العودة للفهرس

بندر بن سلطان الابن المدلل للمخابرات الامريكية

هنالك حقيقتان لابد للباحث عن طبيعة بني سعود أن لا يتخطاهما لكي يكون طريقه الذي يتلمس فيه كشف الغرابة التي تلف هذه العائلة سهلاً تلك الحقيقتان هما:

أولاً: الشعور بالنقص الذي يعيشه بنو سعود نتيجة عدم وضوح اصلهم العربي، فمهما كانت الجهود التي يبذلوها لإثبات ادعاءاتهم كبيرة فهي لا تصمد أمام الوثائق والوقائع التي تؤكد خساسة اصل هذه العائلة، ولهذا فان بني سعود منذ البداية يحاولون التشبث بالدرعية والرياض لكي يكون لهم جذور في الجزيرة، ولم يكن خروجهم مع رئيسهم عبد الرحمن هاربين من الرياض، دون أن تكون لهم قبيلة يركنون إليها، غائباً عن ابصارهم. فالعائلة المؤلفة من عدة رجال ونساء واطفال أخذت تجوب الجزيرة وساحل الخليج من الرياض باتجاه البحرين ومن ثم على اطراف الكويت قبل أن يؤمر مبارك حاكم الكويت من قبل مكتب الهند للمخابرات البريطانية بادخالهم للكويت. هذه العائلة وهي تجوب انحاء الجزيرة كالافاقين لم تجد لها أقرباء يرفعون عنها أي من اثقال نكبتهم، فهم غرباء في الرياض، وخرجوا منها غرباء، وجابوا الجزيرة غرباء، وعادوا إلى الرياض بصك بريطاني يوم كان الأفاقون والمجرمون في المنطقة يحلمون بمثل هذا الصك لبناء وجود لهم من العدم.

أما الحقيقة الثانية: هي أن الولاء المزدوج للحركة الصهيونية ولبريطانيا ومن ثم للولايات المتحدة اصبح دين بني سعود الذي لا يمكن أن يتخلوا عنه تحت أي ظرف. فالتخلي عنه يعني عودتهم إلى اللاشيء الذي كانوا عليه قبل تسجيل اسم جدهم في سجلات المخابرات البريطانية، وبعد ان تعزز هذا الشرف!! بتعهدات عبد العزيز لديكسون ومكتب الهند للمخابرات البريطانية.

لذلك فالبحث عن واقع حركة بندر بن سلطان لا بد وان يسير وبجانبه صورة هاتين الحقيقتين، إلاّ أن المضاف في وضع بندر بن سلطان هو أن الشعور بالنقص لديه اصبح مضاعفاً، فبالاضافة إلى الشعور بالنقص الذي يتملك بني سعود بصورة عامة والذي اشرنا إليه، نجد أن بندر يشعر بالنقص داخل عائلته، فامه أمة حبشية اولدته في دهاليز قصور العائلة دون أن يعير منتسبوا العائلة هذه الولادة أي اعتبار. وبقي بندر محتقراً داخل العائلة وذاق مرارة التهميش. وقد اندفع نتيجة عقدة الشعور بالنقص هذه لاثبات وجوده بين آلاف (الامراء) الذين بدأت تتشكل منهم هذه العائلة المبتورة. ولعل حالة بندر تشبه إلى حد ما حالة المأمون العباسي، فالمأمون بن (مراجل) وهي الأمة التي اشتراها هارون الرشيد من بيت المال، قد

