العودة للفهرس

أسس السياسة الخارجية للنظام السعودي

من الصعب جداً العثور على اسس ثابتة للسياسة الخارجية لنظام حكم من قبيل النظام السعودي نظراً لما بيناه في العدد السابع من شكل البنية الداخلية لهذا النظام وتأصل القبلية فيه وحكومتها على جميع الابعاد الأخرى للنظام بما فيه البعد الذي اكتسب منه آل سعود شرعيتهم (الأساس الايديولوجي ومذهب المؤسسة الدينية السعودية).

لذا ستجد بحثنا يميل الى السرد وتتبع الأسرة السعودية في العلاقاتها الخارجية مع محاولة ربط وتحليل بعض المواقف للخروج باسس هذه السياسة.

اذا ما تجاوزنا الفترة الأولى من تاريخ آل سعود التي اخذت صورة تحالف مع ابن عبد الوهاب، وارتباط اساسي بالانجليز ودخولهم في صراع مرير مع السلطة العثمانية والقبائل والبلاد المعادية لهم ولدعوتهم ثم النهاية المؤقتة التي كتبها طوسون (قائد حملة محمد علي 1222هـ. 1811م.) لهذا الصراع بتدميره الدرعية بعد خسائر جسمية ومقاومة مستميتة وما تلا ذلك من حروب قد مكنت آل سعود من السيطرة على عموم نجد فالاحساء يمكننا ان نسجل هنا اعتراف بريطانيا باستقلال نجد وسلامة اراضيها ووقوف الدولة السعودية على الحياد في الحرب العالمية الأولى عام 1914م. كحدث هام يشكل ابرز مظاهر العلاقات الخارجية السعودية في تاريخها القديم.

وبعد ذلك تدرج السعوديون في بسط نفوذهم على عموم الجزيرة، ومع القضاء على ابن رشيد عام 1921م. اصبحت الحدود الحجازية النجدية مفتوحة، وفي مطلع 1922م. اصبح عبد العزيز مشرفاً على حدود الأراضي الخاضعة للسلطة الهاشمية، نتيجة لذلك تصاعدت المناوشات على الحدود وكثرت الغزوات ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط الطائف في سبتمبر 1924 عقدت عدة مؤتمرات واتفاقيات منها مؤتمر المحمرة ثم مؤتمر العقير ونتج عنه "اتفاقية بحرة" التي وقع عليها في اواخر 1922 ثم مؤتمر الكويت في اواسط 1923، ومع الطلب الرسمي الذي تقدم به الشريف حسين الى القوات البريطانية بتدخلها ومنع سقوط الحجاز الا انهم لم يحركوا ساكنا حتى عام 1923 عندما نودي بعبد العزيز ملكاً على الحجاز بعد ان اكتسحها بقواته واستسلمت "جدة آخر المعاقل، وفي عام 1932 ـ 1351هـ. اطلق رسمياً على المنطقة التي يملكها عبد العزيز آل سعود اسم المملكة العربية السعودية وحينها دخلت العلاقات الخارجية السعودية مرحلة اخرى.

ومع بدايات استقرار دولتهم الرسمية وحسم الصراع الداخلي واجه آل سعود مشكلتين رئيسيتين اثيرتا من الخارج، الأول قضية الخلافة الإسلامية، والثانية قضية امر الحرمين الشريفين، ولمعالجتها دعا عبد العزيز عام 1926م. الى مؤتمر عربي إسلامي لبحث شؤون الحج في مكة المكرمة وبالرغم من ان هذا المؤتمر لم يخرج بنتائج حاسمة الا انه ثبت بشكل اواخر السلطة السعودية على الحرمين الشريفين واقتنع المؤتمرون باستثناء مصر والهند ويران بالدعوة والعهود التي قطعها ابن سعود على نفسه برفع العراقيل والمضايقات عن الحجاج وخصوصاً ما كان يقوم به "الأخوان" ـ قواتهم الخاصة ـ من نصب وسلب للحجاج العزل، اما قضية الخلافة فقد رفض عبد العزيز بشدة ان تثار في هذا المؤتمر.

