العودة للفهرس

العلاقات السياسية العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية

بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973

اسفرت مشاركة السعودية إلى جانب الاقطار العربية الأخرى في العقوبات النفطية، ومن ضمنها اعلان الحظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، عن تأزم حاد كفاية، وان كان قصير الامد، في العلاقات الأمريكية السعودية. وبلغت الأمور إلى درجة حدت بوزير النفط السعودي احمد زكي يماني إلى ان يعلن يوم 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1973 ردا على تهديدات وزير الدفاع الأمريكي شليسنجر باستخدام القوة اذا ما صر العرب على ابقاء الحظر المفروض على ارساليات النفط، ان بلاده في هذه الحالة سوف تنسف ابار النفط. وفي الوقت ذاته ايدت السعودية قرار الدول الاعضاء في الأوبيك بشأن رفع اسعار النفط: فقد تم رفع الاسعار من 3,11 دولار عن البرميل الى 11,65 دولار.

كان موقف السعودية هذا ليس نابعا من اعتبارات استراتيجية بقدر ما كان نابعا من اعتبارات تكتيكية. فقد ذكر ج. لاو، مراسل مجلة "يو اس نيوز اند وولد ريبورت" في 18/3/1974 "ان فرض الحظر على تصدير النفط الى الولايات المتحدة لم يرق لا للعاهل السعودي ولا لأهالي السعودية. ولم يلمس من هذا الوضع سوى الكآبة وخيبة الأمل ازاء تردى علاقات الصداقة القديمة بين السعودية والولايات المتحدة.

لقد كان الحظر بالنسبة لهذه المملكة الغنية بالنفط ضرورة ساسية املاها كون الولايات المتحدة تساند اسرائيل".

لندع على ذمة لاو ادعاءه هذا بشأن رد فعل اهالي السعودية، اما بشأن سياسة الدوائر السعودية الحاكمة، فقد كان في هذا المضمار محقا دون شك: فالملك فيصل لم يكن بالتأكيد يعتزم الاقدام على قطيعة نهائية مع الولايات المتحدة.

لهذا سمحت القيادة السعودية لنفسها بان ترتضى نشاط الولايات المتحدة الدبلوماسي الذي تاهر بانه يطمح إلى احلال السلام في المنطقة كدليل على ان واشنطن قد تبنت موقفا اكثر حيادا في مسألة التسوية في الشرق الأوسط، وبناء عل ذلك عاودت انتهاج سياستها السالفة الموالية لأمريكا.

في اجتماع دول الاوبيك الذي عقد في فيينا يومي 17 ـ 18 آذار (مارس) 1974 اصرت السعودية على تجميد اسعار النفط، وبعد مضى بضعة ايام اعلنت عن زيادة استخراجه بمقدار 1 مليون برميل في اليوم. وكان الحظر المفروض على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة قد الغى.

ثم اعقب ذلك تطبيع سريع للعلاقات الأمريكية السعودية بل حتى توطيد هذه العلاقات. ففى 5 نيسان (ابريل) 1974 اعلن ان الولايات المتحدة سوف تقدم للسعودية معونة في تصنيع البلد. وفي 8 نيسان وقع الأمير سلطان وزير دفاع المملكة، عقدا لشراء صواريخ "هوك" الأمريكية. وتمثلت نقطة الاوج في العلاقات الأمريكية السعودية في توقيع اتفاقيات خلال شهر تموز (يوليو) 1974 حول تشكيل لجان مشتركة للتعاون الاقتصادي والتعاون في مجال الدفاع. لقد ادة هذه الخطوات، كذلك زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الرياض، الى نمو حاد للتوسع العسكري الأمريكي في السعودية: ففى السنة المالية 1974/ 1975 شغلت المملكة المركز الثاني بعد ايران في مشتريات السلاح الأمريكي.

في هذه الفترة اجرت البعثة العسكرية الأمريكية في السعودية سلسلة من الاعمال تتعلق بتجديد احتياجات البلد العسكرية وتحديث القوات المسلحة السعودية عن طريق زيادة عدد افرادها ومشتريات السلاح الأمريكي.

واعير اهتمام خاص لتنمية القوات الجوية. فعملا بالخطط الطويلة الأجل طلبت السعودية تزويدها حتى اواخر عام 1974 بـ 126 مقاتلة من طراز أف ـ 5 أي وأف ـ 5 أف تنتجها شركة "نورثروب"، ووقعت عقدا مع شركة "بوينغ" لأقامة منظومة لمراقبة الحركة الجوية، ووقعت طائفة من الاتفاقيات مع جهاز الخدمات الهندسية للجيش الأمريكي لانشاء قواعد جوية. كل هذا ادى إلى زيادة حادة في عدد الخبراء الفنيين العسكريين الأمريكان في المملكة. على سبيل المثال، كان يعمل في البلد عام 1975 عن شركة "نورثروب" وحدها 450 شخصا، ثم بلغ عددهم 900 في عام 1977، ثم قفز الى 1800 عام 1980. وفى فترة الاعوام 1976 ـ 1980 جرى تزويد السعودية بما يتراوح بين 22 و44 بالمئة من منتوج الشركة (بواقع الكلفة).

ولم تغب عن البال ايضا الاصناف الأخرى في القوات المسلحة السعودية. اذا وقعت الحكومة السعودية جملة كاملة من العقود لشراء دبابات امريكية من طراز أم ـ 60 أيه 1 ومدافع من مختلف الأعيرة وصواريخ "تاو" و"دراغون" المضادة للدبابات ومجمعات صاروخية محمولة مضادة للجو من طراز "ريد أي" وبطاريات مضادة للجو ذاتية الحركة من طراز "فولكان" ومعدات حربية اخرى لتسليح القوات البرية.

وكان من المقرر تحديث القوات البحرية هي الأخرى بشكل ملموس. فبموجب الاتفاقية الجديدة الموقعة في نيسان (ابريل) 1974 كان على سلاح البحرية الأمريكي ان يقوم بتدريب افراد القوات البحرية العسودية، وبتأسيس مدرسة بحرية عسكرية في السعودية وبناء قاعدتين بحريتين كبيرتين في الخليج العربي وعلى ساحل البحر الأحمر ـ في جبيل وجدة، ونقاط للمرابطة البحرية في رأس تنور والدمام وينبع، ومقر لاركان القوات البحرية في الرياض وتوريد سفن حراسة واخرى للصواريخ، مع ايفاد العدد اللازم من الخبراء. وبلغت كلفة العقد الاولية 150 مليون دولار، لكنها قفزت في عام 1977 الى ملياري دولار.

