء راديكالية الأنظمة المعادية للغرب وتدجينها، وإن أمكن تغييرها بصورة سلمية وهادئة.. وذلك عبر ممارسة الضغط والحصار الاقتصادي والتهديد باستخدام القوة العسكرية، وتقديم الاغراءات لها، كإخراجها من عزلتها السياسية ورفع الحصار الاقتصادي عنها، ومن الوسائل الأخرى: تشجيع تيارات الاعتدال السياسي في كل بلد، ودفعها لانتهاج نمط اقتصادي يعتمد السوق الحرة يتماشى ويخدم العجلة الاقتصادية الغربية.

وفي الحقيقة فإن النظام السعودي قد مارس سياسة الاحتواء عبر المال طوال الحقبة الماضية، وقد نجح إلى حد كبير في توجهاته.. ولكنه ومنذ نحو عشر سنوات، دخل في صدام حاد مع العديد من الأنظمة الراديكالية (ليبيا وايران ثم العراق)، فاصبح احتواؤها أمراً مستحيلا، خاصة وأن الأنظمة الثلاثة المذكورة اعلاه ليست بحاجة إلى المال السعودي بشكل ملح، ثم أن لها تطلعات في الزعامة ـ على الصعيد العربي أو الإسلامي ـ بحيث وضعت نفسها موضع المنافسة مع سياسات النظام السعودي.

إن مصر هي الاقدر الآن على احتواء ليبيا، وعبر التهديد بأن الامريكيين يخططون لضرب نظامها الحاكم، وهي فعلا تقوم الآن بهذا الدور.. أما العراق فنظامه القائم يستعصي على الاحتواء، على الأقل من منظار السعوديين أنفسهم، والذين يرون بأنه بحاجة إلى عملية جراحية تغير من شكله وتقضي على تطرفه.. في حين أن إيران اختارت بنفسها منحى الاعتدال قبل ثلاث سنوات، ولكنها حافظت أيضاً على نهجها السياسي المستقل إلى حد كبير، ويمكن للمراقب ان يتوقع المزيد من الليونة واللبرلة في الهيكل السياسي الايراني، بناء على استقراء الوضع الداخلي هناك، وبناء على النهج السياسي الخارجي.. ولعل توثيق العلاقات السعودية/ الإيرانية كفيل بامتصاص جزء غير قليل من الحدة في نهج الطرفين، لكن ذلك لا يعني احتواء احدهما للآخر، وانما يعني اتفاقهما على التعايش والتعاون.. وفي مرحلة لاحقة سيبدو من المؤكد أن تعاد العلاقات الإيرانية/ الأمريكية.

احتواء التيارات الفكرية والسياسية المعارضة

هناك الكثير من التيارات السياسية والفكرية ذات التأثير الشديد في الوسط الجماهيري العربي والاسلامي، وقد اتخذت هذه التيارات من عدائها للغرب فكريا وسياسيا منطلقا لنشاطاتها، وعلى رأس هذه التيارات «الحركات الإسلامية» التي نشطت في العقد الماضي.. وقد صرح القادة الغربيون بعد أن انهوا حربهم مع المنظومة الاشتراكية، بأن معركتهم القادمة ستكون مع «الاصولية الإسلامية» كما قالت بذلك السيدة تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة.

وخلاصة الرأي الغربي في تعامله مع الحركات الاصولية في المستقبل، قد يكون ضمن المحددات التالية:

ڑ الاعتراف بأن «الاصولية» قد أصبحت جزءا من الواقع العربي والاسلامي ولا يمكن تجاوز قوتها وتأثيرها.

ڑ السعي بأن لا تصل أي حركة دينية «معتدلة أو غير معتدلة» إلى الحكم، سواء جاءت عبر وسيلة «ديمقراطية» أو «انقلابية»، ويمكن الاستشهاد هنا بموقف الدول الغربية من «الجبهة القومية الإسلامية في السودان، وجبهة الانقاذ في الجزائر».

ڑ احتواء الحركات الدينية المعتدلة، وادخالها ضمن المعادلة السياسية لكل نظام عربي أو غيره، حتى لا تتحول إلى مصدر انشقاق وازعاج وتوتر (الإخوان المسلمون في الاردن واليمن)، وتشجيع قيادة هذه الحركات على الدخول ضمن الاطر السياسية المتعارف عليها.

ڑ ضرب الاجنحة الدينية المتشددة التي تصر على العمل من أجل تغييرات جذرية وبوسائل انقلابية، والتي تحارب من خارج الاطر المقبولة وترفض «التدجين» بحيث يصعب احتواء «ثوريتها»، مثلما هو حاصل بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي في مصر، والى حد ما التيار السلفي المتشدد في السعودية.

