|
الأمن السعودي: الحقيقة والوهم
مفهوم الأمن
الوطني أو القومي في أي بلد يعرف أنه أمن المجتمع الذي يعيش في ذلك البلد وسلامة
أراضيه. فأين يقع ياترى حقيقة الأمن السعودي من هذا التعريف? الإجابة على هذا
السؤال نجدها بعد الإجابة على مجموعة من التساؤلات من خلال استنطاق الخبراء ومراكز
المعلومات.
من
هو العدو في المملكة ؟
حينما كانت الدولة السعودية الحديثة في
طور التأسيس كان الخصم الأول لعبد العزيز هو آل رشيد, الذين كانوا يسيطرون على جزء
كبير من نجد وشمال الجزيرة العربية, وبعد القضاء على بن رشيد وعدد من القوى غير
الرئيسية في شرق وجنوب الجزيرة كان الخصم الأخطر والأعند هو الشريف حسين في الحجاز
واستطاع عبد العزيز القضاء على الهاشميين في الحجاز باستثمار عوامل داخلية
والإستفادة من قوى خارجية ثم واجه عبد العزيز تحديا خطيرا جدا من قبل الأخوان الذين كانوا قوته الضاربة
في حربه مع الحجاز ومع القبائل الأخرى, .. وبعد أن قضى على الإخوان و دانت له معظم
أجزاء الجزيرة تكونت الدولة بالعرف الدولي الحديث, وكان لابد أن تدخل الفلك الدولي
وتحدد موقعها السياسي والعسكري والاجتماعي والأمني, وقد تطلب ذلك تحديد من هم الأصدقاء
ومن هم الأعداء, ولقد اعتقد كثير ممن أحسن الظن أن ذلك التحديد بني على استراتيجية
منبثقة عن منطلقات مبدئية تتخذ الإسلام والعروبة محورا لها... لكن الحقيقة كما تكشفها الوثائق وأقوال المختصين
والمطلعين هي غير ذلك, إذ كان يفترض في بلد يرفع شعار الإسلام ويدعي تطبيق الشريعة
أن تكون إسرائيل والقوى العظمى المؤيدة لها هي الخطر الأكبر على أمته واستقراره
لكن الحقيقة أن إسرائيل لم تكن يوما
من الأيام في قائمة العدو عسكريا
ولا أمنيا , وبالضرورة لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية عدوة بل الأعجب
من ذلك أن الذي يحدد من هو العدو ويحدد الإستراتيجية العسكرية والأمنية ليس
السعوديون أنفسهم بل يحددها لهم نفس من يفترض أن يكون عدوا لهم حسب الراية المرفوعة والمبادىء
المدعاة, ولكن هناك ماهو أكثر عجبا
وهو أن مزيدا من النظر
والتأمل في الوثائق والمعلومات يدلنا عل العدو الحقيقي والأخطر على آل سعود والذي
صيغت من أجله المخططات العسكرية. ونترك القارىء يتأمل ما سنعرضه الآن من نقولات
حتى يستنتج بنفسه .. من هو العدو في المملكة؟.
أدلت السيدة
لوسي ويلسون بنسون مساعدة وزير الخارجية لشؤون المساعدات الأمنية والعلمية
والتكنولوجية بإفادة أمام اللجنة الفرعية لشؤون الأمن الدولي والشؤون العلمية
والأوروربية والشرق أوسطية, التابعة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ
(السيناتورات) الأمريكي, في شهر كانون الثاني/ديسمبر عام 1979.
وقد تحدثت السيدة بنسون عن أسباب التسلح
السعودي ردا على سؤال وجه إليها من
قبل سيناتور فقالت:
إن التخطيط
العسكري السعودي يعتبر اليمن الجنوبي والعراق الخطر المباشر الذي يهدد المملكة.
فكلاهما يتمتع بموارد كافية على الصعيد العسكري أو في مجال تنظيم الأعمال
التخريبية بما يكفي لجعل القلق السعودي مشروعا . وحتى تواجه المملكة الخطر اليمني
والعراقي فقد شرعت منذ أعوام في خلق جيش قوي, عبر تنفيذ برنامج متعدد المراحل (وفي
اعتقادنا منسجم) لتطوير وتوسيع قواتها المسلحة وتطوير معداتها العسكرية لهذه الغاية". (المصدر: مناقشات
لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي).
ثم تدخل
السيناتور هاميلتون رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية وسأل السيدة بنسون ما
يلي:
ـ السيناتور
هاميلتون: ذكرتي لنا أن أكثر خطر
مباشر على المملكة السعودية يأتي من اليمن الجنوبي والعراق. هل تستطيعين تزويدنا
بمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع؟
ـ السيدة
بنسون: إن هذين الخطرين هما أكثر الأخطار المباشرة, جزئيا بسبب قربهما الجغرافي, وجزئيا بسبب العلاقة المتوترة بين المملكة
واليمن الجنوبي التي يعود عهدها على الأقل لبداية الحرب العالمية الثانية.
ـ المستر
هاميلتون: هل وصل الوضع إلى حافة التدهور بحيث أن السعوديين يخشون حدوث غزو
لأراضيهم من قبل اليمن الجنوبي والعراق؟
ـ السيدة
بنسون: أعتقد أن السعوديين يخشون فعلا
حدوث غزو لأراضيهم وليس هناك أي جدل حول ذلك.
ـ المستر
هاميلتون: وهل نشاركهم في مخاوفهم تلك؟
ـ السيدة
بنسون: أنا لا أخشى حدوث هجوم اليوم, إلا أنه ليس لدي ضمانات ألا يحدث ذلك في
الأسبوع المقبل.
ـ السيناتور
هاميلتون:وماذا عن العراق؟ كان لدي انطباع بأن العلاقات السعودية - العراقية تحسنت
مؤخرا . هل أنا على خطأ ؟
ـ السيدة
بنسون: كلا. إن معلوماتنا تفيد بأن
السعوديين شك لوا علاقة عمل مع العراقيين. أما في الأمد الطويل, فإن السعوديين
يشعرون حتما - ونحن نشاركهم في ذلك
الشعور - بأن العلاقة مع العراق ستبقى متوترة. لقد كان السعوديون يخشون باستمرار
في الماضي حدوث غزو عراقي, وهم يؤكدون ويشد دون على ذلك باستمرار حين يلتقون بنا.