عانى نفس المعاناة التي مر بها بندر في مقابل الامين بن (زبيدة) ذات الحسب والنسب فالأمين اغرق نفسه في الملذات دون الالتفات إلى ما يتلقاه المأمون من اسلحة دفعته لها أمه (مراجل)، حتى بدأ هارون الرشيد يتنبه إلى ذكاء المأمون، وبدأ يتحدث عن ذلك إلى رجال دولته مما جعل زبيدة تستشيط غضباً، الأمر الذي جعل هارون الرشيد يدعوها لتشاهد عملياً تأخر ابنها امام نبوغ المأمون بن (مراجل)، فأحظرهم أمامها وطلب منهما أن ينشأ كل واحد منهما كتاباً لاحد ولاته الذي كثرت الشكاوى عليه، فكتب الامين بن (زبيدة) كتابه وكان مليئاً بالشتائم والكلمات السوقية، أما المأمون بن مراجل فكتب: من هارون الرشيد إلى الوالي فلان: كثر شاكوك وقلّ شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت، فاسقط في يد زبيدة وهي ترى بلاغة وذكاء المأمون بن (مراجل). إلاّ أن عصر المأمون يختلف عن عصر بندر والتحدي الذي يعيشه يختلف عن التحدي الذي عاشه المأمون، كما أن مكونات الاسلحة التي تسلح بها المأمون تختلف عن مكونات الاسلحة التي تسلح بها بندر. ففي الوقت الذي ابتعد المأمون في بداية حياته عن اللهو والمجون مقابل أخيه الذي اغرق نفسه بذلك، نجد أن من الاسلحة التي تسلح فيها بندر هو اللهو والمجون لأن الغرب يريد ذلك، ولأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تريد من رجالها غير الأمريكيين ذلك. وقد استجاب بندر لها استجابة كبيرة، حتى اخذت الصحف الأمريكية تصف حياته الماجنة بصورة مستغربة على اعتبار انه فاق حتى عمه فهد في ذلك. تقول مجلة التايم الأمريكية في عددها الصادر يوم 9 ديسمبر 1991م: منذ وصول بندر إلى واشنطن في العام 1983م وهو يقوم باعمال تتنافى مع التعاليم الإسلامية التي عادة يدعيها مسؤولو النظام السعودي، إنه يدخن السيكار الكوبي المصنوع له خصيصاً، كما أنه يشرب الويسكي الاسكتلندي في (اكشفياس) اليهودية الصنع، كما أنه يعيش حياة ملئها البذخ والاسراف والمباهاة وكأنه طفل مدلل بين زوجات كبار المسؤولين في البيت الابيض بما في ذلك بيكر وبوش.

واذا كان هارون الرشيد قد أثارته بلاغة ولده المأمون فان بندر لا يحتاج لهذه البلاغة التي لم يعرفها ولن يعرفها، وانما تعلمّ بلاغة من نوع آخر ففي نفس العدد من مجلة التايم الأمريكية تذكر أن لبندر علاقة خصوصية!! مع الوزير الامريكي (جيمس بيكر) حيث أنه ينكت معه بالنكات القذرة ولا يسميه إلاّ بـ (جيم).

وقد وضع بندر يده على أهم سلاح يحقق به مجده الشخصي، ذلك السلاح هو أن يكون منفذاً لرغبة الولايات المتحدة ليس في المنطقة فحسب، وانما في بقية مناطق العالم. هذا السلاح لم يكن مكتشفاً سابقاً من قبل (الامراء) الآخرين الذين كانوا بارعين فقط في معرفة وتنفيذ رغبتها في المنطقة وقد استطاع بندر التعرف على هذه الرغبات من خلال انتمائه إلى المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق عمه فهد الخبير في هذا الأمر.

العوامل التي اثرت على تكوين شخصية بندر:

هناك عوامل قد اثرت على تشكّل شخصية بندر بن سلطان وأخرجتها بهذه الصيغة الغريبة وهي:

1ـ كما اشرنا سابقاً أن التهميش الذي عاشه بندر في بداية حياته نتيجة كون والدته أمة وعدم اعتراف العائلة به، قد جعله يعمل تحت نظرية ميكافيلي ،الغاية تبرر الوسيلة، فالغاية هي أن يظهر بمظهر الرجل الذي يشار إليه في عائلة بني سعود حتى ولو تطلب التنكر للقيم الاصيلة لشعب الجزيرة، والتي حاول بنو سعود أن يلبسوها كمظهر دون تبنيها عملياً. فعبد العزيز مثلاً يدعي في العلن انه يناصر القضية الفلسطينية وهو ضد الصهيونية وخلف الستار يبتهج إلى هدية (بن غوريون) الـ 20000 جنيه التي بعثها له، وهكذا هو ديدن بني سعود مع جميع القيم والقضايا التي تهم شعب الجزيرة. أما بندر بن سلطان فانه يتصرف خارج هذا التقليد، فهو يصرح بحبه لليهود والكيان الصهيوني، ويصف العمليات الفلسطينية بالارهابية، ويشرب الويسكي الاسكتلندي علنا، ويقيم الحفلات الماجنة في قصره.