ولم يترك بلا رعاية ايضا الحرس الوطني الذي كان عليه حسب نوايا السلطات السعودية، ان لا يكون مؤهلا لتنفيذ المهام المتعلقة بحفظ الامن الداخلي فحسب، بل وان يكون موازنا للجيش النظامي، اذ لم تغب عن بال السلطات دروس مساهمة الجيوش في الصراع السياسي داخل جملة من الاقطار العربية. نصت الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة في نيسان (ابريل) 1975 على ان يقدم الخبراء الأمريكان يد العون في اعادة تنظيم وحدات الحرس الوطني، وان يزودها بأسلحة تضم 150 مدرعة من انتاج شركة "كاديلاك غايج" ووسائل مضادة للجو ومضادة للدروع. وبالنظر للقيود التي فرضها الكونغرس الأمريكي على استخدام العسكريين الأمريكان في الخارج، جرى، لأجل تأمين حاجة الحرس الوطني الى ما يلزمه من خبراء، تشكيل مؤسسة خاصة كمقاول ثانوي، هي "فينيل كوربوريشن اوف اناهايم" التي كانت تقوم بتجنيد العسكريين الأمريكان السابقين للعمل بعقود في السعودية. وقد بلغ عددهم في عام 1976. ومن ضمنهم خبراء الشركات المنتجة للأسلحة المخصصة للحرس الوطني 1000 شخص.

بهذا لاشكل، وعلى اثر حرب تشرين مباشرة، نما التوسع العسكري الأمريكي نموا حادا. فقد عمدت الشخصيات الرسمية الأمريكية التي تتصرف ضمن اطار سياسة "الركيزتين" في الخليج وتستغل خوف حكام السعودية امام الحركات الوطنية التقدمية في الشرق الأدنى، ولكنها تتهيب بدورها من "الخطر السوفييتي" الموهوم، الى عسكرة حثيثة للسعودية. ولم يكن الجانب الامريكي خلال ذلك ينطلق من اعتبارات الاحتياجات الدفاعية للمملكة، بقدر ما كان ينطلق من مصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي. وعلى الرغم من ان الأسلحة الجاري تقديمها قد اصبحت احدث مما كانت عليه في الستينات واصلت الشركات الأمريكية في احيان كثيرة بيع نماذج من المعدات الحربية لا يمكن وصفها بأنها الارقى إلى القوات المسلحة السعودية. وكانت المشاريع المخصصة للاغراض الحربية التي يشيدها جهاز الخدمات الهندسية التابع للجيش الأمريكي تكلف الخزينة السعودية مبالغ خيالية. بعبارة أخرى أن البنتاغون ومقاوليه الثانويين كانوا يسعون بالدرجة الأولى الى ابتزاز الدولارات النفطية وضمان اعلى قدر ممكن من الارباح لانفسهم. وكانت احدى طرائق بلوغ هذه الاهداف هي تزويد السعودية ببعض انواع الأسلحة بكميات غير ضرورية وغير مبررة بتاتا. على سبيل المثال، كان على القوات المسلحة السعودية، تنفيذا للخطط التي وضعها الخبراء العسكريون الأمريكان، أن تشتري من الولايات المتحدة 6000 صاروخ مضاد للدروع و 2000 صاروخ "جو ـ جو" وهلمجرا. وقد ذكرت مراجع أمريكية في وقت لاحق ان هذه الكميات كانت ضربا من العبث اذا ما اخذنا بالاعتبار مشاكل التخزين والخدمات الفنية ومعامل الاستخدام الميداني والانفاق القتالي المحتمل.

بهذا الصدد، وبلا ولوج في بحث الجوانب المعنوية لهذه القضية، نشير إلى ان بعض الوسطاء السعوديين في صفقات توريد الاسلحة كسبوا هم ايضا ثروات طائلة على حساب شتى انواع مدفوعات السمسرة. على سبيل المثال، حصل اشهر هؤلاء الوسطاء، وهو عدنان خاشقجي من شركتي "نورثروب" و"لوكهيد" الأمريكيتين على مئات ملايين الدولارات، وحول جزءا منها إلى صناديق الحملات الانتخابية للرؤساء الأمريكان. اما بشأن الشركات الأمريكية، فلم تتحمل أي قدر من الاضرار نتيجة تقديم الرشاوى لخاشقجي وامثاله: اذ كان البلد المشتري للسلاح يتحمل كل المدفوعات ذلك ان الباعة كانوا يدرجون الرشاوي واجور السمسرة ضمن الكلفة العامة للصفقات، وبهذا النحو كلما كان مبلغ الرشوة أكبر نال اصحاب اسهم الشركات الأمريكية ارباحا أكبر.

ومهما يكن من أمر، ففى النصف الأول من السبعينات استمرت العلاقات السياسية العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تتطور بخط صاعد. ولم ينعكس عليها حتى مقتل الملك فيصل يوم 25 آذار (مارس) 1975 ومجئ الملك خالد الى السلطة في السعودية.

كانت سياسة المجموعة الجديدة الحاكمة في السعودية تتجاوب في الكثير من مصالح الولايات المتحدة. علاوة عل ذلك. كانت السعودية في جملة من الحالات "تحل محل" الولايات المتحدة الواقعة تحت تأثير "عقدة فييتنام"، فيما يخص تقديم الدعم للقوى الرجعية في انغولا والصومال وبعض المناطق الأخرى من الكرة الأرضية. كما ان تقديم المساعدة المالية لنظام السادات في مصر قد ساعد هو الاخر، وإلى درجة لا يستهان بها، على جعل الرئيس المصري يقدم على عقد اتفاقيات كامب ديفيد.

