العودة للفهرس

أنظمة الحكم: تكريس لدور الدولة التسلطية، وتقنين تدميرها للمجتمع المدني

ميرزا الخويلدي: الدستور هو سيد القوانين ومرجعها، وأهم ميزاته أنه يتحول إلى عقد (تراضي) بين الشعب والحكم يضمن مصالح الطرفين ويحدد واجباتهما.

والتحديد هذا هو عملية تقنين وتأطير وبالتالي فهو أيضاً عملية حصر وتضييق للصلاحيات والواجبات، والدستور هو النقلة الأولى من عالم اللاقانون إلى مجتمع القانون، وفي ظل الدستور ينشأ التكافؤ بين الحقوق والواجبات وبين الطاعة والالتزام وبين حق الدولة وحق المواطن، ومن هنا تنشأ نواة المجتمع المدني القائم على القانون الذي تنفصل فيه السلطات، وينمو الشعب بمؤسساته الاجتماعية والاقتصادية بشكل مستقل عن السلطة ومتكافئ معها.

والمفترض في أي دستور أنه يعزز أو يضع اللبنة الاولى للمسار نحو المجتمع المدني، وليس تعزيز دور السلطة والنخبة الحاكمة، وتقنين التجاوزات السائدة في مجتمع اللاقانون، فالسلوك السياسي والاجتماعي الخاطئ قبل الدستور لا يعتبر شرعياً إذا تضمنه بند دستوري، كما أن الدستور يفترض أن يكون (نقلة) هي في الحقيقة أهم النقلات بعد تأسيس الدولة، وليس مجرد (تكريس لما هو قائم فعلا) كما وصفه الملك فهد لحظة اعلانه في الأول من مارس الماضي.

والحقيقة أن دستور المملكة العربية السعودية لم يحقق سوى هذا (التكريس) الذي عبر عنه الملك.. تكريس لدور الدولة التسلطية وتركيزها وتقنينها بقانون دستوري، وتجاهل مطلق لدور الشعب ودور الفرد فيه كشخص مفكر ومميز ومختار، وعدم الاعتراف بل وتعمد نكران، دور المؤسسات الأهلية في ممارسة اعمالها بشكل مستقل عن سلطة الدولة.

ولا يكفي أن دستور المملكة لم يسمح بقيام أحزاب أو جمعيات أو نقابات، وانما عمد إلى المؤسسات الاهلية القائمة فعلا ليمد سيطرته عليها كما هو الحال بالنسبة للمادة (23) التي جعلت الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد أن كانت مسؤولية جماعية.

وفكرة الزعماء التسلطيين، أو الأنظمة التسلطية قائمة على عقيدة تفترض أن تلك الزعامات، أو تلك النظم تمتلك (المعرفة الخاصة) أو (الحقيقة الكبرى) والملك المتسلط في نظر أفلاطون الذي نظّر كثيرا لهذه الفكرة.. هو الذي يكون مسؤولا عن اقامة نظام اجتماعي ـ اقتصادي ـ سياسي، يقترب قدر الأمكان من تحقيق العدالة والخير في المجتمع البشري، وهو المذهب الذي سار عليه جميع الديكتاتوريين في العالم معتبرين أنهم وحدهم الاقدر على اقامة المجتمع الفاضل أو الدولة الكبرى، وهم يعتمدون على ايديولوجيات ومذاهب فكرية لاستلهام الشرعية في مراحل حكمهم الأولى وليس على تطبيق تلك الإيدلوجيات. فمثلا نصّت المادة السابعة في دستور المملكة وتكررت الفقرة في مواد أخرى على ان الحكم في المملكة يستمد سلطته من كتاب الله وسنة نبيه، وهي مادة تفترض ان الملك فهد هو الأقدر على استنباط الاحكام السياسية والاجتماعية والاقتصادية من الكتاب والسنة، وهو الاقدر على تحويل النظريات الفكرية في الكتاب والسنة إلى قوانين، وهو الوحيد المخوّل بتفسير أو تأويل تلك النصوص الشرعية. وكان يفترض أن الحكم يستمد شرعيته من اختيار الناس له وقدرتهم على المحاسبة للحاكم في مجال التطبيق، فتكون عملية التطبيق تلك خاضعة لرقابة مؤسسات أهلية كمجلس الشورى أو القضاء أو مؤسسات أخرى، لكن بما أن الدستور أراد أن يعطي مشروعية لذلك التجاوز الحاد الذي استمر ستين عاما ـ أي منذ إعلان تأسيس المملكة ـ ، فقد قصد الخلط، بين تطبيق الشريعة، وبين الجهة التي يخولها الشعب ممارسة تطبيقها ومحاسبتها على هذا الأساس.

