|
بندر بن سلطان رجل المهمات
الأميركية الصعبة
من الثابت، انه في كل عهد ملكي
سعودي، رجل ظل، رجل يصنع القرار أو يساهم في صنعه في الخفاء، هكذا كانت الحال في
عهد عبد العزيز، عندما كان فيصل رجل الظلم بالرغم من ان سعود كان "الولد
المدلل"، وفي عهد فيصل برز واستمر صعوداً إلى ان استلم خالد مقاليد الحكم،
فتحول فهد إلى حاكم فعلي وخالد إلى ملك صوري، وفي عهد فهد برز بندر بن سلطان،
السفير السعودي في واشنطن، حيّث من الواضح انه يسهم في توجيه السياسة السعودية، بل
من الاكيد، انه يصنع السياسة السعودية في أحيان كثيرة.
بندر بن سلطان، تصفه بعض وسائل
الاعلام في الغرب، بأنه أحد الرجال الاقوياء في مملكة آل سعود، ووسائل اعلام أخرى،
لا تستبعد توليه سدة الملك إذا خدمته الظروف. بندر بن سلطان رجل الاعمال السرية
والصديق الحميم للمخابرات الاميركية، كيف تحول" النجم العربي الاول" في
اعلام الغرب؟ وما هي خطوط سياسته؟ وما دوره في السياسة السعودية وفي التحضير
لمؤتمر التسوية مع العدو؟؟
هذا الموضوع يقدم صورة وافية عن
بندر الامير، ثم بندر العميل للأميركيين… وربما بندر الملك..؟؟
ليس من قبيل التهجم على شخصية
بندر بن سلطان، عندما يدرج في قائمة الرجال السعوديين الاكثر التصاقاً بالاميركيين
والأكثر اقتراباً من سياستهم. فالرجل بالأصل، لا تشكل له صفة التعامل مع
الأميركيين أي ضيق أو حرج، بل هو من الشخصيات السعودية الواضحة والصريحة في اعتبار
العلاقة مع الادارة الأميركية عامل قوة له وعنصر استمراره السياسي ودعامة بين
الاجنحة السعودية المتصارعة.
وربما يأتي هذا الاستئناس
الاستقوائي بالولايات المتحدة، لأسباب متعلقة بالنهج التربوي الذي تلقاه بندر
مباشرة من الاميركيين، فهو الطيار الشاب الذي تدرب فنياً في الولايات المتحدة، ثم
الملحق العسكري في السفارة السعودية في واشنطن، ثم السفير للنظام في العاصمة
الأميركية.
وبهذا المعنى، يكون التشكيل
الشخصي لبندر، قد تحقق ضمن مناخ اميركي صرف، ابتداء من سنوات دراساته الثانوية
وانتهاءاً كدبلوماسي، وفي مجال الاحوال، لم يخرج بندر عن حرارة المناخ الواحد،
فاتبع بأحادية التوجّه حتى غدا لسان الأميركيين الناطق باسم آل سعود.
وقد يكون استحضار اوراق بندر
الأميركية من السهولة ما هو غير متوفر عند الآخرين ومرد ذلك إلى عدم اقتناع بندر
بإخفاء علاقته مع الادارة الأميركية. وعلى ما تقول "نيويورك تايمز" في
احد اعدادها، ان بندر اكثر الخليجين وضوحاً وإفصاحاً عن "صداقته"
للأميركيين، وانسجاماً مع هذا الوضوح وهذه الصراحة، بات بندر رجل المهمات
الأميركية الصعبة في الشرق الأوسط، لكن قبل الدخول في عملية كشف مهمات الرجل، لا
بد من الاشارة إلى ان انباء يتم التداول بها منذ اشهر، ومنها، ان بندر بن سلطان،
قد يستدعى في اواخر العام الجاري أو في الربيع المقبل إلى الرياض، لاستلام وزارة
مستحدثة هي وزارة الدولة للشؤون الخارجية.