بيد أن موقف السعودية من مسألة التسوية في الشرق الأوسط قد تغير في وقت لاحق. فعلى الرغم من ان الدبلوماسية السعودية بذلت كل ما في وسعها من اجل الحيلولة دون تشكيل الائتلاف المناهض للسادات بعد زيارته المشينة الى القدس، ورفضت تأييد مقاطعة الاقطار العربية لمصر على اثر توقيع اتفاقيات كامب ديفيد الأولى، اتخذت السعودية موقفا بالغ السلبية تجاه االاتفاقية الثانية في كامب ديفيد. لقد ذكر ولي العهد الأمير فهد (الذي اصبح ملكا في وقت لاحق) وكان آنذاك نائبا أول لرئيس وزراء السعودية، في تصريح ادلى به لصحيفة "موند" الفرنسية انه على الرغم من ان السعودية تسعى بصدق إلى احلال السلام في الشرق الأدنى، فهى تعارض السلام غير المأمون الذي يحاول الأمريكان فرضه على المنطقة بالقوة والذي ينطوي على خطر اندلاع حرب جديدة. واعرب فهد عن قناعة القيادة السعودية بأن واضعي اتفاقيات كامب ديفيد لم يأخذوا في الاعتبار حتى مبادئ السلام الجذرية في المنطقة، حين تجاهلوا كليا حتى الشعب الفلسطيني في الاستقلال والعودة إلى وطنه، وكرسوا عمليات الوجود العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان ولهذا، كما قال فهد، تعتبر اتفاقيات كامب ديفيد، في جوهر الأمر، لا طريقا يفضى إلى سلام عادل وشامل، بل على العكس، انها تدفع المنطقة الى العنف والتطرف، وتمهد لمزيد من اراقة الدماء.

ان انتهاج السعودية لخط سياسي مستقل فيما يتعلق ببعض قضايا التسوية في الشرق الأدنى لم يؤثر كثيرا في العلاقات العسكرية السعودية الأمريكية، رغم ان الإدارة الأمريكية اضطرت الى بذل مزيد من الجهود داخل الكونغرس (الذي تسوده تقليديا امزجة قوية موالية لإسرائيل" من اجل تمرير صفقات توريد الأسلحة للمملكة.

وفي هذا المجال ترتدي الكثير من الدلالات قصة عقد اتفاقية بيع مقاتلات أف ـ 15 للسعودية.

في عام 1975 دعت وزارة الدفاع الأمريكية وفدا سعوديا للاطلاع على احدث معدات سلاح الجو الأرميكي واختيار طائرة للقوات الجوية السعودية. وبعد الاطلاع على مختلف البدائل اتخذت القيادة السعودية في مطلع عام 1977 قرارا بشراء طائرة أف ـ 15 التي يمكن استخدامها كمقاتلة وكمقاتلة ـ قاذفة، كما كانت الطائرة مزودة باحدث الأجهزة الالكترونية، وتتمتع بمدى تحليق بعيد.

وحالما ظهرت انباء احتمال بيع هذه الطائرات للسعودية، هبت الاوساط الموالية لإسرائيل معارضة خطط الإدارة الأمريكية هذه. وكانت اعتراضاتها الرئيسية على بيع الطائرة لبلد عربي تنحصر فيما يلي:

ـ ان ارساليات طائرة عصرية مثل أف ـ 15 سوف تحدث زيادة كبيرة في القدرات القتالية للقوات الجوية السعودية، وبالتالي سلاح الطيران العربي بوجه عام.

ـ سوف يزداد كثيرا الخطر على اسرائيل التي سوف تضطر الى تخصيص جزء من طائراتها للتصدي لهذا الخطر.

ـ ان بامكان السعودية استخدام هذه الطائرات لاغلاق الجزء الجنوبي من البحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية.

ـ ثمة خطر يتلخص في ان تقدم الحكومة السعودية هذه الطائرات الى بلدان عربية اخرى لغرض استخدامها ضد إسرائيل،

ـ للطائرة مواصفات هجومية،

ـ ان تقديم الخدمات لهذه الطائرات يتطلب ارسال عدد كبير من خبراء شركة "ماكدونيل" سيكونون في هذه الحالة بمنأى عن اشراف الحكومة الأمريكية.

وجرى التشكيك في جدو بيع المعدات الحربية العصرية للسعوية ايضا بالنظر لكون العديد من الخبراء الأمريكان كانوا يجاهرون صراحة بعدم ثقتهم ازاء مستقبل النظام السعودي والانظمة المماثلة له في المنطقة في سبيل المثال، كتب ج. كيغا، الرئيس السابق لاستخبارات سلاح الطيران الأمريكي، في تقريره إلى الكونغرس خلال جلسات الاستماع المتعلقة بقضايا الوضع الاستراتيجي في الشرق الأدنى: "ان احدى السمات التي تسم الانظمة المحافظة في العالم العربي، والتي تعتمد عليها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية هي عدم استقرارها. واذا كان هناك مكان في العالم مهيأ للثورة فهو عالم الانظمة العربية المحافظة، وفي رأيي أننا سوف نشهد خلال الـ 10ـ 20 سنة القادمة سقوط نظام العسودية على يد الوف الضباط السعوديين الشباب الجاري تدريبهم الأن عندنا وفي اوروبا الغربية، والذين سيعودون بعد ان اطلعوا على قيم واخلاق اليمقراطية العظيمة الى احد اعتى البلدان الاستبدادية في العالم… ان على الولايات المتحدة ان تكون حذرة في مسألة تقديم التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي ان وقعت في يد الفئات الراديكالية، قد تغير تغييرا ملحوظا تناسب القوى لصالح الاقطار العربية في مجابهتها مع إسرائيل".

لقد جرت مناقشة كل هذه الاعتبارات مناشقة دقيقة وكثيرا ما كانت تجرى باسلوب مهين بالنسبة للسعودية عند البت بالصفقة المقترحة داخل مجلس الشيوخ في ايار (مايو) 1978.

أما ممثلوا الإدارة الأمريكية فقد أكدوا بدورهم ان بيع طائرات من هذه الطراز لن يؤدي إلى تغيير ميزان القوى بين الاقطار العربية واسرائيل، ذلك ان تغلغل الخبراء العسكريين والمدنيين الأمريكان العميق في كل حلقات الميكانيزم العسكري السعودي سوف يجعل استخدام السعوديين للمعدات العسكرية الأمريكية خلافا لرغبات ومشاريع الولايات المتحدة أمراء متعذرا عمليا.