2ـ لقد كان لدراسته في الغرب الأثر الكبير في تكوين شخصيته التبعية، صحيح ان بني سعود قد ادركوا كما ذكرنا سابقاً أن وجودهم منوط بتبعيتهم بالغرب إلاّ أن وجودهم في أوساط الغرب واطلاعهم على مفردات السياسات الغربية جعلتهم يدركون أنه كلما ازدادت درجة القربى من الادارة الأمريكية كلما ازداد دور الفرد (السعودي) وقد ادرك بندر هذه الحقيقة مبكراً وهو الذي يهمه ذلك كثيراً.

3ـ نتيجة لاستحواذ والده سلطان وزير الدفاع على عمولات صفقات الاسلحة دون منازع، وقيام بندر بدور المسؤول عن تهيئتها وحصوله على نسبة من هذه العمولات، الأمر الذي جعله يهيمن على ثروة أوحت إليه أنه من الممكن أن يكون له شأن باستخدامه لهذه الثروة، لذلك بدأ بتبذير الاموال هنا وهناك، مما جعل بعض المسؤولين الامريكيين يتقربون منه طمعاً بهذا الكرم الغير مسبوق، فبات يظن أنه يملك كل مفاتيح السياسة.

اسباب الرغبة المشتركة للولايات المتحدة والنظام السعودي في ابراز بندر:

1ـ دأبت الادارات الأمريكية على جعل احد ابناء بني سعود على صلة مباشرة مع دوائرها المخابراتية وخاصة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لكي يحاول هذا العنصر ازالة كل العوائق التي قد تحدث في طريق تنفيذ سياستها داخل الجزيرة. وقد برع فهد في هذا الدور قبل أن يصبح (ملكاً)، لذلك فانها وجدت في بندر خير خليفة لعمه في هذا المجال، فتم ارسال توصية إلى النظام السعودي بتعيين بندر سفيراً في واشنطن. وقد ذكرت (الشرق الاوسط) في احد اعدادها ان تدرج بندر من ملحق عسكري إلى سفير يأتي عن ثقة امريكية خاصة به، فالمعروف أن موظفي السفارة السعودية في واشنطن لا يتم تعيينهم بغير استشارات امريكية من جانب النظام (الملكي).

2ـ نتيجة للصراع السديري مع عبد الله بن عبد العزيز فقد حاول السديريون توزيع اولادهم على المراكز الحساسة في الدولة لكي يضمنوا بقاء السلطة في ايديهم، ولعل منصب السفير في واشنطن هو من أهم المناصب فيها لا سيما ان زر القوة التي تمنحهم الحياة موجود في واشنطن، وقد نجح السديريون في هذا معتمدين على جرأة بندر في ادخال اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة إلى جانب دعم السديريين في البقاء في السلطة، فالولايات المتحدة واللوبي الصهيوني يهمهم بقاء الجزيرة الغنية بالموارد النفطية وبوجود شعب لا يقايض على كرامته ومبادئه، خارج الصراع مع الكيان الصهيوني، وهذا ما حققه اولاد عبد العزيز بن سعود بعد جريمة أبيهم في اعطاء فلسطين للصهاينة مقابل بقائه متسلطاً على الجزيرة.