عل الصعيد الدولي كان الاتحاد السوفيتي الدولة الكبرى الأولى التي اعترفت بالسلطة الجديدة ثم لحقتها المملكة المتحدة ففرنسا. ومن المناسب هنا الأشارة الى مشكلة نتجت عن تطور العلاقات الخارجية السعودية، وهي ما اخذه "الأخوان" على عبد العزيز تساهله للاجانب وادخاله بعض مظاهر الحياة العصرية الى البلاد، وكان هؤلاء "الاخوان" يظهرون استياءهم وغضبهم من مواسم الحج. وهكذا فقد تعرضوا لبعثة الحج المصرية التي كان من عادتها ان تدخل الحجاز على اصوات الموسيقي والانشاد يحيط بها بعض المسلحين، وقد ذهب افراد البعثة ضحية لهذه التعرضات التي ابدى فيها المصريون مقاومة ودفاعاً عن النفس لم يكن ينتظره الوهابيون ونتيجة لذلك اصدر عبد العزيز امراً يمنع البعثة من اصطحاب حماية معها بحجة ان هذا يعتبر مساساً بسيادة المملكة فردت مصر على ذلك بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع السعودية.

ولم يكتف "الأخوان" بما جرى مع البعثة المصرية بل اخذوا يحتجون علانية على استبداد عبد العزيز بالسلطة ومجاهرته بالمعاصي والفسق، والحقيقة انها كانت حركة يقظة قام بها المستغلون في الجيش السعودي بعدما كشفوا استغلال آل سعود للدين ولهم في سبيل تحقيق اهدافه وأهداف الاستعمار والاجانب، ولكنها سرعان ما خمدت عندما بادر عبد العزيز الى عقد مؤتمر عام في الرياض حضره زعماء القبائل والعلماء الذين اكدوا فيه ولاءهم للسياسة السعودية وخضوعهم لها.

كما تعتبر اتفاقية ترسيم الحدود بين دولة آل سعود وكل من امارة شرق الأردن والعراق اللذان كانا تحت الانتداب البريطاني في مايو 1927 سبباً لتوتر الوضع الداخلي اذ حرمت بعض القبائل من التنقل والغزو واعلنت بعض العشائر بزعامة "سلطان بن بجاد" التمرد السافر على سلطة الدولة واستمرت المناوشات بين الطرفين مدة عام ونصف الى ان جهز عبد العزيز حملة قوية قضت عليهم نهائياً واودع زعماء المتمردين سجن الرياض.

ومع ثبات الوضع الداخلي واستحكامه اولى السعوديون اهتماماً اكبر للسياسة الخارجية فعقدوا معاهدة صداقة وعدم اعتداء مع شرق الأردن، عام 1933 ومع البحرين والعراق ومصر عام 1936م.

وكان السعوديون ضمن سعيهم للمزيد من التوسع قاموا في عام 1920 باثارة الاضطرابات في منطقة عسير ضد حكامها من الأسرة الإدريسية واثر ذلك اعلن عبد العزيز فرض حمايته عليها وفي عام 1933 استطاع السعوديون القضاء على حركة المقاومة التي كان يقودها حسن الادريسي بمساعدة حكام اليمن وقد لجأ الادريسي نتيجة لذلك الى اليمن حيث راح يعد للغزوات ضد السعوديين وتطورت الاحداث بين البلدين الى حرب مفتوحة في مارس عام 1934 نجح عبد العزيز في حسمها لصالحه واحتلال "ميناء الحديدة" خلال اسابيع قليلة، ازاء ذلك قبل الامام يحي الدخول في مفاوضات سلمية مع عبد العزيز نتج عنها انسحاب القوات السعودية الى المواقع التي كانت تسيطر عليها قبل اندلاع المعارك (أي ان اليمن اعترفت عملياً بضم عسير الى السعودية) وفرض على اليمن دفع نفقات حرب بلغت مائة الف جنيه استرليني (يوليو 1934) وفي عام 1937 وقع البلدان معاهدة صداقة مع الغرب تأخذ بعداً جديداً بمنح شركات النفط امتيازات التنقيب (ستاندارد اويل كمبنى او في كلفورنيا / تكساس اويل كمبني ـ امريكيتان)، اندمجتا فيما بعد تحت اسم ارامكو وهي الأحرف الأولى من "اربيان اميركان اويل كمبني". وسرعان ما عثرت هذه الشركة على النفط في الدمام والظهران وبدأت انتاجه وتسويقه في 1938م وقد قدر لهذا "الاكتشاف" ان يلعب دوراً متعاظماً في دولة آل سعود على مختلف الاصعدة ومنها العلاقات الخارجية، خصوصاً بعد تزايد الانتاج وغدو النفط عصب الحياة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