عدا عن ذلك، اشار الخبراء العسكريون الأمريكان الى ان الطائرات المزمع تقديمها الى السعودية لن تحتوى على الكمبيوترات المعقدة اللازمة لاستخدام السلاح بشكل فعال. اضافة الى ذلك ان هذه الطائرات لم تكن مجهزة بتراكيب لحمل القنابل والصواريخ من طراز "جو ـ ارض"، الأمر الذي يجعل من غير الممكن استخدامها كطائرات للاسناد البري. وفي التحصيل الأخير لم يصادق الكونغرس على صفقة بيع الطائرات الا بعد ان وافق السعوديون على شرائها من دون صهاريج معلقة، وتعهدوا بعدم مرابطتها في قاعدة تبوك الجوية، وهي القاعدة الوحيدة للقوات الجوية السعودية، التي تقع في حدود المدى الميداني عن إسرائيل.

ثم ان هذه الصفقة لم تعقد إلا بعد أن جمعتها الإدارة في "سلة" واحدة مع ارساليات السلاح إلى مصر وعدد اضافي من الطائرات إلى اسرائيل. ولاجل تطمين اسرائيل والمدافعين عنها نهائيا وعدت الإدارة بارجاء الارساليات للسعودية إلى عام 1981.

وتجدر الاشارة إلى ان المسؤولين السعوديين الجيدي الاطلاع على مطبخ واشنطن السياسي اخذوا هم ايضاً يستخدمون لأجل حماية مصالحهم افراد اللوبي ممن لهم علاقات بالاوساط التي تقرر السياسة الخارجية الأمريكية (مصالح السعودية تضمنها شركة "هوغان اند هارتسون" الحقوقية المعروفة التي يعتبر وليم فولبرايت اكبر الشركات فيها ابتداء من عام 1975، وهو الرئيس السابق للجنة مجلس الشيوخ للشؤون الخارجية، الذي عارض كثيرا في زمانه التوجه الوحيد الجانب الموالي لإسرائيل للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مما كلفه في النتيجة مقعده في الكونغرس". وبطبيعة الحال ان اللوبي العربي اضعف كثيرا من اللوبي الصهيوني، ولكن نراه رغم ذلك يفلح احيانا في تأمين اتخاذ قرارات لصالح هذا البلد العربي او ذاك، ولا سيما اذا كان ذلك يتجاوب ومصالح الدوائر الأمريكية.

ان مراسيم عقد اتفاقية بيع طائرات أف ـ 15 للمملكة والمناقشات المطولة داخل الكونغرس تركت لدى القادة السعوديين انطباعا سيئا للغاية وحملتهم على الشك في كلية الاعتماد على الوليات المتحدة باعتبارها الجهة الوحيدة المقدمة للسلاح. فاستعراضا لامزجة الاوساط السعودية العليا قام وزير خارجية المملكة الأمير سعود الفيصل عام 1980، وبصراحة شديدة، بابلاغ مسؤولين امريكيين بان بلاده كانت قد اتخذت قرارا بشراء السلاح الأمريكي انطلاقا من اعتبارات سياسية، أملا منها في ان تساعد هذه الخطوة على استمرار توطد العلاقات السعودية الأمريكية، بيد ان هذا القرار، كما تدل جميع الشواهد، كان خاطئا.

بديهي ان تذمر الاوساط الحاكمة في السعودية من العلاقات مع واشنطن، لا يعود إلى تعثر ارساليات السلاح الأمريكي فقط. والأمر الاهم هنا هو بواعث سياسية ففي المقام الأول لم تتحقق آمال القيادة السعودية في ان تتخذ الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف موقفا أكثر توازنا في مسائل تسوية نزاع الشرق الأدنى، وتتخلى عن دعمها اللامشروط لإسرائيل، وتدرك ضرورة حل القضية الفلسطينية التي كانت لها بالنسبة للسعودية اهمية سياسية داخلية لا يستهان بها، ذلك ان هناك الوفا عديدة من الفلسطينيين يعملون في المملكة، ولم يكن بمقدور الحكومة السعودية ان تتجاهل امزجتهم.

ثمة تذمر خاص لدى العائلة المالكة في السعودية كانت تثيره السياسة الأمريكية تجاه إيران، حيث ساعدت تصرفات واشنطن المترددة والخرقاء، كما أكدت بعض الشخصيات السعودية الرسمية، على سقوط نظام الشاه. ولم توطد ثقة السعودية بـ"صديقتها" وراء المحيط ايضا طروحات الصحافة الأمريكية التي ظهرت بغزارة في مجرى الثورة الإيرانية وبعد هروب الشاه من إيران بشأن وهن النظام الملكي السعودي، والمواعظ الملحاحة من قبيل انه ما من حاكم لدولة موالية للغرب في الشرق الادنى بوسعه ان يشعر بالامان في هذه الإيام.

وللانصاف ينبغي القول ان الأمريكان كانت لديهم مسوغات للشك في متانة واستقرار النظام الملكي السعودي. ففي ايار (مايو) ـ حزيران (يونيو) 1977 اكتشفت في السعودية مؤامرة مناهضة للحكومة نظمتها مجموعة من ضباط القوات الجوية السعودية في قاعدة تبوك الجوية. وكان الضباط قد خططوا لقصف القصور الملكية في الرياض وجدة واعلان جمهورية إسلامية. وتمكن طياران من تحاشى الاعتقال بأن فرّا بطائرتيهما إلى بغداد.

بعد ذلك حظرت السلطات لمدة بضعة اشهر تواجد ذخيرة على متن الطائرات وتزويدها بوقود أكثر مما يكفي للتحليق 30 دقيقة.

وفي صيف عام 1978 نشطت في السعودية تحت تأثير الأحداث الإيرانية كتل ومنظمات معارضة مختلفة. واكتسبت ابعادا واسعة بصفة خاصة نشاطات الأقلية الشيعية في المحافظة الشرقية. وفي خريف عام 1978 شهدت المدن الكبيرة في المملكة حوادث توزيع مناشير طرحت بها إلى جانب النداءات ذات الطابع الديني المحض مطالب سياسية ايضا، مثل الاطاحة "بالحكام المستبدين والخونة"، طرد الأجانب من البلد، اقامة نظام حكم ديمقراطي، الخ.