ـ السيناتور
هاميلتون: أنت تعتقدين أن السعوديين يخشون اليوم حدوث غزو عراقي؟
ـ السيدة
بنسون: أنا لا أعتقد أنهم يخشون حدوث ذلك فورا . إلا أنني متأكدة من أنهم يعتقدون
أن العراق يشكل خطرا مؤكدا لدرجة أنهم يعتقدون أنهم يجب أن يكونوا
جاهزين لملاقاته. ولهذا فهم يرغبون بضمان وجود قوات كافية لدرعه. (المصدر: مناقشات
لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي).
ليس ذلك
فحسب. فالمعروف أن العائلة الحاكمة طلبت من الولايات المتحدة مساعدتها على تشكيل
وتسليح وتدريب جيش قادر على مواجهة خصوم العائلة المحليين والعرب. وقد أرسلت وزارة
الدفاع الأمريكية عدة بعثات عسكرية للمملكة لدراسة الخطر الذي تواجهه الأسرة
الحاكمة وعمل خطط للتصدي لذلك الخطر. فعلى سبيل المثال قام سلاح الجو الأمريكي في
السبعينات بإجراء سبعة دراسات تتعلق بإنشاء سلاح جو سعودي أطلق عليها "برامج
صقر السلام", وتبنى سلاح الجو السعودي جميع تلك الدراسات. كما أجرت شركة لوكهيد
لصناعة الطائرات وعدة شركات سلاح أمريكية أخرى كشركة "بي دي إم" دراسات
متنوعة لسلاح الجو السعودي والحرس الوطني والقوات البرية والبحرية وسلاح
الحدود وهذا الوضع يعتبر فريدا من نوعه في التاريخ العسكري للأمم. إذ لم
يحدث أن كلفت دولة, دولا أخرى برسم
كامل خططها الدفاعية والتسلحية والتدريبية والصيانية والأمنية, وتبنت جميع
التوصيات التي اقترحتها تلك الدراسات دون اعتراض, خصوصا أن تلك الدراسات أجرتها دولة معادية للإسلام والعرب ومتحالفة
مع أعدائهم. وإذا كان ذلك غريبا , فإن الأغرب من ذلك هو أن جميع تلك الدراسات افترضت
أن العدو هو العرب ولم تشر أية دراسة إلى إسرائيل بصفتها عدو على الإطلاق. وهذا
يعني أن الخطط العسكرية السعودية لا تتضمن أية خطط هجومية أو حتى دفاعية تجاه
إسرائيل لأنها لا تصنفها كعدو. فعلى
سبيل المثال افترضت أحد دراسات "صقر السلام" أن جميع الدول العربية هم
إما أعداء حقيقيون أو محتملون للمملكة, وبالتالي فإن المملكة تواجه أعداء محتملين
على كافة حدودها مع العرب, ولم تذكر الدراسة اسم إسرائيل لا كعدو محتمل أو كعدو
حقيقي, ولم توصي بتبني أية خطط دفاعية أو هجومية ضد إسرائيل. وهكذا فقد أوصت
الدراسة بأنه "ليس هناك إمكانية للدفاع عن المملكة ضد هجوم عربي محتمل سوى
بتشكيل سلاح جو فعال والاعتماد عليه كخط دفاع أول عن المملكة" . أما دراسة
"صقر السلام" الأخرى التي أجراها سلاح الجو الأمريكي للأسرة السعودية
فقد تحدثت بصراحة حيث ذكرت أن على المملكة "أن تتبنى سياسة دفاعية محيطية ضد
اليمن الجنوبي واليمن الشمالي والعراق وسوريا والأردن.
وكما نرى
فإن اسم إسرائيل لم يرد في قائمة الأعداء.
ليس ذلك
فحسب. فقد ذكر الجنرال إرنيست غريفر مدير وكالة المساعدات الأمنية الدفاعية في
وزارة الدفاع الأمريكي في إفادته الخطي ة المقدمة للكونغرس الأمريكي أن مبيعات
السلاح الأمريكي للمملكة السعودية ضرورية على ضوء الخطر اليمني الجنوبي والخطر
العراقي (المصدر: مناقشات الكونغرس الأمريكي).
ولعل ما
ذكره كبير مسؤولي مجلس الأمن القومي الأمريكي وليام كواندت في كتابه "المملكة
السعودية في الثمانينات" يعطي فكرة عن الطريقة التي اتبعها آل سعود للتعامل
مع أمن البلاد. فقد استهل المسؤول (الذي يعرف حقائق الوضع بحكم اطلاعه على الوثائق
السرية لجميع أجهزة المخابرات الأمريكية) الحديث بتعريف المملكة السعودية, فقال إن
المملكة هي عبارة عن "مشروع تجاري عائلي" (Family
Enterprise) تملكه الأسرة
الملكية الحاكمة. وذكر الخبير أن الأسرة الحاكمة كانت متحمسة للتحالف مع
الأمريكيين لدرجة السماح لهم باستخدام أراضيهم كجزء من شبكة القواعد الاستراتيجية
الأمريكية في العالم. وقال إنها حصلت مقابل ذلك على ثروة لم يحلم بها أحد, وعلى
حامي قوي البأس (يقصد أمريكا) (الصفحة 49).