وكانت السعودية قد التزمت الحياد الحذر في الحرب العالمية الثانية رغم ارتباطها الباطن بالحلفاء، وقد رفض عبد= العزيز تأييد دول "المحور" حتى عندما كانت هذه الأخيرة في ذروة توسعها، كما انه رفض تأييد حركة رشيد عال الكيلان في العراق على الرغم من عدائه التقليدي للأسرة الهاشمية الحاكمة آنذاك في بغداد، ومن هنا يمكننا الخروج باساس ومحور لبعض المواقف السياسية السعودية الخارجية وهو المصالح الدولية لسياسة بريطانيا والمصالح الداخلية لاقتصاد امريكا.

وقد حثت بريطانيا السعودية على الانضمام، ولو شكلياًن الى الحلفاء الأمر الذي تم في عام 1945 ومكن السعودية من المشاركة في وضع ميثاق الأمم المتحدة والحصول على معونات مالية ومادية من الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

وكان اول بعثة دبلوماسية امريكية قد انشئت في السعودية عام 1940، وفي عام 1943 منح السعوديون الأمريكيين حق بناء قاعدة جوية كبيرة في الظهران فيما بدأت بعثة عسكرية امريكية في تدريب الجيش السعودي وتزويده بالاسلحة، وفي فبراير عام 1945 اجتمع عبد العزيز معا الرئيس الأمريكي روز فلت على ظهر مركب حربي امريكي وعقدوا اتفاقات هامة يأتي على رأسها الموافقة الخطية التي قدمها عبد العزيز على تأسيس "دولة اسرائيل" في فلسطين وتأييده الهجرة اليهودية اليها.

وفي عام 1949م رفع التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في جدة الى مستو لسفارة.

وقد انضم عبد العزيزي الى جامعة الدولة العربية منذ تأسيسها رغم السياسة الجديدة المحايدة التي كان ينتهجها مع الدول ومعارضته لمشاريع الاحلاف والمحاور (الهلال الخصيب، سورية الكبرى…)

وبعد هلاك عبد العزيز وتسلم سعود مقاليد الحكم طرأ تغير كبير على السياسة الخارجية السعودية خصوصاً على صيغة حجم العلاقت وسعتها فقد زار سعود باكستان 1954 وإيران والهند 1955 والولايات المتحدة واسبانيا والمغرب وتونس ولينيا واثيوبيا 1957، كما عرض مراراً الوساطة لحل الخلافات بين الدول الإسلامية (بين باكستان وافغانستان عام 1957 وبين تركيا وسوريا في العام نفسه).

وكانت سنوات حكمه الأولى متميزة بالتحالف مع مصر ضد الأردن والعراق الهاشميين ومع انه وقع معاهدة صداقة ودفاع متبادل مع مصر الا انه اكتفى بقطع علاقاته الدبلوماسية مع كل من فرنسا وبريطانيا اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مما ادى الى فتورة في العلاقات وعندما اعلن الوحدة السورية ـ المصرية عام 1958 تحول هذا الفتور الى عداء واضح بلغ ذروته في اتهمام سعود بتمويل مؤامرة لاغتيال عبد الناصر، ثم ازدادت هذه العلاقات سوءاً وتدهوراً مع حرب اليمن عام 1962.