وتمثلت ذروة الانشطة المناهضة للحكومة في احداث تشرين الثاني (نوفمبر) 1978 في مكة، حين اقدم اعضاء منظمة لم تكن معروفة في الماضي يبلغ عدد افرادها 300 ـ 500 شخص باحتلال الحرم النبوي الشريف، واحتجزوا مئات المصلين كرهائن واعلنوا بان زعيمهم محمد بن عبد الله هو الإمام المنتظر وطرحوا على السلطات جملة من المطالب، منها العودة إلى احكام القرآن وسيرة الرسول، وتطبيع تغييرات جذرية في تشكلية الحكومة واعادة النظر في السياسة المتبعة في مجال استخراج وبيع النفط، واعلان السعودية "مملكة إسلامية" وابعاد المستشارين العسكريين الاجانب من البلد.

ولم يتسن لقوات الحكومة اخماد هذه الحركة الا بعد 13 يوما من التراشق الشديد بالنيران.

بعد اخماد اعمال الشغب اجرى حكام السعودية اعادة تنظيم ملموسة لقيادة الشرطة والجيش، واستبدلوا الموظفين في المحافظتين الغربية والشرقية بغيرهم، واستقدموا خبراء فرنسيون والمان غربيون لتعزيز جهاز الأمن. وجرى تشديد القمع ضد المعارضين في الرأى.

لقد اظهرت احداث مكة بوضوح ان البلد يشهد عمليات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة تدل على استمرار اشتداد التناقضات داخل المجتمع السعودي.

ولا غرابة في ان يجري تناول الوضع السياسي الداخلي في المملكة وآفاق النظام الملكي السعودي بتعليقات مستفيضة في الصحف الأمريكية. علما بأن الصفاقة المعهودة عن الصحافة الأمريكية والتي تجلت عند مناقشة مشاكل السعودية، والكشف السافر عن اهتمام الولايات المتحدة بضمان منفذ لها إلىنفط المملكة اكثر من اهتمامها بمصير حكامها، كانت تثير بالحتم حفيظة الأسرة السعودية الحاكمة.

في خضم الاحداث الإيرانية ارسل إلى السعودية في "زيارة ودية" سرب من مقاتلات أف ـ 15. وكان احد اسباب الزيارة، كما ذكرت في تموز (يوليو) 1979 مجلة "ايرمان" الناطقة بلسان سلاح الطيران الأمريكي هو "التعبير عن اهتمام الولايات المتحدة المستمر بـ (ضمان) أمن هذه الأمة" ومكثت الطائرات الأمريكية في السعودية سبعة ايام، قامت في غضونها بتحليقات استطلاعية فوق اراضي البلد، وبتحليقات تدريبية مع مقاتلات أف ـ 5 التابعة للقوات الجوية السعودية. وقد اشار الجنرال ل. اكين الابن رئيس اركان سلاح الطيران الأمريكي، الى ان الزيارة اظهرت "قدرتنا على عرض جبروتنا الجوي بمهارة مهنية عالية" وكانت "استعراضا عمليا لمرونة وامكانيات سلاح الطيران".

في شباط (فبراير) 1979 قام وزير الدفاع الأمريكي براون برحلة الى الرياض اجرى خلالها مفاوضات مع المسؤولين السعوديين حول منح قوات الانتشار السريع الأمريكية قواعد ومنشآت عسكرية داخل الأراضي السعودية.

ورد الجانب السعودية برفض حازم. وجرى التلميح بوضوح للزائر الأمريكي بأن المملكة لا تعتزم منح البنتاغون ايما قواعد او تسهيلات عسكرية داخل اراضيها، كما لا تعتزم عقد اية اتفاقيات مع الولايات المتحدة في هذا المجال.

وكان لموقف السعودية باعتبارها أكبر بلدان الجزيرة العربية تأثير معين في موافق جملة من الدول الأخرى في منطقة الخليج، اتخذت بدورها قرارات مماثلة. علما بأن تصريحات قادة بعض من هذه الدول عكست لأول مرة فكرة ان الدفاع عن المنطقة يجب أن يكون من شؤون الدول الواقعة فيها حصرا.

ويجدر القول ان الاخفاق كان ايضا من نصيب محاولات مبعوثين أمريكان آخرين اقناع قادة الدول الخليجية العربية بضرورة الاعتماد على الولايات المتحدة في التصدي "للخطر السوفييتي" الموهوم. علاوة على ذلك، وكما ذكرت. ماكنوغر، الباحث الأمريكي المعروف في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الخليج، "أن الحكام العرب اشاروا بوضوح إلى ان الخطر الحقيقي بالنسبة لهم تشكله الولايات المتحدة نفسها.. فهي وحدها التي ناقشت احتمال احتلال حقول النفط في الخليج وأن الرئيس الأمريكي واثنين من اعضاء الحكومة الأمريكية هم فقط من صرح بان القدرة العسكرية الأمريكية قد تستخدم في ظروف معينة ضد دول الخليج".

ولم يثن الاخفاق الذي واكب مسألة الحصول على القواعد عزم الاوساط الأمريكية الحاكمة التي واصلت تصعيد الوجود العسكري البحري الأمريكي في بحر العرب. ونما عدد المستشارين والخبراء الأمريكان في البلدان التي تتلقى السلاح الأمريكي. في الوقت ذاته، حرصت واشنطن على ان تثبت للانظمة المحلية انها مستعدة دائما لنجدتها في حالة الضرورة.

في آذار (مارس) 1979 استغلت الإدارة الأمريكية لهذا الغرض الصدامات المسلحة على الحدود بين شطرى اليمن. وعلى الرغم من ضآلة هذا النزاع المحلي الواضحة شحنت الولايات المتحدة بصورة عاجلة الى السعودية اسلحة ومعدات حربية تبلغ قيمتها 400 مليون دولار بغية تسليمها إلى اليمن الشمالي. علما بأن الأسلحة المرسلة كانت تتضمن حتى طائرات أف ـ 5 رغم ان اليمن الشمالي لم يكن لديه طيارون لقيادة هذه الطائرات: لقد كان الأمريكان يأملون بشكل واضح ان يضطر هذا البلد الى طلب ارسال مستشارين عسكريين من الولايات المتحدة. وبالنظر لهذا النزاع ارسلت الى السعودية طائرتا "اواكس"، الأمر الذي لم تمله ايما ضرورة عسكرية.

على أن استعراض العزم الأمريكي لم يسفر عن شئ: ففي نتيجة جهود جامعة الدول العربية توقفت سريعا الصدامات الحدودية، وادان اليمن الشمالي التدخل الأمريكي، بينما ابقت السعودية جزءا كبيرا من السلاح الأمريكي في حوزتها.