أن محاولتنا تقصي تكريس أنظمة الحكم التي أعلنها الملك لدور النظام التسلطي تهدف إلى كشف الخلط بين مسار التصحيح السياسي المفترض وبين تمرير تجاوزرات سابقة، وبين اعطاء الشعب حقوقه السياسية أو الهائه بدور بيروقراطي هامشي لا يكفل له حتّى الاستقلالية في ممارسته، والهدف الثالث هو تحديد ملامح المجتمع المدني القادر وحده على اقامة نظام ديمقراطي. وقبل ذلك لابد ان نسلط الضوء على مغالطة كبرى وردت متكررة في دستور المملكة، وهي في الحقيقة دعامة أي نظام تسلطي، تلك هي مفهوم الدولة.

مفهوم الدولة

الدولة في المفهوم السياسي ترمز إلى العناصر الاربعة التي تكونها وهي الشعب والحكومة، والأرض، والسيادة.. وتتكون الدولة بما يصطلح عليه جان جاك روسو (بالعقد الاجتماعي) وهو الحال في جميع الدول المتحضرة، التي تشكلّت اساسا نتيجة اتفاق اجتماعي بين الحكم والناس، فأصبحت الولايات المتحدة دولة اتحادية ونشأت بريطانيا باتفاق مقاطعاتها الثلاث، لكن هذا الحال ليس كذلك بالنسبة لمعظم الدول العربية ودول الخليج بشكل خاص. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية لا يوجد اتفاق ولا حتّى رضا على اصطلاح الدولة السعودية من الناحيتين الجغرافية والسياسية، وقت أنشائها، وان كانت المصلحة اليوم تقتضي الحفاظ على وحدة البلاد وصيانة استقلالها.

لقد تشكلت دول الخليج الحالية بقرار بريطاني في اجتماع عقد في العقير ـ الميناء السعودي ـ عام 1922، اشتركت فيه برئاسة بيرسي كوكس ـ المقيم البريطاني في الخليج ـ والذي كان ممثلا عن الكويت، كلاً من العراق وسلطنة نجد التي تحولت عام 1932 إلى ما يسمى اليوم بـ"المملكة العربية السعودية".

وكان الهدف من الإجتماع في المقام الأول الحفاظ على مصالح بريطانيا في العراق ومصالحها في الخليج، ومحاولة لتثبيت مفهوم الولاء الجغرافي بدلا من الولاء المرتبط بالبشر والذي كان سائدا في الجزيرة العربية، وكان يهدف أيضاً إلى تجميد دور النخب القبلية وتركيز سيطرة القبيلة الحاكمة ودعمها لتصبح اليوم في ظل نظامها التسلطي المحتكر لمصادر القوة والثورة، المفهوم الحقيقي للدولة.

وإذا كان تأسيس الدولة السعودية لم يتم باتفاق شعبي، فإن نظامها السياسي الذي ظل حاكما لم ينتخب بارادة شعبية أيضاً، ولذلك طرحت الدولة التسلطية في عهد الملك فهد أخيرا ومن خلال دستورها معضلة تعتبر صلب النظام الاستبدادي، حيث نصّت الفقرة (باء) من المادة الخامسة على أن الحكم يكون (في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل وأبناء الأبناء)، وبالتالي فان اشكالية التوحيد والاحتلال التي لازمت الحكم السعودي منذ انشائه قد أثارها الدستور مرة أخرى.

تتكون المملكة من مقاطعات رئيسية خمس أخضعها الملك عبد العزيز بالسيف، واستمرت تحت ظل الحكم السعودي منذ ذلك الوقت والقوة واستحصال الدعم الخارجي عبر تحالفات شبه دائمة، وكان تهميش دور القوى المدنية في الاقاليم التي تتشكل منها البلاد أمرا مستهجنا ولكن كان له ما يبرره في ظل دولة اللاقانون، أما وقد وضع القانون الأول، فكان من المتوقع أن يحفظ لتلك الأقاليم حقها في المشاركة السياسية ويرفع الغبن الاجتماعي الذي ظلّ ملازما لها.