اما الأردن فقد سلكت العلاقات معها خطاً معاكساً للعلاقات مع مصر، فبعد ان كان الحذر والعداء المبطن هو طابعها المميز (نظراً للعدواة الخارجية التي كانت بين الهاشميين والسعوديين) اخذت بدءاً من عام 1956 تتحسن وتزداد وثوقاً.

ومن جهة ثانية فقد توثقت العلاقات مع كل من الكويت (التي ايدها سعود في نزاعها مع العراق عام 1961) ومع البحرين ومع اليمن الملكي وبالمقابل فقد تدهورت العلاقات السعودية العمانية بسبب النزاع حول واحة البريمي.

وفي عهد سعود بدأت حرب اليمن التي اتخذ فيها جانب الملكيين وامدهم بالسلاح والعتاد والرجال منذ 1962م. وكان ذلك احد مظاهر الصراع العنيف على المنطقة العربية بين السعودية ومصر الناصرية، اما على الصعيد الدولي فقد توثقت العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية على حساب حليفاتها الغربية كبريطانيا وفرنسا والحد بالسعوديين ان قبلوا بمشروع ايزنهاور وبالمقابل فان العلاقات مع الروس كانت مقطوعة. اما الاصطدام مع مصر عبد الناصر في اواسط الخمسينات فقاد الى محاولة المصريين من خلال وسائل اعلامها وبشكل اخص عبر اذاعة "صوت العرب" الى زعزعة النظام الملكي داخلياً والدخول في معركة مسلحة معه عبر الحرب الأهلية اليمنية. وواكب ذلك تدهور اقتصادي شهده النظام السعودي بسبب عدم التخطيط والتخلف الإداري من جهة وسياسة التبذير والبذخ الذي كان الأمراء يعيشونه من جهة اخرى، وقد بدأ الريال اثر ذلك يفقد قيمته ويمكننا القول ان هذه الأزمة، بمجموعها، شكلت تهديداً وهزة قوية للنظام كادت ان تؤدي به لولا التدارك السريع الذي قامت به دوائر الاستخبارات الاجنبية المعنية من تحجيم السلطات "الملك" وعزله تدريجياً ودفع اخيه فيصل للصف الأول والمقدمة حتى يمسك بيده زمام الأمور وقد قام هذا الأخير بانتهاج سياسة متصلبة تجاه عبد الناصر فقطع العلاقات مع مصر في نوفبر 1962 وطرد الرعايا المصريين من اراضي "المملكة"!

وفي الوقت الذي كان فيصل "الأمير" يقود دفة الحكم باتجاه تصعيد المواجهة مع مصر كان سعود "الملك" يغادر البلاد الى اوروبا تحت ستار العلاج والاستشفاء، وبعد عودته بقليل شارك في اعمال اول مؤتمر عربي في مصر 1964 مظهراً فيه استعداداً كبيراً لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع مصر واليمن، وكان هذا المؤتمر آخر نشاط عربي دولي يشارك فيه اذ ما ان عاد الى الرياض اعفى من منصبه بذريعة "حالته الصحية" وفي نوفمبر 1964 تنازل سعود عن الحكم بطلب من العائلة وكبار علماء الدين السعودي نزولاً عند نصيحة دوائر الاستخبارات البريطانية والأمريكية وانتقل الى القاهرة ومنها الى اليونان حيث توفي في 1969، وتولى فيصل الحكم وبادر بتعيين خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد. وكان فيصل هو الانسب للدور المستقبلي الذي كان يراد للسعوديين في زعامة العالم الإسلامي وقيادته بالشكل الذي يريدون، لذا تجده على صعيد العلاقات الخارجية يحارب بضراوة مشروع الوحدة العربية (الذي كانت تنادي به مصر) ويطرح في قباله مبدأ التضامن العربي، وعارض داخلياً اتخاذ اجراءات اصلاحية من شأنها أن تثير العلاقات بل اوعز بتقوية شرطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وقد اتبع فيصل سياسة تسليحية نشطة فقوى الحرس الوطني وعمق التعاون التدريبي والتسليحي مع الولايات المتحدة الأمريكية، أما العلاقات مع مصر فقد استمرت متدهورة وبلغت حداً اتهمت فيه مصر بتمويل بعض الأعمال "التخريبية" في السعودية ودعم نشاط "اتحاد الشعب في الجزيرة العربية" وهو تنظيم سرى أمكن القضاء عليه في عام 1967 واعدام العديد من اعضائه.