في اواخر عام 1979 استغلت الولايات المتحدة حادث احتجاز الرهائن الأمريكان في ايران كذريعة لارسال وحدات جديدة من سلاح الأمريكي في حوزتها.

في اواخر عام 1979 استغلت الولايات المتحدة حادث احتجاز الرهائن الأمريكان في ايران كذريعة لإرسال وحدات جديدة من سلاح البحرية الأمريكية إلى منطقة الخليج. وفي كانون الثاني (يناير) 1980 تقدم الرئيس كارتر رسميا، كما اسلفنا، بمبدأ يعتبر منطقة الخليج "مهمة حيويا" بالنسبة للولايات المتحدة.

وجاءت الحرب الإيرانية العراقية التي اندلعت في خريف عام 1980 لتكون "حجة" جديدة لزيادة التوسع السياسي العسكري الأمريكي في السعودية. ففي بداية العمليات الحربية سمحت السعودية للعراق بمرابطة عدة اسراب من طائرات القوات الجوية العراقية داخل ارضيها. ولكن بعد ان هددت ايران بنقل العمليات القتالية الى اراضي تلك البلدان الخليجية التي تقدم المساعدة للعراق طلبت السلطات السعودية من العراق ان يسحب طائراته فورا، واستنجدت بالحكومة الأمريكية.

وما لبثت ان وصلت إلى السعودية اربع طائرات "اواكس" أمريكية، كما جرت ايضا اقامة عدد اضافي من منظومات الرادار البرية. وارسل الى السعودية لأجل خدمتها 400 خبير عسكري وفنى امريكي آخر.

في نيسان (ابريل) 1981 اعلن البيت الابيض داخل الكونغرس عن عزم الإدارة على بيع دفعة جديدة من المعدات الحربية إلى السعدية بغية تحسين امكانيات دفاعاتها المضادة للجو. وتتضمن الدفعة خمس طائرات "اواكس" وطائرات تزويد بالوقود من طراز كي سي ـ 135، وصهاريج وقود اضافية لمقاتلات أف ـ 15، وصواريخ "جو ـ جو". واوضح الناطق باسم الإدارة ان ارسال هذه الأسلحة يعتبر امتدادا لتعهدات الولايات المتحدة فيما يتعلق بضمان امن العربية السعودية، ويراد منه أن يساعد على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة. وكان من المقرر ان يتم الرسال الجزء الأساس من الصفقة، أي طائرات "الأواكس التي تبلغ كلفتها العامة زهاء 6 مليارات دولار، في عام 1985.

وعند النظر في الصفقة داخل الكونغرس تكرر ما هو شديد الشبه بما حدث في عام 1978 عند بيع مقاتلات أف ـ 15 للسعودية. واستمرت المناقشات ستة اشهر، وكشفت مرة أخرى عن قوة ونفوذ اللوبي الصهيوني.

لقد زعم خصوم الصفقة ان بيع طائرات "الاواكس" سوف يقوي بشكل حاد الخطر على أمن اسرائيل، ذلك ان مقاتلات أف ـ 15 السعودية الستين يمكن ان تستخدم مع هذه الطائرات المخصصة للارشاد والتوجيه في الحرب العربية ـ السرائيلية المقبلة إلى جانب ذلك يستبعد ان يساعد ارسالها على ضمان امن السعودية، ذلك ان إسرائيل قد تقدم بعد استلام المملكة لهذه الطائرات على توجيه ضربة وقائية إلى السعودية(!) لتعطيل مفعولها. واشير، اخيرا، الى ان محاولات الإدارة استغلال بيع السلاح كأداة للحصول على قواعد في المملكة لم تتكلل بالنجاح.

وعارض ممثلو الإدارة هذه الحجج، مؤكدين ان طائرات "الاواكس" ضرورية بالنسبة للسعودية من أجل ضمان دفاع فعال مضاد للجو عن حقول النفط المهمة حيويا (بالنسبة للولايات المتحدة بقدر لا يقل عما بالنسبة للسعودية ـ المؤلف)، في محافظات البلد الشرقية، علما بأن هذه الحجة وجدت ما يدعمها في الانباء التي ظهرت في الصحافة عن قيام الطرفين المتحاربين، أي إيران والعراق، بقصف حقول ومنشآت النفط لدى كل منهما. واعرب البيت الابيض عن ثقته بان عقد الصفقة سوف يساعد على جعل الحكومة السعودية تنظر بمزيد من الفهم إلى جهود الولايات المتحدة فيما يتعلق بمواصلة تطوير وتوسيع نطاق العملية التي ارست بدايتها اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل او، بعبارة أخرى، سوف تنضم إلى هذه الاتفاقية.

تأييدا لاقتراح الإدارة، اعلن الكسندر هيغ وزير الخارجية الأمريكي انذاك، في لجنة مجلس الشيوخ للشؤون الخارجية، ان الولايات المتحدة ارغمت الحكومة السعودية على القبول بطائفة من شروط الجانب الأمريكي المهمة، ومن جملتها ضمان دور الصدارة للولايات المتحدة في تطوير دفاع المملكة المضاد للجو (أي ضمان اشراف الولايات المتحدة على هذا المجال) وعدا عن ذلك، ارغمتها على التعهد بما يلي:

ـ تقديم المعلومات المستحصلة الى بلدان أخرى دون اذن من الولايات المتحدة،

ـ استخدام "الاواكس" فقط لاغراض تنفيذ المهام ذات الطابع الدفاعي داخل حدود المملكة السعودية،

ـ استخدام طواقم للعمل على هذه الطائرات يمكن تماما الاعتماد عليها "أي طواقم موثوق بها من الناحية السياسية، واذا اخذنا بالاعتبار نقص عدد افراد الطاقم المحليين، فمعنى هذا أن الأمريكان سوف يحتفظون بالاشراف على استخدام الطائرات والمعدات الارضية حتى في التسعينات)،

ـ طائرات "الاواكس" السعودية لن تستخدم خارج اجواء المملكة،

ـ اتخاذ تدابير مدروسة بدقة لحماية المعدات والتكنولوجيا، بما في ذلك السماح للمجموعات الأمريكية بالرقابة على عمل كل معدات "الاواكس" وضمان حماية الطائرات ليل نهار،

ـ كل تدابير ضمان امن "الاواكس" يجب أن يصادق عليها الجانب الأمريكي قبل عام واحد، في اقل تقدير، من تسليم الطائرات.