إن تجربة النظام السعودي في ممارسة هذا الدور «احتواء الحركات الدينية» ناجحة ومشهودة بقدر كبير، حيث استطاع في ظل النظام الدولي القديم ان يدفعها إلى مهادئة الأنظمة المحسوبة على المعسكر الغربي، كما اعطاها هدفا يتناسب مع المعركة «الأم»، وهو: محاربة التيارات الملحدة ـ الشيوعية ـ. ومع أن النظام قد دخل ـ بسبب أزمة الغزو العراقي للكويت ـ حربا ضد عدد غير قليل من الحركات الدينية المصنفة ضمن التيار «الاصولي».. الا انه قادر على استعادة الجزء الأكبر من قوته ـ رغم سقوط سمعته الدينية في الأزمة الأخيرة ـ، وأن يمارس دوره في هذا المضمار، استنادا إلى قوته المالية، أو من خلال تشجيع بعض الأنظمة وتقديم الاغراءات لها للقيام بدور تصفية الاجنحة المتشددة في الحركة الدينية.

ولا يغيب عن الذهن هنا، أن تحول إيران إلى الخط المعتدل سيؤدي إلى اضعاف بعض التيارات الدينية، كما سيؤدي إلى دفعها نحو الاعتدال ـ بالمفهوم الغربي للمعنى ـ.

تعديل الأنظمة السياسية

وذلك بخلق صور من المشاركة الشعبية في اطر ديمقراطية، تتضمن اشكالا من الانتخابات والبرلمانات والدساتير والحريات الثقافية، ولو بشكل محدود، ولكنه متدرج صعودا.

لا يراد للتغيير أن يكون كبيرا وسريعا، وإنما ضمن المحددات التالية:

أن يضمن التغيير الحد الأدنى من المشاركة الشعبية، من أجل الوصول إلى تغيير  هادئ في السلطة، سواء كان الهدف النهائي تغييرا جذريا أم جزئياً.

أن يستوعب التغيير التحولات الداخلية ـ السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ في كل نظام وينزع فتيل التفجر من داخله.

أن يؤدي التغيير إلى استيعاب كل نظام في المنطقة المتغيرات الدولية، وموقع النظام السياسي ودوره الجديد في ظل النظام الدولي الجديد.

الحفاظ قدر الامكان على الوجوه الحاكمة القديمة ـ على الأقل في المراحل الأولى ـ، الا إذا كان تبديلها أمراً ملحاً. ومبعث هذه الفكرة، أن الأنظمة العربية بشكل عام ـ وهي واضحة في النظام السعودي بشكل خاص ـ قضت على ـ أو همشت ـ كل القوى الاجتماعية والسياسية التي كان يمكن أن تكون أحد البدائل للانظمة القائمة. وإن الحفاظ على الوجوه القائمة لا يعني بالضرورة عدم العمل ـ من قبل الغربيين ـ على خلق طبقة جديدة من السياسيين، تتحمل شيئاً فشيئا مسؤولياتها، فاذا ما رأى الغرب في وقت لاحق أن الوجوه القديمة تقف عقبة أمام خططه.. أزالها ووضع البديل.

أن لا يكون التغيير متعارضا مع مصالح القطب الفائز في الصراع الدولي.. وأن يساعد التغيير على ديمومة تلك المصالح وزيادة ضمان استقرارها، وايصال الشعوب العربية إلى الاعتراف والاقتناع بل والرضوخ لمنطق المنتصر الذي يجب أن تحفظ وتراعى مصالحه.. وقد يتم ذلك عبر ربط عجلة التنمية التي تحفظ ستتجه إليها كل القوى المشاركة في الحكم، اياً كان توجهها، ربطها بالنظام الاقتصادي الغربي، بحيث تبدو فرص التنمية ضعيفة في حال الاستمرار في العداء مع الغرب.

إن هذه الرؤية يراد تسييرها على الجميع، بما في ذلك أنظمة الخليج، والنظام السعودي على وجه الخصوص.

والسؤال الملح: هل يمضي النظام السعودي في طريق اصلاح نفسه، متحملا كل المخاطر الناجمة عن الاصلاح، وكيف، وماذا سيكون موقف الولايات المتحدة إذا ما قاوم النظام السعودي ضغوط التغيير الدولية والمحلية.

إصلاح اقتصاد الأنظمة العربية الفقيرة

يعد الفقر في الوطن العربي أحد أهم أسباب التوتر الداخلي والاقليمي، وقد اوضحت أزمة الخليج أن هناك خللا فاضحا في توزيع الثروة في الوطن العربي، واصبح هناك تصنيفا شائعا بين العرب الفقراء والعرب الاغنياء، حاول الرئيس العراقي صدام حسين استثماره في معركته الأخيرة.