القوات
المسلحة السعودية والأسرة الحاكمة:
ثم انتقل
الخبير للتحدث عن موقف الأسرة الحاكمة من قضية أمن المجتمع فكتب ما يلي:
"لم
يقم السعوديون حتى عام 1970 بأية جهود جد ية لتطوير آلة عسكرية وجيش قوي. أما
السبب فهو أن الأسرة الحاكمة كانت تخشى منح العسكريين أية قوة أو نفوذ. فتاريخ
المنطقة حافل بالأمثلة التي تحدثت عن أنظمة ملكية أطاح بحكمها ضباط مصلحون. وحتى
تتفادى الأسرة الحاكمة إمكانية حدوث انقلاب ضدها فقد اعتمدت على الحرس الوطني الذي
جندته من القبائل الموالية ونشرته في مناطق استراتيجية قرب الرياض وجدة والظهران,
وحرصت العائلة على إبقاء الجيش وسلاح الجو بعيدا عن المناطق السكنية وبلا ذخيرة. وقد ساعدت تلك الإجراءات على
منع حدوث تدخل سياسي من قبل المؤسسة العسكرية, إلا أنها أدت إلى تدهور القدرات
العسكرية السعودية" (الصفحة52).
وكما نرى فإن
الأسرة الحاكمة لم تكن تنفذ استراتيجية عسكرية غايتها الدفاع عن أمن البلاد وإنما
كانت تنفذ خطة عسكرية غايتها ضمان أمن العرش. فقد لجأت الأسرة على صعيد المؤسسة
العسكرية السعودية لتطبيق مجموعة من الخطط, ولاتخاذ سلسلة إجراءات ضمنت لها
الهيمنة على تلك المؤسسة. ولعل على رأس تلك الخطط والإجراءات منع ظهور جيش قوي على
أرض المملكة حتى لا يؤدي ذلك إلى تهديد أمن العرش ذات يوم مكفهر وليلة ظلماء. وقد
بقيت هذه الخطة سارية المفعول حتى أوائل السبعينات, حيث تغيرت من حيث الشكل وليس
الجوهر, حيث سمحت السلالة الملكية بإنشاء قوة عسكرية على الأراضي التي تهيمن
عليها, شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى تهديد أمن العرش. وقد تم ترجمة تلك المعادلة على
شكل جيش معظم قادته من الأمراء, تأمره وزارة دفاع يقودها أمير يؤمن بسمو وارتقاء
مبدأ "الولاء" على مبدأ "الكفاءة", ويعتقد أن "علم
الاستراتيجية العسكرية" يعني عقد صفقات السلاح الذي لا يجيد أحد استخدامه
مقابل الحصول على العمولات وأموال النهب المشروع. أما الترجمة الأخرى لمعادلة
الجيش الذي يحمي ولا يهدد فجاءت على شكل جيش احتياطي يدعى "الحرس
الوطني" (!!!), مهمته أن يلعب دور بوليصة تأمين للعرش, وأن يحمي آبار نفط
السلالة الحاكمة, وأن يدمر الجيش إذا هدد أمن العرش. أما مهمة الجيش فمماثلة, إذا
حدث وأن هدد الحرس أمن العرش. وقد عبر صحفي بريطاني محن ك وضليع في "علم شؤون
العرش" عن معادلة القوة السعودية بقوله إن الأسرة الملكية أرسلت قائد الجيش
(سلطان) إلى الولايات المتحدة لشراء أسلحة للجيش, وأرسلت قائد الحرس (عبدالله) في
ذات الوقت إلى بريطانيا لشراء أسلحة للحرس مهمتها تدمير الأسلحة التي اشتراها
سلطان للجيش, إذا حدث تمرد في الجيش السعودي على حكم الاستبداد.
أما
الإجراءات الأخرى التي اتبعتها السلالة الملكية لضمان أمن العرش فقد تمثلت بعزل
جميع أسلحة المؤسسة العسكرية عن بعضها ونزع فتيل الانفجار منها كاحتياط احترازي.
وقد عنى ذلك منع قادة سلاح الجو من الاتصال مع بعضهم حتى على الصعيد الشخصي,
ومنعهم من التنسيق مع قادة سلاح البحرية, وقادة القوات البرية, وقادة الحرس الوطني
والملكي, ومع ضباط المخابرات وكبار مسؤولي جهاز الأمن الداخلي والخارجي. وهذه
الإجراءات تعتبر فريدة من نوعها في تاريخ الجيوش, لأن جميع الحروب المعاصرة تتطلب
تنسيق الخطط الهجومية أو الدفاعية بين جميع أسلحة المؤسسة العسكرية. أما الإجراء
الثالث لضمان أمن العرش فقد تمثل بتطبيق خطة "تسلل" إلى المؤسسة
العسكرية عن طريق تعيين الأمراء كقادة للوحدات والفرق العسكرية دون أخذ كفاءاتهم
بعين الاعتبار, بالإضافة إلى تسللهم إلى صفوف الضباط المتوسطي المراتب بحيث يقومون
بدور عين وأذن السلالة الحاكمة الساهرة في صفوف القوات المسلحة للإبلاغ عن جميع
العناصر المتمردة أو الخطرة حتى يجري إبادتها أو طردها من الخدمة أو شراء ولائها.
أما الأمراء العاملون في سلاح الجو فقد شكلت السلالة الحاكمة لهم سربا من الطائرات المقاتلة والمعترضة (24
طائرة) مهمته تدمير أية محاولة انقلابية قد تحدث في سلاح الجو, أطلق عليه
"السرب المضاد للإرهاب".
الإجراء
الأمني الآخر تمثل بمحاولة شراء أفضل الأسلحة الحديثة والمتطورة حتى حين علم آل
سعود أن قواتهم المسلحة عاجزة عن استيعابها. وكانت التحقيقات التي أجريت مع
الطيارين السعوديين الذين قاموا بمحاولة انقلابية فاشلة في عام 1969 قد أظهرت أن
أحد أهم الأسباب التي دفعت هؤلاء الطيارين للتمرد هو رداءة الأسلحة التي اشتراها
آل سعود لهم, وشعورهم بأن حكامهم عاجزين عن شراء أسلحة متطورة, ولأنهم أصروا
باستمرار على شراء الأسلحة الأمريكية التي تباع بشروط تقيد حرية المملكة
بالتصرف.لهذا تعلم آل سعود درسا مما
حدث وبدأوا بمراقبة برنامج التسليح لتفاذي نفس المشكلة.