وهذه الوزارة كما تفيد معلومات
خاصة حصلت عليها "رسالة الحرمين"، ستكون رديفاً لوزارة الخارجية التي
يستلمها الآن سعود الفيصل، ويعتبر انشاؤها احد اشكال الصراع الدائر بين آل سعود
عامة، وبندر بن سلطان وسعود الفيصل بشكل خاص، واستناداً إلى معلومات "رسالة
الحرمين"، فإن تولي بندر منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، من شأنه ان يشكل
مقدمة لإزاحة سعود الفيصل عن وزارة الخارجية، علماً ان ازاحة الفيصل من منصبه،
كانت مطروحة بشكل قوي خلال حرب الخليج الثانية، وتحديداً بعيد المباشرة في وصول
القوات الأميركية إلى الحجاز، حيّث قيل اثنائها، ان سعود الفيصل كان من جملة
المعارضين للاستنجاد بالجيش الاميركي، ونتيجة تداول وسائل الاعلام العالمية
للخلافات الناشبة بين آل سعود، اضطر سعود الفيصل لنفي مسألة الخلاف من موسكو، حيّث
كان في زيارة رسمية لها، إلاّ ان هذا النفي لم يشكل مصداقية عند العديد من وسائل
الاعلام العالمية، التي ظلت تشير إلى حدوث انقسامات بين آل سعود، وتضع سعود الفيصل
على رأسها.
وحسبما تشير المعلومات حول
استقدام بندر إلى الرياض، انه سيكون مقدمة لاحتواء السياسة الخارجية السعودية بشكل
كلي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر فيها العالم العربي، والتي تتطلب تنفيذاً
صارماً للسياسة الاميركية، ومثل هذا الامر لا ينفرد به غير ذي التربية الأميركية
الصرفة.
مشاهد سياسية
في مقال لصحيفة "الشرق
الأوسط" الناطقة باسم النظام من لندن، ورد بتاريخ (30/10/1993) ان بندر بن
سلطان هو اكثر السياسيين العرب الذين يجتمعون مع المسؤولين الاميركيين، وهذا يعني
ان التنسيق والتعاون بالامور الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، انما يشارك في رسمها
بندر لثقة الأميركيين به ولتنفيذه الصريح والعلني لسياستهم. وعلى ما ذكرت
"الشرق الأوسط" في احد اعدادها ان تدرجه الدبلوماسي، من ملحق عسكري إلى
السفير ومن تم ترشيحه إلى تسلم احد المناصب الوزارية في الرياض يأتي عن ثقة
اميركية خاصة به، فالمعروف ان موظفي السفارة السعودية في واشنطن، لا يتم تعيينهم
بغير استشارات اميركية من جانب النظام الملكي، وقد يكون بندر من السفراء السعوديين
القلائل الذين ما زالوا في مناصبهم منذ اكثر من عشر سنوات.
واستناداً إلى تقرير اوردته
"التايمز" اللندنية قبل عامين، فان صلات بندر بالادارة الأميركية
وتحديداً بأجهزة المخابرات، توطدت في عهد جيمي كارتر عن طريق هاملتون جوردان، ومن
ثم انتقلت صلات بندر بالمخابرات الأميركية لتنحصر بتشاك كوجان الرئيس السابق
لإدارة عمليات الـ سي. آي. إي في الشرق الأوسط، وذلك في مطلع الثمانينات وحيث تم
ترتيب غرفة عمليات خاصة للمخابرات الأميركية في منزل بندر في واشنطن.
وعلى ما يبدو ان تعيين بندر بن
سلطان سفيراً للسعودية في واشنطن في العام 1983، انما جاء بعد سلسلة خدمات قدمها
للأميركيين مثل عملية شحن السلاح إلى (كونترا) في نيكاراغوا، وكذلك محاولة اغتيال آية
الله فضل الله في لبنان، وتمويل الحملات الانتخابية للحزب الديموقراطي المسيحي في
ايطاليا للحؤول دون حصول الحزب الشيوعي هناك على نسبة مرتفعة في البرلمان الايطالي
يؤهله لاستلام رئاسة الوزراء الايطالية.