ومضى هيغ مؤكدا ان قضية بيع "الاواكس" تعتبر قضية مفصلية في السياسة الأمريكية تجاه السعودية، واضاف: "أن الناحية الرئيسة في الصفقة المقترحة لبيع السلاح للسعودية تتلخص لا في الامكانيات الفنية للطائرات الخمس، انما في سؤال: هل ستكون الولايات المتحدة قادرة على انتهاج سياسة ثابتة في المنطقة التي يفرق فيها النزاع العربي الاسرائيلي بين خيرة اصدقائنا، وحيث يهدد السوفيت والتابعون لهم اصدقائنا، وحيث يهدد السوفيتي والتابعون لهم مصالحنا الحيوية… ان هدف سياستنا هو تأمين تعاون اوثق في مجال الأمن بين اصدقائنا في المنطقة. فنحن لا نبحث هناك عن عدد كبير من القواعد او عن وجود مضجر او عن دول صنيعة وتابعة. اننا نحترم سيادة اصدقائنا ونود مساعدتهم على صيانة استقلالهم".

وفي الختام اكد هيغ للجنة مجلس الشيوخ ان صفقة بيع السلاح للسعودية لن تشكل بأي حال من الاحوال خطرا على إسرائيل، إذا اخذنا بعين الاعتبار موافقة السعودية على اشراف الولايات المتحدة على عمليات "الاواكس"، وعلى المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل في ضمان امنها، بما في ذلك المساعدات المقدمة عبر اقنية المخابرات، ثم اكد عزم الولايات المتحدة الأكيد على المضى قدما في ضمان امن اسرائيل، ذلك ان "مصالحنا وآمالنا في احلال السلام في الشرق الأوسط تقتضي بقاء اسرائيل قوية".

واظهرت المناقشات حول بيع "الاواكس" للسعودية عددا كبيرا من النواحي الهامة ذات الصلة بالعلاقات السعودية الأمريكية وبسياسة إدارة ريغان في الشرق الادنى. ونكتفي بالاشارة الى ناحية واحدة فقط تبرز على الدوام في اثناء المناقشات حول بيع السلاح للاقطار العربية وهي ان الإدارة تؤكد باصرار وعلى الدوام، ان تحالف الولايات المتحدة الوثيف مع إسرائيل يبقى، كسالف عهده، حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأدنى

وهكذا كانت الحال هذه المرة ايضا.

فقد اكد الرئيس ريغان بصفة خاصة في رسالته إلى غ. بيكر، زعيم الاغلبية في مجلس الشيوخ، قائلا: "اننى واثق من ان طائرات "الاواكس" السعودية لا تشكل تهديدا فعليا لإسرائيل. وانا اتعهد، كالماضي، بأن افعل كل ما في وسعى من اجل حماية امن اسرائيل وصيانة قدرتها على الدفاع عن النفس ضد أي تركيب كان للقوى المعادية المحتملة في المنطقة. ولسوف نواصل اتاحة الفرصة أمام اسرائيل لاقتناء أي عتاد حربي تحتاجه لحماية بلدها وشعبها، بغية الا ينعكس بيع "الاواكس" للسعودية انعاسا سلبيا على امن إسرائيل العسكري".

بعد مناقشات مطولة وافق مجلس الشيوخ باكثرية ضئيلة من الاصوات (52 مقابل 48) على بيع طائرات "الاواكس" وانواع اخرى من السلاح للسعودية.

وذكرت الصحافة الأمريكية ان هذه الصفقة كانت مفيدة جدا بالنسبة للولايات المتحدة لا من الناحية المالية فحسب، بل ومن الناحية العسكرية. فقد كان ارسال "الاواكس" وطائرات التزويد بالوقود من طراز كي سي ـ 135 وغيرها من المعدات يوعد الطغمة العسكرية الأمريكية بالمتيازات التالية:

ـ الحصول على المعلومات المستحصلة خلال "الاواكس" من السعودية،

ـ امكانية القيام مع القوات المسلحة السعودية بالتدريب القتالي المشترك لقواتهما الجوية والبحرية،

ـ امكانية استخدام القواعد الجوية السعودية في المستقبل، خاصة انها ستوسع توسيعا كبيرا نتيجة اقتناء المعدات الأمريكية الجديدة،

ـ امكانية الانتفاع الاكثر فاعلية من الطائرات المنطلقة من متن حاملات الطائرات (فاستخدام طائرات التوزيد بالوقود وطائرات الارشاد والتوجيه السعودية يوسع توسيعاً ملحوظا مدى مفعول وامكانيات الاستخدام القتالي لطائرات حاملات الطائرات).

لقد كان ارسال الدفعة الكبيرة الجديدة التي تضم احداث انواع الاسلحة للنظام السعودي يعكس تنامي اهتمام واشنطن بالاعتماد على المملكة السعودية ويطبق انطلاقا من المهام والاهداف الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي.

وقد ورد في المراجع الأمريكية ان استراتيجية الولايات المتحدة ازاء هذه المنطقة في اوائل الثمانينات كانت تنطلق من الاعتبارات التالية:

أولا، ارتهان الغرب بنفط الخليج فعلى الرغم من ان الولايات المتحدة نفسها قلصت إلى حد ما مشترياتها من نفط الشرق الادنى ابان فترة التدهور الاقتصادي وبفضل استيرادها للنفط النيجيري والمكسيكي، لا تزال البلدان الاوربية واليابان، ترتهن بنفط الخليج، اساساً، واذا تعذر عليها لاسباب ما الحصول عليه من الخليج، فسوف تنافس الولايات المتحدة على ايجاد منفذ الى مصادر الولايات المتحدة على ايجاد منفذ إلى مصادر النفط الاخرى.

ثانيا، كانت الولايات المتحدة، كما هي الحال في الماضي، تخشى نمو النفوذ السوفييتي في المنطقة وتجاهر بضرورة انتهاج نفس السياسة السابقة حيالها، أي سياسة "ردع" الاتحاد السوفييتي.

في هذا الصدد، كان يعتبر ضروريا وجود حلفاء في المنطقة، اقوياء ومستقرين وقادرين على الاضطلاع بالنصيب الاكبر من اعباء ضمان الامن الاقليمي.