هناك ـ بلا شك ـ عرب اغنياء لم يؤدوا واجبهم تجاه جيرانهم الفقراء على الوجه الصحيح، فأصبحت نفوسهم مشحونة بالحقد والغضب على أولئك الاغنياء الذين بددوا أموال الأمة على ملذاتهم السخيفة، في وقت يرون فيه، أن لهم حق في ذلك المال، باعتبارهم عربا ومسلمين وجيران.. وبديهي أنه إذا لم يتحمل الاغنياء مسؤوليتهم تجاه جيرانهم، فإن مشاكل أولئك الفقراء ستصل اليهم، على شكل اضطرابات سياسية.. إذ لا يمكن أن يتمتع الغني بكامل الثروة في وقت تحيط به جموع من الفقراء الجياع.

من هنا وجدت مقولة صدام حسين ـ وأُناسٌ عديدون قبله ـ بوجوب توزيع الثروة العربية ـ رغم أن صدام نفسه لم يعمل بما قاله ـ، وجدت تلك المقولة اذانا صاغية لدى كل من آلمهم الجوع، وهدّم أركانهم الفقر.

وفيما بعد الأزمة الأخيرة، فإن الغربيين يدركون تماما بأن السعودية ودول الخليج الأخرى، لا يمكن أن تكون بمعزل عن الاضطرابات الاقليمية التي تعصف بدول العالم العربي الفقيرة المنهكة الاقتصاد، ما لم تساهم في تحسين اوضاع تلك الدول والشعوب. إن الأمن الوطني لكل نظام غني في الخليج، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الآخرين، وقد أصبح من اللازم على دول الخليج، حتى وإن حسبت المسألة بعيدا عن الإنسانية والعروبة والاسلام، أن تدفع المال لدول الجوار الفقيرة، وأن تساهم في تحسين أوضاعها الصعبة، إن كانت تبحث عن أمن داخلي، ووضع اقليمي مستقر.

ورغم ان الحكام الخليجيين ـ وبالخصوص السعوديين ـ لا يعتقدون بأن للآخرين حق فيما لديهم من مال، ورغم أن الأزمة الخليجية الأخيرة دفعت بهم لأن يحاربوا المعارضين لهم في ارزاقهم ـ اليمن والاردن ـ.. رغم هذا فانهم سيجبرون على الدفع عاجلا أم اجلا، وسيتخلون عن سياسة الانتقام، لأن أحداً في المنطقة لا يمكن أن يعيش بمفرده.

سيدفع الخليجيون المال لاستقرار المنطقة، كما دفعوه من قبل من أجل استقرار الأنظمة الموالية للغرب ـ في ظل النظام الدولي القديم ـ.. غير أن التساؤل الحقيقي، يكمن في مقدار ما يمكن للحكومة السعودية أن تدفعه في المرحلة المقبلة.

السعودية تشعر بأنها مطالبة بالدفع باكثر مما تتحمل فهي في المدى القريب مطالبة بتسديد فواتير الحرب للحلفاء الغربيين والعرب.. وهي مطالبة بدفع فواتير السلاح الذي تخطط لشراء كميات هائلة منه.. كما أنها مطالبة أيضاً بحلحلة الأزمات الاقتصادية الداخلية المتصاعدة، منذ أكثر من سبع سنوات، والتي وضعت شرعية النظام على المحك.

في المقابل، فإن اسعار النفط لم ترتفع في الأشهر القليلة الماضية الا قليلا، ولا يتوقع لها الكثير من الصعود.. في ظل وضع كهذا: إلى أي حدّ تستطيع السعودية ودول الخليج تحمل اعباء تحسين اقتصاد مصر وسوريا والاردن واليمن، وربما العراق والسودان وتونس والمغرب وغيرها؟!.. وماذا عن مسؤولياتها الأخرى على الصعيدين الإسلامي والدولي؟.

هناك شيء واحد يبدو انه ثابت، وهو أن المملكة في ظل التطورات القادمة لا بد وان تساهم مالياً.. أما حدود المساهمة، فمتروكة لاولوياتها.

وفي الختام فإن ما يمكن استخلاصه من هذه المقالة هو:

1ـ أن الاوضاع الدولية والاقليمية والداخلية، تضغط باتجاه احداث تغيير نوعي ونسبي داخل الهيكل السياسي لنظام الحكم في المملكة العربية السعودية.

2ـ أن دور المملكة الاقليمي والدولي في النظام الدولي الجديد، مرهون بمدى مماشاتها لافكاره وقيمه، وفي مقدمتها، احترامها لحقوق الإنسان، ومراعاتها لحقوق مواطنيها في المشاركة السياسية، وحرية التعبير عن الفكر والرأي.

الجزيرة العربية عدد  /8 سبتمبر 1991