وبقي فيصل بعد انعقاد مؤتمر الخرطوم 1967م الذي كرس المصالحة المصرية السعودية مصراً على دوره الخياني اذ اكتفى بالأعراب عن تضامنه مع مصر وسوريا والأردن عندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية حيث كان يقوم بزيارة رسمية لبعض دول اوروبا وتظاهر بارسال قوة عسكرية للمشاركة في الحرب على الجبهة الأردنية الا ان قواته وصلت بعد توقف الحرب! كما لعب دوراً خبيثاً في خرق الحظر النفطي الذي فرض على البلدان الغربية المؤيدة لإسرائيل بل انه قام بابطال الحظر رسمياً عندما بادر في مؤتمر الخرطوم الى اقتراح استعمال سلاح النفط من خلال العائدات المالية بدلاً من قطعة فوافق باقي حكام العرب!

اما مع إيران فقد كانت العلاقات جيدة ومتينة مع ما كان يظهر من تنافس بين المملكتين على زعامة الخليج حتى ان دخول رعايا البلدين الى البلد الأخر لم يكن يفتقر الى سمة دخول (فيزا) وفي اكتوبر عام 1968 توصل البلدان الى اتفاق حول رسم الحدود البحرية وبعد ذلك بشهر قام الشاه بزيارة رسمية للسعودية.

من جهة اخرى فقد رعت السعودية قيام اتحاد الأمارات العربية بعد الانسحاب البريطاني الرسمي من الأمارات مؤمنة بذلك البديل المطلوب استعمارياً! وقد اولى فيصل هذا الأمر اهتماماً خاصا نظرا لخوفه من مضاعفات ثورة "ظفار" والاتجاهات اليسارية التي اخذ النظام الجديد في جنوب اليمن يتبناها.

ومع موت عبد الناصر عام 1970 واندلاع حرب 1973 برز وزن السياسة الخارجية السعودية ودورها الكبير في تغيير القيادة المصرية وبداية العصر الساداتي وما رافق ذلك من تغيير جذري وتدريجي في التحالفات السياسية العربيو والدولية، فاخرج السادات السوفيات وادخل الأمريكان وعلى الصعيد النفطي لعب فيصل دوراً هاما جدا في الابقاء على اسعار النفط الزهيدة ومنع بصراحة اية محاولة لرفع اسعاره، وفي عام 1974وقع مع الولايات المتحدة عقداً كبيراً للتعاون الاقتصادي والعسكري واستمر في سياساته الخارجية ذاتها حتى قتله ابن اخيه فيصل بن مساعد.

ويمكننا ان نطلق على العهد التالي لفيصل عهد فهد (مباشرة) دون الاخذ بالاعتبار السنين السبع التي كان فيها خالد "ملكاً" اذ كانت الأمور في الحقيقة والواقع بيد فهد (ولي العهد).

في مارس 1976 انشئت العلاقات الدبلوماسية مع اليمن الديمقراطية الشعبية وجاء ذلك في مقابل قطع عدن دعمها لثوار ظفار، وفي السنة نفسها عقد مؤتمر الرياض الذي وضع حلاً مؤقتاً للحرب الأهلية اللبنانية بانشاء قوات الردع العربية.

ومع ان السعوديين توقفوا عن ادانة "مبادرة" السادات الشخصية وزيارته للقدس عام 1977 الا انهم اضطروا الى مواكبة "الجميع" في مؤتمر بغداد 1979 ومع ذلك جاء الرفض معنوناً بـ "رفض الاتفاق المصري المنفصل او المنفرد مع اسرائيل!