فتوحيد المملكة عام 1932 يعني اشتراك كل عناصر الوحدة في الحكم، أما الغاء بعض أو كل تلك العناصر فيعني انّه لم يكن سوى احتلال، وأن الحكم مارس سياسة انتداب أو احتلال، وهو وضع لا تقبل به حتّى العائلة المالكة نفسها.

مرة أخرى لا يعني هذا الكلام تشجيع أو دعوة للانفصال أو تضعيف الوحدة الوطنية، ولكنه يهدف في المقام الأول تعزيز هذه الوحدة بشكل يحافظ على استمرارها، وينزع فتيل التوتر الذي يهدد بتمزيقها. كان من المتوقع أن يعطي الدستور دورا للفاعليات الاجتماعية والسياسية من خارج العائلة المالكة لكنه ركز على منحهم دورا اداريا مربوطا بسلطة وزير الداخلية، (راجع نظام المناطق) كما أن الدستور لم يعط مجالاً لتلك الزعامات في التعبير عن رأيها أو في التمثيل المستقل وهو جوهر المجتمع المدني، كما عمد الدستور الذي خلا من حق المواطن في التعبير وتشكيل الجمعيات والنقابات المهنية وتشكيل الاحزاب السياسية، إلى جعل ثروات البلاد ملكاً للدولة، وقد لا يكون في هذا خطأ لولا أن الدولة في نظر العائلة المالكة تعني بالدقة: الحكومة، والأخيرة تعني بدقة أيضاً العائلة المالكة.

فدستور المملكة ومجلس الشورى المعين لا يتيح مجالا لنشوء زعامات محلية قد تنافس الاسرة المالكة مستقبلا في الحكم. إن الاستئثار بالسلطة الذي هو عصب النظام الاستبدادي وعدم فسح المجال للمعارضة والانتقاد والتشكيل المستقل، رافقته سلطة أبوية تضمنتها المادة الثالثة والاربعون التي تقضي بأن (مجلس الملك ومجلس ولي العهد مفتوحان لكل مواطن، ولكل من له شكوى أو مظلمة..) وهو تكريس فعلا لما هو قائم، إذ يفترض في عهد القانون ان هذه السلطة الأبوية تختفي أو تتقلص فالملك وولي العهد متعهدان بالسلطة التنفيذية، وبالتالي فالخلاف معهما والشكوى منهما والمظلمة مع الجهة التي يديرانها، لذا فإن الأمر يحتاج إلى سلطة ثالثة للتقاضي، ولذلك أيضاً وجد الخلط بين السلطات الثلاث (التشريعية ـ التنظيمية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية) واعتبرت المادة الرابعة والاربعون الملك مرجع السلطات جميعا.

جدير بالذكر ان وجود نص دستوري يفيد بأن مجلس الملك ومجلس ولي العهد مفتوحان هو دعوة لتعزيز سلطة العائلة لجر الناس لسؤالهم وتقديم طلباتهم التي لا يباشرها الملك أو ولي عهده وانما يحيلانها إلى الجهات المختصة وموعد الساعة الاسبوعي الذي يستقبل فيه الملك آلاف المواطنين لا يكفي حتّى لمزيد من التحية فضلا عن الجلوس مع الملك ومناقشته في سياسية الدولة والقضايا الكبرى الاخرى.

خواص الدولة التسلطية:

الخاصية الأولى التي برزت من خلال الدستور السعودي وتعتبر بحق أولى خصائص النظام التسلطي هي السعي لاحتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع.

فالقوة السياسية بيد الأسرة المالكة لا يشاركها أحد فيها، ولا يتيح الدستور حق العمل السياسي، ولا يعطي المجال للتعبير على الصعيد الاعلامي، وأنما ألحق كل مفردات العمل السياسي بالاسرة المالكة وحدها، وبالتالي فقد اعاد البلاد عقودا من الزمن للوراء، إلى ذلك الزمان الذي كان يستشعر فيه الافراد والجماعات أن السلطة لا تلبي طموحاتهم، مما ينتج عنه عودة إلى الولاءات القبلية والطائفية والإقليمية، التي تشعر السلطة في الوقت الحالي بأنها ضعيفة وبامكانها السيطرة عليها بالتخويف أو الإحتضان وإشعال التناقضات.