أما الإجراء
الأمني الأخير الذي اتبعته السلالة الحاكمة لضمان أمن العرش فقد تمثل بربط المؤسسة
العسكرية السعودية برمتها وعلى جميع الأصعدة بالولايات المتحدة ومؤسساتها
العسكرية. وقد نتج عن ذلك الاتكال السعودي الكلي والشامل على الأسلحة, وقطع
الغيار, والتدريبات, والأنظمة التسلحية, وأعمال الصيانة, والتخطيط والدعم الحربي
الأمريكي. أما النتيجة الأخرى للاتكال الكامل على الولايات المتحدة فهي تسلل
العسكريين والفنيين والخبراء الأمريكيين إلى المؤسسة العسكرية السعودية على جميع
الأصعدة وبكثافة كبيرة. فعلى سبيل المثال تحتاج(12) مقاتلة من طراز إف - 15 إلى
(293) خبيرا وفنيا ومهندسا أمريكيا على
الأرض لتمكينها من التحليق جوا . وقد فاق عدد الخبراء والفنيين والمهندسين
الأمريكيين العاملين في المؤسسة السعودية العسكرية في أواسط السبعينات الأربعين
ألف. وقد ضمن هؤلاء الأمريكيين ألا تسبب المؤسسة العسكرية السعودية أية متاعب لأمن
العرش عن طريق تغلغلهم بها, وهيمنتهم على جميع شؤونها التخطيطية والتسلحية
والتدريبية والصيانية والأمنية. بالإضافة إلى ذلك, قام آل سعود بتعيين جنرال
أمريكي بمنصب رئيس المخابرات العسكرية السعودية دون أن يعلنوا ذلك لتفادي الحرج,
وعمدوا إلى استخدام ضباط المخابرات العسكرية الأمريكيين السابقين وضباط المخابرات
البريطانية السابقين للإشراف على أجهزة الأمن العسكري والخارجي. وقد أدى التغلغل
الأمريكي الكثيف في المؤسسة العسكرية السعودية إلى ضمان عدم حدوث انقلاب ضد العرش
السعودي بسبب اتكال العسكريين السعوديين الكامل على الخبراء والفنيين والمدربين
وعمال الصيانة وخبراء التخطيط الأمريكيين. وهذا يعني تلقائيا أنه إذا حدث انقلاب في المملكة السعودية
فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة تقف وراءه بلا جدل, وإلا لما حدث.
وقد أدى عقد
صفقات السلاح الكبيرة والمتتالية إلى إرسال آلاف الضباط السعوديين إلى الولايات
المتحدة لدراسة اللغة وللتدريب على استخدام الأسلحة المشتراة. وقد نتج عن ذلك تأثر
بعض أوائل الضباط بشدة بأجواء العالم الغربي التي لم يعهدوا لها مثيلا من قبل, وإلى إعجابهم التدريجي بالحضارة
الأمريكية, وإلى تعلقهم بمتع الحياة الدنيا التي أتيحت لهم هناك, كما أدى ذلك إلى
تحول قطاع كبير منهم إلى مؤيدين للسياسة الأمريكية, وهو ما سعى إليه آل سعود منذ
البداية كطريقة لدعم أمن عرشهم عن طريق نشر النفوذ الأمريكي في الأوساط العسكرية
والطلابية والحكومية السعودية. كما أن آل سعود يتأملون أن ييأس ضباطهم من فكرة
التخلص من الولايات المتحدة أو معاداتها بسبب اعتماد هؤلاء الضباط الكلي على
الخبراء العسكريين الأمريكيين. وقد علق مسؤول كبير في إدارة كارتر على الوضع
بقوله: إن تغلغل الفنيين والضباط الأمريكيين العميق في المؤسسة العسكرية السعودية
سيحول دون استخدام الأسلحة الأمريكية ضد رغبات الولايات المتحدة.
وأخيرا ,
أغدق آل سعود المال على ضباطهم لشراء ولائهم, ومنحوهم رتبا لا يستحقوها, وعاملوا كبار الضباط معاملة
الأمراء, وسمحوا لهم بالسفر للخارج والسكن في أفخم القصور, ووضعوا أساطيل السيارات
تحت تصرفهم, وفتحوا حسابات سرية في البنوك السويسرية للموالين منهم للحفاظ على
ولائهم. وقد اتخذ آل سعود جميع الخطط والإجراءات المذكورة أعلاه عملا بأحكام الشريعة الإسلامية, كما يفهموها.
وقد بدا
للسلالة الملكية الحاكمة أن الإجراءات التي اتخذتها كانت "نعمة" على
العرش لأنها حالت دون تدخل العسكريين في شؤونه ومنعتهم من تهديده. إلا أن السلالة
عاشت لتكتشف أن تلك الإجراءات أثبتت أنها "نقمة" لأنها أدت إلى تدهور
القدرات العسكرية للمملكة, واكتشفت أنه مع أن الإجراءات الأمنية الاحترازية نجحت
في ضمان أمن العرش لعقود طويلة, فقد هددت أمن البلاد, لأنها أنتجت قواتا مسلحة مشتتة وضعيفة وممزقة وغير قادرة
على الدفاع عن البلاد, حتى حين بلغت نسبة الإنفاق العسكرية السعودي في السبعينات
(1837) دولارا لكل مواطن سعودي
سنويا , مقابل (543) دولارا في
الولايات المتحدة, و(433) دولارا في
الاتحاد السوفياتي, وحتى حين أنفقت السلالة على التسلح خمسة أضعاف حجم المعونات
العسكرية الأمريكية لإسرائيل منذ عام 1948 حتى أوائل الثمانينات. وبعد كل ذلك, وجد
العرش نفسه يحتمي بالحراب الأمريكية أثناء أزمة الكويت, لأنه قرر في السابق تثليم
حرابه بسبب انشغاله بعبادة ذاته, مما أدى إلى نسيانه الأرض والإنسان والأوطان
والقرآن والرحمن, وجل الذي لا يسهو....