دوره في عملية التسوية
ربما يكون بندر بن سلطان احد العرب
القلائل الذي "بشروا" مبكراً بالنظام العالمي الجديد وبعملية التسوية
الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال استعار المعارك في حرب الخليج الثانية. ففي
الواقع، ان تصريحاً له بعد اسبوعين من ابتداء معركة استرداد الكويت، والذي جاء فيه
ان "السلام" سيعم المنطقة بأكملها بعد عاصفة الصحراء، دفع (التصريح)
المراقبين حينذاك إلى التساؤل.
عن معاني مختبئة في طيات كلام
بندر، ومن ثم اندفعت التقارير الاعلامية الغربية تتحدث عن مرحلة مختلفة سيعيشها
الشرق الأوسط، مما اعطى بالفعل تفسيرات لاحقة لمقاصد تصريح بندر، دلت على اقترابه من
دوائر صناعة القرار الأميركي، وهي التي كانت تخطط لمرحلة التسوية على انقاض حرب
الخليج الثانية.
وفي تفاصيل نشاطات بندر
التسووية، يمكن الاستعانة بما ذكرته "الشرق الأوسط" في 6/11/1991، حيّث
قالت، "ان جهود بندر الكثيفة حملت اطرافاً عربية عديدة للإندفاع إلى العملية
التسووية والمشاركة في المفاوضات، والتسليم سلفاً بنتائجها القائمة على الانهيارات
العربية والتمزقات التي تعم المنطقة من المحيط إلى الخليج.
وعلى ذلك اقتنعت الاطراف العربية
بالدخول إلى حلبة التفاوض، ليقينها ان جولات الكواليس التي قام بها بندر، انما هي في
واقع الامور، مؤشرات اميركية تؤكد جدية الأميركيين في استدعاء العرب إلى التسوية،
وما اختيار بندر، رجل اميركا الاول في المنطقة، سوى دلالات تتضح بالإصرار الأميركي
على استثمار نتائج حرب الخليج الثانية وتجهيزها لمصلحة العدو الإسرائيلي في صيغة
التسوية المعروفة الأهداف والغايات.
وانطلاقاً من التكليف الأميركي
لنبدر باستطلاع المواقف العربية، فقد قام الرجل بإتصالات سرية مع ياسر عرفات تم
عقدها في العاصمة التونسية، وعلى حد ما قالت مصادر فلسطينية حينذاك، فإن بندر:
ابلغ عرفات، بأن اشتراكه في المفاوضات يمكن ان يثمر ثلاثة نقاط تعود بالفائدة عليه
وهي:
1 ـ التأكيد على اعادة ضخ
الاموال للمنظمة في حال التوصل إلى صيغ تسووية مع "إسرائيل" بما يؤمن
لعرفات التفافاً فلسطينياً حوله، وضماناً له في التربع على راس المنظمة.
2 ـ ان جدية الأميركيين في عقد
مؤتمر التسوية، يعني البحث عن رؤوس فلسطينية تفاوضية، وفي حال تخلف عرفات عن ركوب
قطار التسوية، فإن الأميركيين سيضطرون للبحث عن البدائل وهي حاضرة متمثلة في فيصل
الحسيني العريق في الدعوات المزمنة للتعايش مع الاسرائيليين، وهذا يعني ان قطار
التسوية ينطلق بعرفات أو بدونه.
3 ـ ان استمرار الانتفاضة
الفلسطينية على الوهج المعروف، سيؤدي إلى تقليص نفوذ المنظمة في الداخل والخارج
بما يسفر عن تنامي في الحركات الإسلامية الطارحة نفسها بديلة لمنظمة التحرير، بحيث
لن تسفر استمرارية الاتفاقية إلى زيادة في الحدة والتطرف و"الاصولية"
المناقضة لتوجهات المنظمة والمتطلعة للانقلاب عليها.
النقاط السابقة الذكر، كانت
قيادة المنظمة تدرك ابعادها تماماً، خصوصاً
بما يتعلق بتنامي الحركات الإسلامية الملحوظ في الداخل.