بندر في خدمة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية:

بات من الواضح لدى عائلة بني سعود أن اكثر ابناء بني سعود وفاءاً للعهد هو الذي يكون اكثر تبعية للغرب. هذه القيمة أرسى دعائمها عبد العزيز منذ أن قدّمه مبارك الصباح إلى ممثلي مكتب الهند للمخابرات البريطانية. وقد حافظ بنو سعود على هذه القيمة واعتنوا بها، ولم يحيدوا عنها رغم الرياح العاتية التي عصفت بهم، ورغم حالات الجفاء والهجرر الذي كانت تمارسه اتجاههم بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة عندما لم يستطيعوا تنفيذ الأوامر بدقة. وقد عرف (الامراء) أن طريق المجد الشخصي يمر عبر بوابة خدمة مصالح الولايات المتحدة. وهذه الحقيقة كانت ماثلة أمام بندر وهو يحاول بناء مجده الشخصي، ودفن ما كان يعانيه من تهميش في بداية حياته، لذلك فقد قاده هاجسه إلى أن يدخل من الباب الامامي وليس الخلفي مقتفياً أثر جده عبد العزيز بن سعود وعمه فهد الذي ادرك الاخير أن الطريق الاسرع هو خدمة عمليات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الذراع القوي للادارة الأمريكية، والتي حفظت له ملفاً مثيراً في الخدمة ساعده على الحصول على شهادة حسن السلوك من الادارات الأمريكية. كما ادرك فهد أن بندر ابن أخيه هو أكثر الاشخاص الذين يمكن أن يفهموا لغة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. فهو خبير في تشخيص ذلك كما كان اخوه فيصل خبيراً في تشخيص دور هذا (السعودي) المهمّش عندما ابدى امتعاضه من عدم اعتراف ابيه العائلة به فأجبره على ذلك، ومن ثم تزوج ابنته هيفاء. وقد بدأ نبوغ بندر عندما ارسل للدراسة في الولايات المتحدة، وفي الفترة التي كانت وكالة المخابرات المركزية تبحث عن رجالها في الجيل الثاني من بني سعود، والذين يحملون ثقافة غربية بحتة لغرض تأهيلهم للمراحل القادمة والحاسمة من وجود هذه العائلة في الجزيرة. فاولاد عبد العزيز رغم انهم قد ادوا الامانة للولايات المتحدة إلاّ انهم اميون ولا يملكون عقولاً ديناميكية تتفاعل مع سرعة الاحداث في المنطقة والعالم، فهم من نوع (اللي تريدوه... اللي تريدوه) دون أن يعرف ماذا يريدون بدقة. وقد استمر العمل مع بندر بعد عودته طياراً في سلاح الطيران ومن ثم قائداً لقاعدة الظهران. وقد كان ارتباط الأول مع الرئيس السابق لادارة عمليات الشرق الادنى في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق مساعد الرئيس الامريكي الاسبق (هاملتون جوردن)، ثم اصبحت علاقته بعد ان صبح سفيراً مع (تشاك كوغان) رئيس فرقة عمليات الشرق الأوسط.

والواقع أن العصر الذهبي لبندر مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بدأ بعد اغتيال فيصل وتسلم خالد السلطة وسيطرة السديريين على الحكم. فقد قام فهد بدفع بندر للظهور على مسرح الاحداث عن طريق دفعه للتفاوض مع الأمريكان بشأن صفقة طائرات (F - 15)، كما تم ارساله برفقة الحريري إلى لبنان من اجل اجراء المصالحة السياسية. وفي عام 1981م عين ملحقاً عسكرياً في سفارة النظام في واشنطن لتبدأ مرحلة جديدة في حياة بندر المخابراتية، فقد وجّه بندر جل اهتمامه لتنفيذ عمليات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وجعل من احد غرف منزله غرفة عمليات خاصة للوكالة. وبعد أن اطمأنت الادارة الأمريكية، استناداً إلى تقارير وكالة المخابرات، إلى تبعية بندر، تم ارسال التوصية إلى النظام السعودي باعتماد بندر سفيراً للنظام في واشنطن، ولم يتوان النظام في تنفيذ هذه التوصية فعيّن سفيراً عام 1983م.

كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تركز على ثلاثة امور هي:

1ـ محاربة الشيوعية في المنطقة والعالم.