المؤسسة
العسكرية السعودية والصراع على النفوذ في الأسرة الحاكمة
ولعل الوصف
الذي ذكره أنتوني كوردسمان (وهو أكبر خبير في الشؤون السعودية العسكرية) في العالم
للوضع في وزارة الدفاع التي يرأسها الأمير سلطان كما كان عليه في أواخر السبعينات
يؤكد التصو ر المذكور. فقد كتب الخبير كوردسمان في كتابه "الخليج: البحث عن
الاستقرار الاستراتيجي" ما يلي:
؛كان كل قسم
من أقسام وزارة الدفاع السعودية يعمل وكأنه دائرة مستقلة, وكانت جميع القرارات
المهمة ترفع للوزير. أما الإجراءات والتعاليم الإدارية فكانت تعاني من ضعف هيكلي,
ولم يكن أحد يتقيد بها. كما أن الوزارة لم تكن على الإطلاق قادرة على إجراء أي تخطيط
استراتيجي مستقل. أما نظام شراء الأسلحة فقد بقي بدائيا لأن الوزارة اعتمدت على الاستشارات الخارجية في كل مرة اشترت
فيها صفقة سلاح. كما أن هذه الصفقات كانت تفتقر إلى الانسجام مع بعضها ولم تكن
تشكل عناصر خطة تسلح شاملة, ولم تكن منسجمة مع ميزانية الدفاع. بالإضافة إلى ذلك
تم إبقاء الوزارة في حالة عزلة تامة عن الوزارات الأخرى« (كوردسمان - الصفحة 196)
.
ولعل الوصف
الذي ذكره كبير خبراء الشؤون العسكرية السعودية أنتوني كوردسمان للصراع الذي حدث
عقب اغتيال فيصل بين الأمراء الكبار على النفوذ يعطي فكرة عن أنانية العائلة وحبها
للذات وتضحيتها بأمن البلاد من أجل المصالح الفردية والشخصية. فقد وصف الخبير
العسكري الكبير الصراع الذي حدث بين فهد وسلطان وعبدالله على جثة القوات المسلحة
السعودية كما يلي:
؛تأثرت
عملية تطوير القوات المسلحة السعودية بالتنافس على النفوذ بين الأمير عبدالله
والأمير سلطان, وبخلافات أخرى حدثت في صفوف الأسرة الحاكمة وتفاقمت عقب موت فيصل.
فمنذ البداية وعبدالله وسلطان في خلاف مستمر حول الدور الذي يجب أن يلعبه الحرس
الوطني ونوعية الأسلحة التي يجب أن يستخدمها. وقد وصل الخلاف إلى أوجه في تموز
1977 حين اقترح ولي العهد فهد (المتحالف مع سلطان والمنافس لعبدالله) تخفيض عدد
أفراد الحرس الوطني, وإلغاء جميع صفقات الأسلحة الثقيلة المعقودة لحسابه, وتحويله
إلى جهاز شرطة عوضا عن كونه قوة
عسكرية. وقد اعترض الملك خالد (المؤيد لعبدالله قائد الحرس) والأمير محمد وسعود
الفيصل على اقتراحات فهد وقاوموها بشدة, وأصر الملك خالد على أن يستمر الحرس
الوطني وجهاز المخابرات تابعان للملك مباشرة.« (كوردسمان, الصفحة 181).
ثم تحدث
الخبير العسكري الكبير عن انعدام التنسيق الحادث بين أجهزة الأمن الداخلي
والمختلفة نتيجة التنافسات الحادثة بين الأمراء على النفوذ وتعامل هؤلاء الأمراء
مع تلك الأجهزة وكأنها متاع شخصي يسخرونه لخدمة مصالحهم الذاتية والتعبير عن
نعراتهم العائلية والعشائرية وحقدهم على بعض. فقد كتب الخبير يقول:
وقد أبقى الأمير سلطان والأمير عبدالله
الجيش اولحرس الوطني معزولين عزلة تامة عن بعضهما حتى تاريخ حدوث التمرد في الحرم
في تشرين ثاني/نوفمبر 1979. ولم يحاولا القيام بأية جهود لإنشاء نظام اتصالات
مشترك بين الجيش والحرس, أو القيام بأية مناورات عسكرية مشتركة, أو إجراء أية
تدريبات مشتركة, أو تبادل أي معلومات مخابرات بينهما.
وقد وقع
جهاز المخابرات ضحية شقاقات مماثلة. إذ امتنع هذا الجهاز عن مشاركة الجيش والحرس
الوطني بالمعلومات المخابراتية التي يجمعها. كما أن وزارة الداخلية التي يرأسها
نايف (المنافس لعبدالله) امتعنت عن مشاركة الحرس الوطني بمعلومات المخابرات التي
تجمعها عن الوضع الداخلية. وقد أدى عزلة هذه الأجهزة عن بعضها إلى تشتيت قدرات
جهاز الأمن السعودية وإصابته بالضعف والاختلاط خلال عقد السبعينات بأكمله.
بالإضافة إلى ذلك, فقد عنى هذا الوضع أن الحرس الوطني ركز كامل انتباهه على
التنافس مع الجيش عوضا عن أداء
المهمة التي كلف بها. كما أن التنافسات بين الأمراء منعت التدفق الطبيعي للمعلومات
المخابراتية والأمنية بين البوليس والمخابرات والحرس الوطني وجهاز الأمن الداخلي
والجيش من الحدوث وأدت إلى عزلة هذه الأجهزة عن بعضها, وتنافسها عوضا عن التنسيق بينهما. (كوردسمان, الصفحة
181).
ثم تحدث
الخبير العسكري كوردسمان عن أثر التنافس والشقاق الحادث بين الأمير عبدالله قائد
الحرس الوطني والأمير سلطان وزير الدفاع وقائد الجيش على تشتيت وإضعاف جهود
الخبراء العسكريين والمدربين وخبراء الصيانة الأمريكيين فكتب يقول:
أما التنافس
بين الأميرين عبدالله وسلطان فقد أدى إلى التأثير على جهود الخبراء العسكريين
الأمريكيين. فقد تضاءل التنسيق إلى حد كبير بين الخبراء العاملين في مختلف
القطاعات (الجيش والمخابرات والأمن الداخلي والحرس الوطني) وحدث توتر بين الخبراء
الأمريكيين العاملين مع الجيش والخبراء العاملين مع الحرس الوطني ووزارة الداخلية.