ان نظرة دقيقة للدستور تتيح لنا اكتشاف مدى المركزية الشديدة لدور الملك ودور الحكومة التي يتولاها فعلا رجال العائلة المالكة، فقد امتدت سيطرة الحكومة بفعل الدستور إلى جوانب الحياة الاجتماعية للناس كالتعليم والصحة والشؤون الدينية، والاعلام وغير ذلك، وهذا الاحتكار المركز يضيّق الخناق على الفاعليات الاجتماعية الراغبة في التميّز عن موقف المؤسسة الحاكمة. وبما أن الدولة ـ الحكومة تحتكر كل وسائل القوة والقمع، فإن التضييق يتحول إلى مرحلة الخنق والتدمير.

كان من الطبيعي أيضاً ان ينص الدستور على حق العمال في تشكيل نقابات مهنية وعلى حق المواطنين في تأسيس جميعات أهلية واحزاب سياسية، لكن بما أن هذه المؤسسات تعتبر نواة المجتمع المدني، فقد حرصت الدولة التسلطية السعودية على تدمير البنى التحتية لهذا المجتمع عبر قوانين تخوّل لها وحدها الاشراف على بعض هذه المؤسسات، وإلغاء البعض الآخر، حتّى لا يقوم كيان مستقل يصبح قطباً ومنافساً يلغي في المستقبل احتكار العائلة المالكة ودولتها التسلطية للحكم.

على الصعيد العملي فإن رجال العائلة المالكة يسيطرون فعلاً على كل الإمارات والوزارات السيادية المهمة، وتمتد سيطرتهم لتصل حتّى الجمعيات الخيرية الكبرى والنوادي الرياضية البارزة. لقد وجد المواطنون في هذه السيطرة منافساً غير شريف، وتدخلاً يستهدف تذويب الشخصية والطموح المستقلين.

ثانياً: اختراق النظام الاقتصادي:

السياسة الاقتصادية لكل بلد تنطلق من ثابت وهي النظرية ومتغير وهي السياسة القائمة عليها، وإذا كانت النظرية الاقتصادية كالاقتصاد المفتوح أو الاقتصاد الاشتراكي يكفلها الدستور باتفاق شعبي، فإن تطبيق النظرية مرهون بالسلطة التنفيذية وتحت رقابة شديدة من قبل السلطة التشريعية والسلطة القضائية، لأن اقتصاد البلاد هو عصب الحياة، وهو أيضاً أداة القوة السياسية التي يتمتع بها النظام، وصرف الميزانية العامة أو تحديدها يخضعان لاشراف مجلس الشورى الذي يراقب ويتابع تطبيق الخطط بصرامة خشية وقوع البلاد فريسة نظام اقتصادي أو سياسي عالمي، وهو ما يصطلح عليه بالتبعية التي هي أيضاً طريق التبعية السياسية والاجتماعية. فالسياسة الاقتصادية ملاصقة بشكل كبير لحياة الناس ومستقبلهم ومن هنا جاءت أهمية المراقبة والاشراف عليها.

نصت المادة الرابعة عشرة من النظام الأساسي ـ الدستور، على احتكار الدولة ـ السلطة لجميع ثروات البلاد في باطن الأرض أو ظاهرها وفي أي جزء تصله سلطة الدولة، بينما أعطت المادة الخامسة عشرة للسلطة التنفيذية حق منح أي أمتياز أو استثمار دون الرجوع إلى مجلس الشورى، أما المادة الثالثة والسبعون فقد أعطت للملك صلاحية الالتزام بدفع أي مال من الخزانة العامة للدولة حتّى وان لم تتسع لها بنود الميزانية، مما يعطي الملك مجالا مطلقا في صرف أموال الميزانية العامة وتغيير خطط الانفاق للوزارات، وهذا الإطلاق أيضاً يخّول الملك التحرك بحرية مطلقة على الصعيد السياسي، فما دام قادرا على الانفاق والدفع الفوري حتّى وان تضررت ميزانية بلده فإنه لن يتردد في أي مناورة سياسية.

لقد حددت المادة السادسة والسبعون صدور الميزانية العامة بمرسوم ملكي لكنها لم تشترط موافقة مجلس الشورى، ولم تضع في المقابل أي بند يقضي بوجود سلطة مستقلة تراقب عملية الانفاق والصرف أو تشترك في رسم السياسة الاقتصادية للدولة.