2ـ تنفيذ ارادة الادارة الأمريكية في جعل الكيان الصهيوني قوياً في المنطقة ومحاربة كل المنظمات الفلسطينية بصورة خاصة والحركات المعادية للغرب بصورة عامة.

3ـ تنفيذ ما يقتضي لتهيئة الاجواء لاجراء التسويات بين الكيان الصهيوني والانظمة في المنطقة.

وقد عمل بندر بجد وبراعة في تنفيذ المهام المكلف بها ضمن الامور المذكورة الأمر الذي جعل الادارة الأمريكية اكثر تمسكاً به. فعندما وجد (كيسي) مدير وكالة المخابرات المركزية في زمن (ريغان) نفسه في ازمة نتيجة عدم موافقة الكونغرس الامريكي على تخصيص اعتمادات مالية لما قامت به وكالة المخابرات المركزية من تجنيد المتمردين وتدريبهم للقيام بنشاط تخريبي في نيكاراكوا ضمن مهمة مكافحة الشيوعية، وجد بندر جاهزاً لانقاذه. فعندما فاتح (كوغان) بندر قام الاخير بارسال رسالة إلى عمه فهد وتم رصد مبلغ (8) ملايين دولار، حيث اعطى بندر إلى ماكفارلين ـ مستشار الامن القومي ـ شيكاً حكومياً بثمانية ملايين دولار دعماً للكونترا، شريطة ابقاء الموضوع سراً، رقم الحساب هو 48 ـ 541، البنك الاولي (ب. ا. س) جزر كايمان.

يقول بوب ودورد في كتابة الحجاب ـ ص 349: وفي فبراير 1985م وصل فهد إلى واشنطن، وقبل وصوله بعدة أيام اجتمع ماكفارلين مع بندر... تحادث ماكفارلين وبندر في موضوع الكونترا. شعر (ماكفارلين) مرة ثانية بأن بندر كان يتطوع بالنسبة إلى بندر كان الأمر التماساً واضحاً. وأشار بندر إلى أن (السعوديين) ينوون مضاعفة مساهمتهم السرية ورفعها إلى مليوني دولار شهرياً وانهم سيدفعون 15 مليون دولار على الاقل.

كما اندفع بندر أكثر في تحقيق هدف الوكالة في تطويق الشيوعية عندما أقنع عمه بتمويل الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي المسيحي في ايطاليا للحؤول دون حصول الحزب الشيوعي هناك على نسبة مرتفعة في البرلمان الايطالي يؤهله لاستلام رئاسة الوزراء الايطالية.

وعندما صنفت الولايات المتحدة ليبيا ضمن المعسكر الشيوعي بحكم علاقتها بالاتحاد السوفيتي، فان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كانت مدعوّة لاحداث ضغوط على النظام الليبي للخروج من هذا الطوق، لذلك تم تكليف بندر باستثمار الحرب بين ليبيا وتشاد عام 1987م. وفي هذا الصدد تقول مجلة (جون افريقيا) الفرنسية. ان بندر بن سلطان دخل على جبهة الحرب ضد ليبيا عبر تمويل صفقة سلاح للجيش التشادي، وشملت الصفقة تزويده بصواريخ ستينغر.

أما فيما يخص الهدف الثاني من اهداف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فقد نشط بندر في تجنيد العملاء في لبنان لحساب الوكالة والتي قامت باعمال تخريبية راح ضحيتها العشرات، كما حدث في محاولة اغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله.

أما الدور الذي برع فيه بندر فقد كان في تهيئة الاجواء لانظمة المنطقة في الدخول إلى نفق التسويات مع الكيان الصهيوني. فقد استطاع بندر نتيجة حركته واتصالاته بادخال الانظمة في المنطقة داخل هذا النفق المظلم، تقول صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم 6 نوفمبر 1991م: ان جهود بندر الكثيفة حملت اطرافاً عربية عديدة للاندفاع إلى العملية التسووية والمشاركة في المفاوضات. كما قام بندر وبتكليف من الوكالة باتصالات سرية مع ياسر عرفات في العاصمة التونسية. وقد أبلغ بندر عرفات بأن اشتراكه في المفاوضات يمكن أن يثمر ثلاثة نقاط تعود بالفائدة عليه:

أ ـ التأكيد على اعادة ضخ الاموال للمنظمة في حال التوصل إلى صيغ تسوية مع (اسرائيل) بما يؤمن لعرفات التفافاً فلسطينياً حوله، وضماناً له في التربع على رأس المنظمة.