كما أن
التوتر الناتج بين الحرس والجيش كان هو السبب الذي دفع الأمير عبدالله لشراء أسلحة
ألمانية للحرس لم تكن متوفرة للجيش لأن شركات السلاح الأمريكية والفرنسية كانت على
علاقة ودية مع غريمه الأمير سلطان. وهناك أدلة تفيد بأن الحرس الوطني يعتمد على
خبراء عسكريين أجانب لا يتخذون - كالخبراء الأمريكيين العاملين في الجيش ووزارة
الداخلية - موقفا محابيا من إسرائيل. (كوردسمان, الصفحة 182)
ثم تحدث
الخبير العسكري كوردسمان عن أثر التنافس المدمر بين الأمير سلطان (الذي ينتمي إلى
عشيرة السديريين) والأمير عبدالله (الذي ينتمي إلى قبيلة شمر) على عمليات اتخاذ
القرارات الجوهرية والمهمة المعلقة بأمن البلاد فكتب يقول:
كما أن
التنافس بين الأمير سلطان والأمير عبدالله أدى إلى رفع جميع القرارات التي تؤثر
على الصراع بين الأميرين إلى الأميرين مباشرة. أما نتيجة ذلك فكان حدوث تأخيرات
طويلة في اتخاذ القرارات العسكرية المهمة, وإلى دفن العديد من القرارات المهمة.
(يقصد تجميدها وعدم اتخاذ قرار بشأنها). كما أن التنافس بين الأميرين أحدث مشاكل
حتى في داخل الحرس الوطني لأن نائب قائد الحرس الأمير بدر كان ينتمي في الماضي إلى
فئة "الأمراء الأحرار" الذين تمردوا بزعامة الأمير طلال, وبالتالي فإن
الأمير بدر لا يحظى على ثقة قائد الحرس الأمير عبدالله (كوردسمان الصفحة 182).
ثم أشار
الخبير العسكري الأمريكي كوردسمان إلى أثر الصراع على النفوذ الضار بين الأمير
عبدالله والأمير سلطان على أمن البلاد والمجتمع فكتب يقول:
كما أدى
التنافس بين الأميرين إلى حدوث صراع حول موضوع التجنيد الإلزامي. فقد تبنى الأمير
سلطان سياسة تجنيد لا تعتمد على التجنيد القبلي (بهدف إضعاف نفوذ عبدالله الذي
يرأس حرسا من رجال القبائل). أما
الأمير عبدالله فقد أيد بشدة إبقاء نظام التجنيد القبلي, وقاوم بشدة فكرة التجنيد
الإلزامي. (كوردسمان الصفحات 182 - 183).
ثم أشار
الخبير العسكري إلى الطريقة التي تتعامل بها الأسرة الحاكمة مع المؤسسة العسكرية,
وكيف أدى حرص العائلة على البقاء في الحكم إلى إضعاف القدرات العسكرية للجيش
والقوات المسلحة السعودية, فكتب يصف ما حدث نتيجة المحاولة الإنقلابية التي حدثت
في عام 1969 والتي اعترف الجنرال جورج كيفان رئيس مخابرات سلاح الجو الأمريكي
ورئيس أركان الجيش الأمريكي السابق أن المخابرات الإسرائيلية هي التي أحبطتها:
قامت
السلطات السعودية حين اكتشفت أمر المحاولة الانقلابية بحملة اعتقالات واسعة النطاق
في صفوف اليمنيين والقبائل السعودية في شهر مارس 1969, ثم اعتقلت (130) ضابطا في الفترة حزيران - أيلول من ذات العام.
أما سبب شعور الأسرة الحاكمة بالخوف فكان مرجعه حدوث انقلاب ضد الملك إدريس
السنوسي في ليبيا. وقد استمرت حملة الاعتقالات لفترة طويلة ودون أي سبب, وشملت عدة
مئات من شيعة الإحساء بسبب كونهم شيعة, وعددا كبيرا من الضباط
الآخرين فقط لأن خلفيتهم أو أقرباءهم كانوا موضع شك. ويبدو أن مدير المخابرات
العامة عمر شمس قد اعتقل جميع الأشخاص المشبوهين في المملكة. واستمرت حملة
الاعتقالات حتى عام 1970 واشتملت على مدير مكتب الأمير سلطان السابق ومدير الكلية
العسكرية ومدير كلية البترول والمعادن, وحتى اللواء هاشم هاشم قائد سلاح الجو
المؤيد لبريطانيا الذي اعتقل لأنه حجازي. ومع أن ما حدث أظهر الحاجة إلى إحداث
إصلاحات في المؤسسة العسكرية فإن الأسرة الحاكمة استمرت في عدم الثقة بتلك المؤسسة
والخشية من نتائج توسيع المؤسسة العسكرية على الحكم (كوردسمان, الصفحة 138)
ثم أشار
الخبير إلى أثر عبادة الحكم لدى الأسرة الحاكمة على فعالية المؤسسة العسكرية وكيف
هددت رغبة الأسرة في البقاء في الحكم أمن البلاد فكتب يقول:
حدثت محاولة
انقلابية صغيرة في القوات المسلحة السعودية في شهر مارس/آذار عام 1977 قام بها
حوالي اثني عشر ضابطا من قاعدة تبوك
الجوية. وكانت خطة هؤلاء تقضي بقصف القصور الملكية في الرياض وجدة وإعلان قيام
جمهورية إسلامية. ومع أن المؤامرة تمتعت بتأييد ضعيف جدا ومحدود في القوات المسلحة, ومع أن أمرها
اكتشف قبل حدوثها (لم يشر الخبير من كان وراء ذلك الكشف) فقد سارعت الأسرة الحاكمة
بإصدار قرار يمنع تسليح الطائرات السعودية بالقنابل والذخائر, وعدم السماح لتلك
الطائرات بالحصول على وقود (بنزين) لفترة تزيد عن ثلاثين دقيقة طيران (كوردسمان,
الصفحة 227)
ثم عقب
الخبير على حادث الحرم الشريف وكيف أن الأزمة التي واجهتها الأسرة الحاكمة لم تكن