فقد ابدت قيادات عديدة من
المنظمة مراراً، قلقها من الصحوة الإسلامية في فلسطين، إلاّ ان جديد النقاط، كان
يتخذ هذه المرة. في سعي قيادة عرفات للخروج عن مأزق تأييد العراق في اجتياحه
للكويت وبالتالي انعزال قيادة عرفات بعد هزيمة صدام حسين، وهذا ما اسهم في الرد
الايجابي على طروحات بندر التي حملت وعوداً باعادة تعويم عرفات وهو ما حصل بالفعل
اثر انخراط منظمة التحرير في عملية التسوية .
والامر الثاني الذي انجزه بندر
عشية مهرجان مدريد، تمثل في اكثر من زيارة إلى القاهرة، حيّث حمل رسائل شفوية من
الادارة الاميركية، تضمنت طلباً من الرئيس مبارك، ليقود حملة عربية لرفع المقاطعة
عن "إسرائيل" والقيام بدور التنظير للتسوية انسجاما مع "خبرة"
مصر التسووية منذ العام 1978، وأكثر من ذلك، فإن جهود بندر قبل التسوية وبعدها،
دفعت باتجاه احتضان مبارك لياسر عرفات، من اجل ابعاد الاخير عن التنسيق مع سوريا،
وتشكل حلف تفاوضي يعقد الامور ويتشدد في طرح المطالب والبرامج، الامر الذي يؤدي
إلى ايجاد عراقيل وعثرات ليست في صالح المناخ السياسي الجديد، المراد له ان يرخي
حرارته على المنطقة.
اضافة إلى ذلك، فقد استطاع بندر
اقناع ياسر عرفات، بالموافقة على الانخراط في السوية لإحراج سوريا، وحشرها في موقع
ضعيف، لا تستطيع من خلاله رفض الصيغ المطروحة للمفاوضات، وثمة من يقول في هذا
الامر، ان سوريا كانت سترفض المشاركة في عملية التسوية، لو التزم ياسر عرفات في
مقاطعتها.
وبمختلف الاحوال، فان الدور الذي
مارسه بندر مع الفلسطينيين مارسه مع السوريين، فقد قام بعدة زيارات سرية إلى دمشق،
اطلع خلالها القيادة السورية على الترتيبات الأميركية الجديدة للمنطقة، وهناك من
يؤكد ان بندر تم ارساله خصيصاً إلى سوريا، للإيحاء لقيادتها بمخاطر رفض المفاوضات،
وقد ادرك السوريون جيداً معنى قيام بندر بالجهود السرية واعتبروها رسالة اميركية
واضحة الخطر والتحذير.
إلاّ ان المسألة الاكثر هزلاً في
دور بندر التسووي، يمكن ايجاده في الزيارات التي لم يعلن عنها إلى الاردن، ففي
الوقت الذي كانت صحافة النظام السعودي تطلق كامل عدائها للملك حسين، وتحرض على
مواقفه المؤيدة لصدام في العراق، فضلاً عن ان آل سعود كانوا اوقفوا مساعداتهم
المالية للأردن، فإن بندر بن سلطان، كان يقوم بدور عراب التسوية مع الملك الاردني،
فقد زاره ثلاث مرات، ووضعه في صورة المرحلة المقبلة وانعكاساتها على الاردن في حال
تبوأ الملك حسين صدارة الداخلين في حلبة التسوية، وحسبما تقول مصادر المعارضة
الاردنية، فإن بندر وعد حسين بتقديمات مالية من دول غربية عدة، وهو ما تأكد
لاحقاً، إذ ان دولاً من المجموعة الاوروبية قدمت للأردن حوالي 225 مليون دولار بعد
شهور قليلة من انطلاق قطار التسوية.