وبالرغم من أن الدستور وضع قانوناً بتشكيل جهاز مراقبة على جميع ايرادات الدولة ومصروفاتها "المادة 79" إلا أنه ربط هذا الجهاز برئيس مجلس الوزراء ـ الملك، ويعني أن سلطة الرقابة ليست مستقلة ولا يمكن الاعتماد على جهودها.

تعتمد الحياة الاقتصادية في المملكة إلى حد كبير على الانفاق الحكومي المتمثل في الميزانية السنوية للدولة، ان القطاع العام هو القطاع المهيمن على الغالبية العظمى من النشاطات الاقتصادية في البلاد، لذلك فإن حجم ميزانية الدولة هي التي تحدد حجم النشاط الاقتصادي والتشغيلي، إن قطاعات واسعة من الاقتصاد السعودي تعتمد أو تتوالد نتيجة الأنفاق الحكومي واتضح ذلك بصورة اكثر تركيزا في خطط التنمية الخمسية التي ترافقت مع تصاعد اهمية ودور قطاعات الاستيراد والتصدير والعقارات والبناء والهندسة والصيانة، وغير ذلك من المشاريع التي تحتاج إلى عدد كبير من العمال، كما تحتاج إلى ضخّ متوال ومتصاعد من المال الذي يجب ان يتوفر من وجود اعمال (طلب عمل) مستمرة أو من المقاولات الحكومية، وفي كلا  الحالين فإن الأساس هو الانفاق الحكومي لأن طلب العمل في هكذا نظام اقتصادي لا يتاتى إلاّ عن الانفاق الحكومي.

وتتفرّع الأعمال الناتجة عن تلك المشاريع والمتأثرة بها، كالتجارة والسكن وتوريد العمال والمواصلات وما أشبه، وهذا النشاط الذي لاحظناه مثلا في العام 1982، أصيب في الصميم بعد انهيار اسعار البترول وتدني عائدات الحكومة من الدخل الناتج عن تصديره، وتاثرت جميع تلك القطاعات، وهي التي ترتبط بها بدرجة كبيرة الطبقة الوسطى من المجتمع السعودي، وصغار المستثمرين، وأصبحنا نرى بطالة صريحة ومقنعة، وتخفيض يومي لعدد العمال، وتسريح لمئآت المشتغلين، وأنهاء عقود وإعادة العشرات من الأجانب.

وهذه السيطرة المركزية على الاقتصاد، تجعل الدولة شبيهة جداً بالدول الاشتراكية حتّى وإن ظهرت بمظر الدولة الرأسمالية، فرأس المال لا يتداول بين الشعب والحكم ولكن يبقى رهيناً بيد السلطة، والنمو الاقتصادي المزدهر في البلاد مرتبط بتدفق النفط وقائم على صناعة واحدة لا يؤمن أن تنهار تلك الصناعة، أو تقل أهميتها أو تقل أيراداتها، أو تتعطل ومن ثم تسقط المشاريع القائمة على هذه الصناعة، وتعود البلاد أرداحا للوراء.

أن اقبح ما فعله النظام التسلطي أنه تحكم في قوت الناس، وأصبحنا نرى في الاتحاد السوفياتي ـ سابقاً وفي ظل دولة تخترق النظام الاقتصادي وتمنع تكّون حياة اقتصادية مستقلة، أن نشاهد المواطنين يقفون طوابير لتلقي صدقات الغرب، وللحصول على وقود السيارات. والاتحاد السوفيتي السابق هو أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، في وقت نرى أن الحياة الاقتصادية للشعب اللبناني بقيّت صامدة بالرغم من عدم وجود حكومة حقيقية طيلة سنوات الحرب، بسبب استقلال القطاع الخاص ونموه، ولم يكن أحد يحتاج إلى الحكومة حتّى يحصل على وظيفة أو عمل كما هو الحال في السعودية.. ان الهدف من هذا الارتهان البشع هو اختراق المجتمع المدني واختراق نظامه الاقتصادي وتذويب وحداته الاجتماعية في ظل النظام السياسي وبالتالي أسره والتحكم في قراره.

ثالثا: شرعية القوة:

في أي نظام استبدادي ـ تسلطي يجد الحكم شرعيته قائمة على قدرته على استعمال القوة والتلويح بها، وليس الانتخاب أو الترشيح، فدور الجيش والقوات المسلحة والحرس الوطني في ظل نظام التسلط هو دور داخلي للقمع، ولذلك وجدنا اقتضابا شديدا فيما يختص بدور المؤسسة العسكرية، واقتضابا أكبر فيما يختص النفقات الباهظة التي تصرف عليها لأن النظام في المملكة يعتقد أن القوات المسلحة هي درع الحماية لوجوده ولاستمرار سلطة العائلة المالكة، ولا يعتقد أنه بحاجة إلى مؤسسات دستورية أو أهلية لحماية ألامن وصيانة النظام.