كافية لإحداث تنسيق وتعاون بين الأجهزة التي يقودها الأمراء المتنافسون, وأوضح حجم
انعدام الثقة لدى الأسرة الحاكمة بالجيش والحرس الوطني الذي دفعها لاستيراد الجنود
والمدربين من الخارج للتصدي للجيش والحرس, فذكر ما يلي:
"عقب
حادث الحرم سارعت الأسرة الحاكمة للحصول على المساعدات الأمنية الداخلية من
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن وباكستان. إذ وقعت يوم الثاني من نوفمبر/تشرين
الثاني 1980 اتفاقية مع فرنسا لتدريب العناصر السعودية الموالية للحكم في شؤون
الأمن الداخلي, ثم أنشأت هيئة تنسيق مشتركة تضم وزراء الداخلية السعودية
والفرنسية, ثم اتفقت مع باكستان على إرسال وحدات خاصة للمملكة جوا في حالات الضرورة. عقب ذلك عقدت الأسرة
الحاكمة اتفاقية مع باكستان لاستقدام لواء باكستاني مدرع ومركزته في قاعدة تبوك
بهدف التصدي لأي خطر مستقبلي على الحكم من قبل المؤسسة العسكرية السعودية. ثم
سارعت الأسرة الحاكمة بتشكيل وحدات خاصة مضادة للإرهاب تحت إشراف وزارة الداخلية,
وتم توسيع وتدعيم الحرس الوطني وحرس الحدود وحرس الشواطئ. إلا أن هذه الخطوات لم
ينتج عنها حدوث أي تنسيق أو تعاون بين الحرس الوطني وأجهزة الأمن المختلفة التي
يقودها وزير الداخلية الأمير نايف والتي استمرت معزولة عن بعضها. أما الخطة
المتبعة فكانت تقضي تقوية تلك الأجهزة بشكل انفرادي دون إحداث تنسيق بين العمليات
التي تقوم بها عن طريق إبقائها معزولة عن بعضها. (كوردسمان, الصفحة 238)
وكما نرى
فإن الحاكم الذي يفكر جديا بالدفاع
عن أمن الشعب السعودي لا يمكن أن ينشئ وزارة دفاع تعاني من الاختلاط والفوضى,
وعاجزة عن إجراء أي تخطيط استراتيجي. ولا حاجة للإشارة إلى أن أهم سبب لحدوث تلك
الصفقات كان رغبة الأمراء السعوديين في الحصول على العمولات الخيالية التي فاقت
مليارات الدولارات في بعض الصفقات, كما سنرى في بحث آخر.
أما السبب
الآخر للتسلح السعودي فهو التصدي للأخطار العربية. فعلى سبيل المثال ذكر الخبير
العسكري أنتوني كوردسمان أن فيصل اشترى صفقة سلاح من بريطانيا أطلق عليها عملية
"السجادة السحرية" ووضعها في قاعدة أنشأها على الحدود اليمنية تدعى خميس
مشيط من أجل التصدي للخطر اليمني.
وذكر أنه تم
تكليف شركة بريطانية تدعى "خدمات إيروورك" بتجنيد طيارين بريطانيين
سابقين للعمل كمرتزقة لدى السعوديين لقيادة مقاتلات "لايتنغ"
و"هنتر" المشتراة من بريطانيا (كوردسمان - الصفحة 125)
أما الخبير
البريطاني فريد هاليدي فذكر في كتابه "الجزيرة العربية بلا سلاطين" أن
المملكة السعودية لم يكن لديها طيارون, وأن الطيارين المرتزقة البريطانيين هم
الذين قادوا الطائرات السعودية أثناء الحرب السعودية - اليمنية في عام 1969
(هاليدي, الصفحة 60)
أما الجنرال
إرتيست غريفر مدير وكالة المساعدات الأمنية الدفاعية في البنتاغون فذكر أن صفقة
طائرات إف-5 التي اشتراها آل سعود في أوائل السبعينات كان هدفها التصدي للخطر
اليمني الجنوبي والخطر العراقي.
أما عضو
مجلس الأمن القومي وليام كواندت فقد ذكر في كتابه أن إيران كانت تتمتع بمركز
الحليف المقرب لواشنطن في الخليج في عهد الرئيس نيكسون وجيرالد فورد, وهذا مك نها
من شراء أية أسلحة تريدها. أما الرئيس كارتر فقد فعل ما فعله كيسنجر من قبله, أي
استخدم مبيعات السلاح كأداة رئيسية لسياسته الخليجية. وقد ظهرت آثار سياسة كارتر
الجديدة نتيجة القرارات التي اتخذها مجلس الأمن القومي التي أشارت إلى أن المملكة
السعودية بدأت تدريجيا بالحلول محل
إيران كعجلة أمريكا في الخليج (كواندت, الصفحة 82).
وحين عرض
السعوديون شراء سربين من مقاتلات إف-15 كتب عضو مجلس الأمن القومي وليام كواندت ما
يلي معلقا على الصفقة:
أكد مسئولو
إدارة كارتر أن الصفقة لن تعطي المملكة سوى إضافات بسيطة في قدراتها الدفاعية.
وأكد هؤلاء أن التغلغل العميق الذي أحدثه الفنيون العسكريون والشركات الأمريكية في
المؤسسة العسكرية السعودية سيضمن عدم استخدام تلك الأسلحة ضد رغبات الولايات
المتحدة. ويعتقد هؤلاء المسؤولين أن الصفقة ستعطي المملكة منافع سياسية دعائية
وليس منافع عسكرية. فالسعوديون ينظرون فيشاهدون أبو ظبي وعمان - وهما دولتان
صغيرتان - تستخدمان طائرات فرنسية وبريطانية متطورة, بينما هم ينفذون خطة رسمها
البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية تقضي لهم بالاعتماد على مقاتلات إف - 5 الأقل
تطورا من الطائرات الأوروبية
(كواندت, الصفحة 83).