مدريد وما بعدها
بالعودة إلى عدد الشرق الأوسط
الصادر بتاريخ 6/11/1991، فقد جاء فيه ان بندر هو اهم الوسطاء بين العرب والاميركيين،
بل انه رجل المهمات الأميركية الصعبة، ولأجل ذلك فقد ارسله النظام بطلب اميركي
ليمثله في مؤتمر مدريد في العام 1991، وليكون مراقباً في المفاوضات الثنائية بين
العرب و"إسرائيل"، وايضا ليضطلع بدور هام في المفاوضات السرية بين منظمة
التحرير والمسؤولين الصهاينة في العاصمة النروجية اوسلو، وهذه المفاوضات كما اصبح
معروفاً هي التي افرزت "اتفاق غزة ـ اريحا اولاً".
ولعل العلامة الفارقة التي برزت
في تحركات بندر مؤخراً تمثلت في تصريح له خلال شهر ايلول الماضي غداة التوقيع على
اتفاق غزة ـ اريحا في واشنطن إذ صرح بندر قائلاً ان السعودية سيأتيها الدور
للتوقيع على اتفاق مماثل.
هذا التصريح جعل العديد من
المراقبين يتوصلون إلى اعتقاد مفاده ان بندر يقود حملة لدفع العرب إلى تجاوز صيغ
التسوية واستباق النتائج المفترض الوصول إليها مع دول الطوق عبر اقامة علاقات
تجارية واقتصادية مع العدو من جانب السعودية ودول الخليج وفي الواقع ان هذا
الاتفاق كان في محله تماماً إذ لم يكد يمر اسبوع على توقيع اتفاق غزة ـ اريحا حتى
بدأت الانباء تتحدث عن رفع السعودية للمقاطعة غير المباشرة مع العدو ووصل الامر
ببعض الصحف الاجنبية لتقول ان بضائع اسرائيلية باتت تشاهد في الاسواق السعودية
بشكل روتيني انما مع حذف الدمغة المحددة لبلد التصنيع.
والشئ الذي يجدر التوقف عنده، هو
في اختيار الأميركيين لنبدر بن سلطان لإنتقاء ايات قرآنية يمكن تأويلها باتجاه
"السلام"، واستناداً إلى ما ذكرته مجلة اميركية في عددها الصادر في 26/9/93
ان كلينتون طلب من بندر مباشرة آيات قرآنية سلمية الاستعمال في تعزيز العلاقات
العربية الاسرائيلية ولأجل اقناع العرب بأن القرآن يحث على "السلام".
واستطراداً في هذه الناحية فإن
بندر حضر حفل التوقيع على غزة ـ اريحا، باللباس العربي للتأكيد على ادخال التراث
العربي في عملية التسوية. وقد اثارت صحيفة السفير اللبنانية في 14/9/93 ان بندر
حضر حفل التوقيع هذا نيابة عن فهد، ولإبراز الدور السعودي في اللقاءات السرية التي
استولدت الاتفاق الفلسطيني ـ اليهودي.
معلومات خطرة
في معلومات تعود إلى فترة اندلاع
الحرب بين ليبيا وتشاد في العام 87 ذكرت مجلة "جون افريقيا" الفرنسية،
ان بندر بن سلطان دخل على جبهة الحرب ضد ليبيا، عبر تمويل صفقة سلاح للجيش
التشادي، وشملت الصفقة تزويده بصواريخ ستينغر، وهي صواريخ امريكية الصنع، كان
الامريكيون يفرضون حظراً على بيعها لغير حلف شمالي الاطلسي، ولم يسلموا منها إلاّ لبعض
الفصائل الافغانية ولقوات حسين حبري، وبموجب هذه الصفقة، فقد تسنى للجيش التشادي
اسقاط عشرات الطائرات الليبية وتحويل مجريات الحرب لصالح حسين حبري والحاق هزمة
ساحقة بالليبيين.
كما ان صفقة سلاح كبيرة، استطاع
بندر تمويلها في مطلع العام الجاري لقوات جون قرنق في السودان، واكتشف اسرار هذه
الصفقة الرئيس الكيني الذي ابلغ الفريق عمر البشير، بأن باخرة سلاح سعودية متجهة إلى
كينيا من ميناء جدة وقد كشف الرئيس البشير اسرار التمويل السعودي لحركة جون قرنق
في نيسان الماضي، واكد ان دولة افريقية اطلعته على دور سعودي مشبوه في جنوبي
السودان.