وتشكل الثورة الإسلامية في إيران وما تلاها من حادثة جهيمان وانتفاضة الشيعة 1400هـ. محطة كبيرة اضطر السعوديون فيها كشف ارتباطاتهم والتحرك في سياسة خارجية مكشوفة لا تتناسب خصوصاً مع هذا العصر واساليب التضليل التي توجب اخفاء مثل هذه الارتباطات والابقاء عليها خلف الكواليس كما هو حال بقية الدول العميلة، ولكن السعوديون وقعوا في تخبط دفعهم لاستدعاء القوات الفرنسية الخاصة لقمع حادثة الحرم والمبادرة بالكشف عن وجود قوات امريكية تدير أجهزة ومعدات عسكرية امريكية (مثل الأواكس) على اراضيها . وفي هذا السياق شكل مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 مكوناً من دول الكويت و "السعودية" وعمان والبحرين وقطر ودول الأمارات العربية المتحدة.

على الصعيد العربي وكمبادرة لانهاء "ازمة الشرق الأوسط" من باب التفرغ "للخطر" الجديد القادم من الشرق، خطر الثورة الإسلامية تقدم فهد بمبادرة علنية سميت بـ "مشروع فهد" في مؤتمر فاس صيف 1981 تضم اعتراف كاملا "بدولة" اسرائيل الا انه فشل فاضطر الى سحبه مؤقتاً، ولا تزال السياسة الخارجية السعودية تتمحور منذ ذلك التاريخ على عداء الثورة والدولة الاسلامية حتى يومنا هذا.

* * *

بتتبع سيرة حكم آل سعود في علاقاتهم وسياستهم الخارجية يمكن استظهار امور هي:

1ـ ترتكز السياسة الخارجية السعودية على اساس تأمين مصالح الاستعمار والمعسكر الغربي وخصوصاً الولايات المتحدة.

2 ـ تعتمد في تنفيذ هذه السياسة على امكانياتها المالية الضخمة.

3 ـ تقوم على تزعم جبهة "إسلامية" بديلة عن الإسلام الحقيقي .

4 ـ تسعى ما استطاعت، الى تشكيل محور عربي تقوده مقابل محورية مصر وسعي العراق في هذا السبيل.

5 ـ تفرض هيمنتها بشكل قاطع وحاسم على دول الخليج وتتولى زعامتهم دون أي تهاون في ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــ

مشروع ايز نهاور: هو ما اعلنه الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور ـ 1952 ـ من خطوط عام للسياسة الأمركية في منطقة الشرق الأوسط (من ليبيا غرباً الى الباكستان شرقاً ومن تركيا شمالاً الى الحبشة والجزيرة العربية جنوباً).

ووافق الكونغرس عليها في يناير 1957 اثر فشل العدوان الثلاثي على مصر خريف عام 1956 وهي السياسة التي استهدفت ملء فراغ الاستعمار المتأتي من هزيمة بريطانيا وفرنسا المعنوية في حرب السويس وأفول نجميهما كدول استعمارية رئيسية، وبالتالي فرصة هيمنة الإمبريالية الأمركية على المنطقة تحت شعار الخوف من المد الأحمر الخط الشيوعي" وقد تضمنت هذه السياسة:

1 ـ حماية القوات الأمريكية لأية دولة تتعرض لعدوان مسلح من دولة تابعة لنفوذ الشيوعية الدولية.

2 ـ مساعدة دول المنطقة (التي تحالف الولايات المتحدة) ودعم قوتها الاقتصادية.

3 ـ منح مساعدات عسكرية أمريكية للدولة التي تطالب ذلك.

وبموجب هذه السياسة قدمت المساعدات لدعم الانقلاب الملكي في الأردن عام 57 وارسلت قوات البحرية الأمريكية للأردن ولبنان عام 58، وارتبطت دولة حلف بغداد بالولايات المتحدة بمعاهدة رسمية في يوليو 1958.

وجاء كل ذلك بمثابة اعتراف علني بقيادة الولايات المتحدة للقوى الاستعمارية في هذه المنطقة من العالم.

رسالة الحرمين /عدد 9 / يوليو 1990