ثم تحدث
كواندت عن آراء مسؤولي إدارة كارتر بالصفقة فكتب يقول:
"عبر
المسؤولون الأمريكيون الذين لهم باع طويل بالتعامل مع السعوديين عن ارتياحهم وعدم
تخوفهم من نتائج تسليم هذه الطائرات لآل سعود. إذ علق أحدهم بقوله: إن آل سعود هم
أكبر معارض لقيام جيش قوي على أراضيهم. فقد عاشوا ليشهدوا جيوشا عربية قوية تطيح بأمثالهم. ولهذا فهم لا
يرغبون بالمخاطرة بتشكيل جيش قوي بأنفسهم. أما الحقيقة فهي أنهم يودون الحصول على
بعض الأسلحة المتطورة وعلى جيش بهدف رفع رأسهم في العالم العربي عاليا وبحيث يصبح لهم مصداقية. ولدى آل سعود
بعثة عسكرية أمريكية مهمتها الأساسية دعم تلك المصداقية. إلا أن آل سعود يعلمون في
النهاية أن الولايات المتحدة هي التي ستنقذهم من الخطر. ولهذا فإن رموز التعهد
الأمريكي بحمايتهم تهمهم بقدر ما كانت تهم ألمانيا الغربية أثناء الحرب
الباردة" (الصفحة 83).
أما الخبير
كوردسمان فقد ذكر أن التسلح السعودي في نهاية السبعينات عادت أسبابه لسقوط الشاه
والحرب التي حدثت بين اليمن الشمالي والجنوبي, وحادث الحرم الشريف. وذكرت صحيفة
النيويورك تايمز (22 نيسان / أبريل 1981) أن البيت الأبيض صرح عقب موافقة إدارة
ريغان على صفقة الإيواكس بأن الصفقة ضرورية لحماية مصالح أمريكا في منطقة الخليج
نظرا لتدهور الوضع الأمني الغربي في
المنطقة. (راجع أيضا مناقشات
الكونغرس الأمريكي بعنوان:المملكة السعودية والولايات المتحدة, الصفحة 64).
ليس ذلك
فحسب فقد ذكر تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن أن الأسرة السعودية
الحاكمة ترى موافقة واشنطن على بيع الأسلحة لها بمثابة تعهد أمريكي ضمني بحمايتها
من أعدائها ومنافسيها العرب الآخرين الذين يملكون آلة عسكرية قوية.
وكما نرى
بوضوح, فإن آل سعود لم يسعوا لإنشاء جيش قوي للدفاع عن البلاد والشعب, خشية
الإطاحة بحكمهم, كما أنهم تسلحوا لأسباب لا علاقة لها بضمان أمن الشعب
والبلاد كما شاهدنا أعلاه, وإنما
لها علاقة بمصالحهم وأمنهم, وقد ظهرت نتائج تلك السياسة التخريبية أثناء احتلال
الكويت من قبل صدام وعجز المؤسسة العسكرية السعودية عن ردعه.
أما
السيناتور دورنان فقد أدلى بإفادة مليئة بالسخرية قال فيها:
حين أسافر
على متن الخطوط الجوية السعودية يسألني ابني: لماذا ينتمي جميع الملاحين
(الطيارين) الذي يقودون الطائرات السعودية إلى فئة الطيارين الأمريكيين
والبريطانيين الذين حصلوا على إجازات طويلة للعمل كطيارين مع الخطوط السعودية؟
لماذا ليس هناك مضيفات سعوديات في طائرات الخطوط السعودية؟ لماذا ليس هناك سعوديين
يتعاملون مع الأدوات التكنولوجية؟ أما الجواب على هذه الأسئلة فسيبدو على شكل
شتيمة عرقية (عنصرية) لأن السعوديين ليسوا أمة تتمتع بقدرات. فهم لا يملكون
القاعدة التكنولوجية الكافية لتشكيل لواء مدرع واحد أو كتيبة مشاة للدفاع عن
البلاد. فمصافي النفط الضخمة والحيوية لمصالح العالم الحر (الغربي) التي أنشأتها
شركة من جنوب كاليفورنيا في رأس التنورة وساميل تقف عارية وعاجزة عن مواجهة هجوم
سوفييتي أو هجوم إيراني مجنون. فماذا نستطيع أن نفعل بطائرات الإيواكس التي
سلمناها للسعوديين؟ إنهم لا يملكون عددا
كافيا من الطيارين لقيادة
طائراتهم التي اشتروها منا سابقا . في اللحظة التي نسلم السعوديين فيها طائرات
الإيواكس سيرسلوا طواقم سعودية للتدريب في قاعدة "تينكر" الجوية في
مدينة أوكلا في الولايات المتحدة. وأول شيء سيفعله هؤلاء هو نصب مائدة للعب الورق
على مقربة من مدخل القاعدة. وسوف يدفع السعوديون للخبراء والطيارين الأمريكيين
الذين سيقودون طائرات الإيواكس لهم مرتبات تعادل خمسة أضعاف حجم المرتبات التي
ندفعها عادة لهم, وفي النهاية سيتحول جميع أفراد طاقم الملاحين والخبراء
الأمريكيين إلى مرتزقة يعملون لحساب السعوديين.
وكما ترون,
فنحن مجبرون على الإشراف والتحكم بالمعدات العسكرية المتطورة التي نبيعها للمملكة
إلى أن يتمكن السعوديون من بناء قاعدة تكنولوجية عقب أربعين عاما من الآن. دعونا نعطيهم دبابات. دعونا
نجرب قدرتهم على تشكيل وحدة مدرعة واحدة للدفاع عن رأس التنورة قبل أن نسلمهم
طائرات الإيواكس ونسبب خسارة جزء من أدمغتنا العسكرية التي سنضطر لمنحها لهم
لتشغيل واستخدام الإيواكس. (مناقشات الكونغرس, الصفحات 155 - 156)
مجلة الشرعية
/ العدد الأول - السنة الأولى
- محرم 1416هـ
حزيران 1995م |