ب ـ ان جدية الامريكيين في عقد مؤتمر التسوية، يعني البحث عن رؤوس فلسطينية تفاوضية، وفي حال تخلف عرفات عن ركوب قطار التسوية، فان الامريكيين سيضطرون للبحث عن البدائل وهي حاضرة متمثلة في (فيصل الحسيني) العريق في الدعوات المزمنة للتعايش مع الاسرائيليين، وهذا يعني ان قطار التسوية ينطلق بعرفات أو بدونه.

ج ـ ان استمرار الانتفاضة الفلسطينية على الوهج المعروف، سيؤدي إلى تقليص نفوذ المنظمة في الداخل والخارج بما يسفر عن تنامي في الحركات الإسلامية الطارحة نفسها بديلة لمنظمة التحرير، بحيث لن تسفر استمرارية الاتفاقية إلى زيادة في الحدة والتطرف و(الاصولية) المناقضة لتوجهات المنظمة والمتطلعة للانقلاب عليها.

اضافة إلى ذلك فقد قام وبتكليف من الادارة الأمريكية بالقيام بزيارات إلى القاهرة لحث النظام المصري على تحريك الانظمة في المنطقة باتجاه الدخول في قطار التسوية، واستثمار تجربة النظام المصري في هذا المضمار. كما حث مبارك على احتضان ياسر عرفات

لا بعاده عن التنسيق مع سوريا لغرض عزلها وزيادة الضغط عليها. كما قام بندر بحمل التهديدات الأمريكية إلى سوريا في حال رفضها الالتحاق بقطار التسوية.

كما أن بندر ورغم القطيعة بين النظام السعودي والنظام الاردني، نتيجة تأييد النظام الاردني للنظام العراقي في احتلاله للكويت، فانه قام بثلاث زيارات إلى الاردن لاقناع ملك حسين للدخول في التسوية، واعداً اياه بتقديم مساعدات مالية من قبل الدول الاوربية، وهذا ما وقع فعلاً. فبعد انطلاق التسوية ودخول النظام الاردني فيها قدمت الدول الاوربية للنظام الاردني مبلغاً قدره (225) مليون دولار.

وبعد أن استسلمت الانظمة كلياً لما تريده الولايات المتحدة، وانعقد مؤتمر مدريد عام 1991م ارسلت الولايات المتحدة بندراً إلى المؤتمر ممثلاً لها وللنظام السعودي، مما جعله يقوم بدور كبير في تذليل العقبات لصالح الشروط الأمريكية والصهيونية في المؤتمر.

ومن الادوار الخطرة التي مارسها بندر في الولايات المتحدة هو كسر الحاجز الذي كان يخشى المسؤولون في الانظمة العربية من تجاوزه في العلن، هذا الحاجز هو اللقاء مع المنظمات الصهيونية سواء في الولايات المتحدة أو داخل الكيان الصهيوني. وقد اندفع بندر ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والنظام السعودي في تمتين العلاقة مع هذه المنظمات بصورة علنية متجاوزاً مشاعر شعب الجزيرة والمسلمين بصورة عامة. وأخذت الصحف الأمريكية تنقل أخبار هذه العلاقة المتنامية وكأن بندر اراد أن يقول بأنه لا يخشى أحداً، فقد ذكرت مجلة التايم الأمريكية في عددها الصادر يوم 9 ديسمبر 1991م: ان بندر طرد رئيس دائرة مقاومة اللوبي الصهيوني من السفارة (السعودية) في واشنطن، كما أنه ازال الدائرة كلها، وبدأ يعمل بندر مع اللوبي اليهودي الامريكي في الكونغرس الامريكي من اجل المصالح (الاسرائيلية) ويحاول بندر من خلال اجتماعاته الخاصة والعامة أن يقنع قادة اليهود الامريكيين أن يبذلوا جهودهم لاقناع (اسرائيل) بأن حكام (السعودية) ليسوا ضدها. وتنقل المجلة بأنه تم اجتماع مطول بين بندر والحاخام اليهودي (مارفن هير) وقال الاخير فيه عن بندر (انني أقدم لك التهاني القلبية لانك دائماً تقف مع اليهود واسرائيل)!!