إلى ذلك فإن معلومات من مصادر
فلسطينية خاصة، تؤكد ان مئات من رجال الشرطة الفلسطينية الذين تدربوا في جذر
هاواي، قد تم الاتفاق على تدريبهم من حساب بندر الخاص في المصارف الامريكية، وإذا صحت
هذه المعلومات، فأنه يمكن تعميمها على معسكرات التدريب الفلسطينية في الاردن، ومصر
وبتمويل سعودي أيضاً وبأشراف بندر ما يعني ان دور السعودية في عملية السلام يتشعب إلى
جهات عديدة وبموقعه في صدارة الأدوار الخيانية التي تشكل طبيعة هذه المرحلة
الرديئة.
خاتمة
بعيداً عن ذلك، فلا بأس من تعداد
مآثر أخرى لبندر لها علاقة بمجمل حركته السياسية المتطلعة إلى تأكيد نفوذه في
الوسط السعودي الحاكم وبالتعاون الدائم مع عواصم العرب التي بدأت منذ سنوات تعتبر
بندر احد اهم رجال آل سعود.
وفي هذا، يشار إلى صفقة الاسلحة
التي ساهم بندر في انجازها في العام 1991، بين آل سعود وبريطانيا تلك الصفقة التي
تجاوز سعرها عشرة مليارات دولار وضمت 48 طائرة تورنادو و30 طائرة هوك و40 مروحية،
اضافة إلى شبكة صواريخ انكليزية، وقد وفرت هذه الصفقة تشغيل المصانع الانكليزية
العسكرية لثلاث سنوات، كما ان بندر ساهم في ابرام صفقات مماثلة مع الأميركيين منذ
اجتياح العراق للكويت قبل عامين.
واخيراً قد يرى البعض في هذه
السندية تضخيماً لدور بندر وتكبيراً لحجمه، وما يقال في هذا الصدد ان الدور القوي
لوالده سلطان وزير الدفاع، وهو من منصب رفع جداً في لعبة توزيع المناصب السعودية،
يتيح لبندر ان يلعب الدور الذي يريده تسليحياً مع الخارج، وسياسياً في الداخل،
ومعروف ان سلطان هو النائب الثاني لرئيس الوزراء السعودي، أي انه ولي عهد الملك
المقبل عبد الله، وعدا ذلك، فأن قناعة آل سعود بالعلاقة الحميمة التي تربط بندر
بالادارة الأميركية وبجهازها المخابراتي، تجعل منه رقماً صعباً في المعادلة السعودية،
لا بل مطلباً وضرورة بعد ابعاد شقيقه خالد عن الساحة. أيضاً فأن ادوار بندر
المخابراتية التي اصبحت معروفة، من مثل تمويل الكونترا ومحاولة اغتيال السيد فضل
الله، لا تنم عن غير احتضان الولايات المتحدة الأميركية للرجل، بما يدفع إلى توقع
السيئات الكثيرة منه وان يلعب ادواراً خطيرة للغاية في المستقبل.
وعلى العموم ان من حق اهلنا في
الحجاز ان يتساءلوا عن معنى دعوات بندر لعلاقة طبيعية بين السعودية واسرائيل وعن
معنى تصريحات بندر القائلة بأن آل سعود يستعدون لتمويل عملية السلام مع العدو، وعن
معنى ان يعلن بندر من واشنطن ان السعودية ستشارك في افتتاح مصارف مشتركة مع
اليهود، وعن معنى ان تصبح اللقاءات دورية بين بندر والسفير الإسرائيلي في الولايات
المتحدة، وعن معان أخرى سيكشفها الزمن المقبل، وكل شكوك ارتباط لبندر بغيره من آل
سعود بالمشاريع الأميركية الهادفة لتمزيق العالم العربي ونهب ثرواته واستعباد
شعوبه.
رسالة الحرمين عدد/45 تشرين الثاني /1993 |