ولوجود اشكالية أخرى حول الدولة ودور الجيش فيها كما سلف، فإن الدولة التسلطية في الخليج تشكّلت بقرار خارجي والجيش الذي هو دعامتها امتداد لذلك القرار، أُنيطت به مهمة صيانة الدولة، والحفاظ على موقع العائلة الحاكمة، بل أن جزءاً مهما من توفير الاستقرار الداخلي يعتمد على توافق دولي كما لاحظناه بالنسبة للكويت ولم يكن نتيجة بناء وطني. وقد كان حرياً بدستور المملكة أن ينص على تشكيل قوة وطنية قادرة فعلا على الدفاع عن الوطن، يعزز ذلك بتربية الجيل على البناء والدفاع عن الوطن وليس طاعة ولي الأمر ـ الملك كما نصّت المادة التاسعة.

في ظل التجاهل التام والمتعمد لدور المواطنين، فإن سيف القمع يبقى مسلطا على رقابهم، لأن عقوبة المخالف للنظام في ظل نظام متسلط تساوي الخيانة العظمى ويكون دور الجيش والقوات المسلحة قمع المعارضين.

* * *

لقد لاحظنا في دستور المملكة انّه عزز فعلا دور الدولة التسلطية ولم يعط أي مجال لتكون المجتمع المدني، فهو لم يعترف بأي شكل من أشكال المشاركة والانتقاد والانتخاب وبالتالي فلم يول اهتماما يذكر لدور الإنسان والمؤسسات الاهلية، كما لم يراع التطور الاجتماعي والسياسي الذي تشهده البلاد.

كما أن الدستور أنكر على الشعب حقه في التمثيل المدني عبر جميعات ونقابات مستقلة، ولم يفصل في الحقوق المدنية، كما احدث بونا شاسعا بين الحقوق والواجبات. فبقدر ما أعطى الملك والسلطة التنفيذية من حقوق، لم يلزمها بأي واجب مادي، أو معنوي، بل لم يشترط على الملك أن يؤدي قسم الحكم الذي يلزمه معنويا.. تلك الصلاحيات كانت مطلقة، إلى حد اعطاء الملك حق اصدار قرار الحرب دون مراجعة أحد لا في مجلس الشورى ولا مجلس الوزراء، في وقت شهد العالم اجمع ويلات هذا النوع من الصلاحيات المنوطة بشخص واحد بعد حماقة رئيس العراق، ويسعى اليوم إلى تجريد اولئك الحكام من هذه الصلاحية الخطيرة وربطها بمجلس الشعب المنتخب انتخابا مباشراً. ان قرار الحرب أخطر قرار سياسي في تاريخ البلاد، والدول المتحضرة تحرص على سحبه من يد الحاكم إلى يد السلطة التشريعية، وتفرض على الرئيس في زمن الحرب قيوداً ورقابة شديدة كتقديم تقرير يومي وطلب احضار وزراء الحرب للمناقشة اسبوعيا وما أشبه.

وفي دستور المملكة هناك بند يعتبر في غاية الندارة والغرابة، وهو البند 62 الذي يعطي الملك حق تثبيت أوضاع الطوارئ حتّى بعد زوال أسبابها، وإعطاء القرارات التي تتخذ في ظروف استثنائية صفة الاستمرار حتّى بعد زوال الظرف الاستثنائي، ويمكن بفعل هذه المادة ان يعطل الملك الدستور أو يمنع التجول أو يمنع السفر في اوقات يعتبرها استثنائية، ثم يقرر أن يعطي لذلك القرار صفة استمرارية فيبقى التجول ممنوعا إلى الابد أو السفر محظورا حتّى اشعار آخر، وهو تضييق على مصالح الناس وحرياتهم كان ينبغي تجاوزه.

أخيراً.. تبقى هذه أنظمة الحكم مهمة، لانها تعتبر الخطوة الاولى التي لابد منها نحو طريق طويل وشاق لتحقيق الحرية والديمقراطية والاستقرار لهذه البلاد.