وعندما بدأ السودان يشكل قلقاً للنظام السعودي بسبب المواقف المناهضة التي وقفها السودان ضد الولايات المتحدة، قام بندر بتكليف من وكالة المخابرات الأمريكية بتزويد قوات المتمرد (جون قرنق) في جنوب السودان بصفقة اسلحة كبيرة. وقد اكتشف اسرار هذه الصفقة الرئيس الكيني الذي ابلغ الفريق عمر البشير بأن باخرة سلاح (سعودية) متجهة إلى كينيا من ميناء جدة، وقد كشف الرئيس البشير اسرار التمويل (السعودي) لحركة (جون قرنق) في ابريل عام 1993م.

كما كان لبندر الدور الكبير الذي هيأ للولايات المتحدة الفرصة بتواجد قواتها الكبيرة بعد اجتياح القوات العراقية للكويت. فالمفاجأة اذهلت فهد، الذي لم يعد يعرف ماذا يفعل، فقامت وكالة المخابرات المركزية بتكليف بندر باقناع فهد بأن عصر العمل خلف الستار قد ولىّ، فالقوات العراقية على الابواب ولا بد من جعل أرض الجزيرة مسرحاً للجيوش الغربية، وأن المجندات الأمريكيات مهيئات لحماية العائلة.

وبعد احداث 11 سبتمبر وتوجيه الاتهام إلى اشخاص من ابناء الجزيرة، بدأ الاعلام الامريكي بمهاجمة النظام السعودي، واتهمه بعدم احترام تعهداته إلى الولايات المتحدة والغرب بالحفاظ على مصالحهم، مما ادى إلى وقوع النظام في مأزق كبير، الأمر الذين حدا ببندر بأن يشمّر ساعديه للدفاع عن موقف عائلته. وقد قاده دفاعه هذا إلى الاعتراف بالفساد الذي يجتاح النظام السعودي عندما قال للمذيع في برنامج (فروزت لايت) الذي تذيعه محطة (PBS) في 9 أكتوبر 2001م: لو قلت لي اننا نبني البلد ونخسر بسبب الفساد خمسين مليار دولار، أقول لك: نعم... وماذا في ذلك؟! نحن لم نخترع الفساد ولا أولئك المنشقين العباقرة اكتشفوه.

وبعد أن استغل الكيان الصهيوني احداث 11 اسبتمبر الذي جيّرته الولايات المتحدة لتصفية حساباتها مع خصومها في العالم، وقام باجتياح الاراضي الفلسطينية وارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين تحت ذريعة ما اسماه العمليات الارهابية تطوع بندر وأعلن أن العمليات الجهادية هي عمليات ارهابية ظناً منه أن ذلك سيخرج النظام السعودي من مأزقة.

وأخيراً فان من الواضح تماماً أن تجنيد بندر في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لا يحمل أية غرابة، فعلاقة الولايات المتحدة مع بني سعود لم تكن مبنية أساساً على أية رابطة نابعة من المساواة أو الشرف في العلاقات بين طرفين، وانما بنيت على اساس أن بني سعودهم أكثر الموجودين في المنطقة استعداداً للخيانة. لذلك فان الفرد من بني سعود يعتبر أن من أفضل الواجبات الملقاة على عاتقه، لضمان وجود العائلة، هو خدمة رغبات الولايات المتحدة، ومهما تكتسب هذه الواجبات من الخسة والمهانة.