اما بشأن المملكة السعودية مباشرة، فان الاهمية الخاصة التي يتسم بها هذا البلد بالنسبة للولايات المتحدة في اوائل الثمانينات فقد كانت ترتهن بالعوامل التالية:

ـ تطابق المصالح والاحتياجات المتبادلة،

ـ موقع المملكة الجغرافي وحقيقة ان ضمان تزويد الغرب بالنفط يعتبر مستحيلا دون وجود المملكة السعودية الصديقة والتعاون العسكري الوثيق معها،ـ وجود احتياطات نفط هائلة في المملكة،

ـ القدرة المالية للملكة السعودية،

ـ الصفة السياسية للسعودية في العام العربي والإسلامي.

والسعودية بدورها، حسب رأى واشنطن، معنية بالتعاون مع الولايات المتحدة، لأنها تحتاج إلى الحصول على المعدات الحربية الأمريكية، وبالتجارة والعلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، كذلك بالصداقة مع واشنطن بسبب تنامي التعهدات على جميع حدود المملكة عمليا. وعلى الرغم من ان السعودية لم تسمح للولايات المتحدة بحيازة قواعد عسكرية داخل اراضيها، إلاّ انها تؤيد الوجود العسكري الأمريكي "وراء الافق"، وهو الوجود الذي من شأنه ان يقدم العون للنظام السعودي في حالة الضرورة.

وتوكيدا لمثل هذه "الضرورة"، لا تضمن الشخصيات الرسمية واجهزة الدعاية الأمريكية بالجهود. على سبيل المثال، كتبت مجلة "افيشن ويك اند سبيس تكنولوجي" التي نشرت في عددها الصادر يوم 23 ايار (مايو (1983 تقريرا مطولا كرس للقوات المسلحة السعودية والعلاقات السعودية الأمريكية والجهود المبذولة لانمائها، "ان المملكة السعودية التي تعتبر الزعمية المعادية للشيوعية المتصدرة للدول المحافظة في الخليج… والمنتج الأكبر للنفط في منطقة الخليج، ضعيفة في مواجهة التهديدات الناجمة عن النزاع الإيراني العراقي، والتحديات من جانب الدول الراديكالية في المنطقة وفي مواجهة الاعمال العسكرية السوفييتية او التي يستثيرها الاتحاد السوفييتي… وتشكل الاضطرابات في إيران ولبنان فرصا اضافية لتوسع النفوذ السوفييتي".

لقد قدمت الولايات المتحدة للمملكة السعودية خلال الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية اسلحة وخدمات ذات طابع عسكري (بناء المنشآت العسكرية واقامة الهياكل الارتكازية العسكرية) بمبلغ يقدر بحوالي 40 مليار دولار. أما في الوقت الراهن، فيجري التركيز اساساً على ان تكون في المملكة السعودية قوات جوية جبارة ومنظومات للدفاع المضاد للجو. وقد تم باشراف الخبراء الامريكان وضع خطط يجري تنفيذها حاليا لتحديث وتنمية الطيران العسكري وتنص هذه الخطط على زيادة عدد الطائرات القتالية العصرية إلى 225 ـ 250 في أواخر الثمانينات. كما يجري توسيع القواعد الجوية الحالية وبناء الجديد منها، ويجرى تزويد السعودية بكميات كبيرة من الذخيرة.

وبمساهمة نشيطة من الامريكان تتطور بوتائر حثيثة ايضا القوات البحرية السعودية. فمن المقرر تشكيل اسطولين هما اسطول الخليج العربي واسطول البحر الأحمر. علما بأن النية تتجه إلى جعل القوات البحرية السعودية تمارس نشاطها في المياه الساحلية وحسب، بل في قطاع واسع من المحيط الهندي (وصولا الى خط العرض الذي تقع عليه القاعدة الامريكية في جزيرة دييغو غارسيا).

ولا حاجة إلى القول بأن مثل هذه المشاريع تخرج بعيدا عن اطار احتياجات المملكة الدفاعية الفعلية. ويبدو أن القضية تتلخص في كون الولايات المتحدة تنشد اجتذاب المملكة السعوية الى المشاركة في "حماية المواصلات البحرية" التي يمر عبرها النفط المصدر من الخليج، رغبة منها، بالتالي، في فرض اشرافها على عمليات القوات البحرية السعودية واطلاق يد حشودها البحرية العسكرية في الخليج العربي والمحيط الهندي لتنفيذ عمليات أخرى. على اننا اذا اخذنا بالاعتبار المستوى الراهن لتطور القوات البحرية السعودية (عدد قليل نسبيا من السفن، ضعف تدريب افراد القوات، غياب خبرة خوض العمليات) فسوف نجد أن كل هذا يعتبر قضية من قضايا المستقبل. أما الآن، فالقيادة السياسية العسكرية الامريكية تعتمد في الخليج على سفنها البحرية العسكرية وسفن حلفائها في الناتو.

في الاونة الأخيرة تحاول الولايات المتحدة استغلال علاقاتها السياسية العسكرية مع المملكة السعودية للتسلل الى مجلس التعاون الخليجي الذي تمارس السعودية فيه دورا مفصليا. ولاجل هذا الغرض يسعى البنتاغون الى تعميم المنظومة الموحدة للدفاع المضاد للجو مراقبة الاجواء الجاري انشاؤها في السعودية والتي تشكل اساسها طائرات "الاواكس" ومحطات الرادار الارضية والمجمعات الصاروخية المضادة للجو الأمريكية الصنع على البلدان الاعضاء في هذه المنظمة، لأن من شأن ذلك ان يتيح له الحصول على معلومات عن الوضع الجوي فوق كل منطقة الخليج عمليا.

لقد ذكرت مجلة "انترنشنال افيرز" الانجليزية، مؤكدة دور السعودية ومكانتها في مخططات واشنطن الاستراتيجية: "إن الجهود الأمريكية الكبيرة في المملكة السعودية خلال السنوات الأخيرة مرت تقريبا دون ان يلحظها احد، لا سيما وان الأمريكان حرصوا على عدم جذب الانتباه الى نشاطهم، ولهذا فإن الصلابة (او لربما العناد) التي اقدمت بها إدارة ريغان على تكوين "الوفاق الاسترايجي" بين الدول العربية "المعتدلة" قد بدا للكثيرين موقفا جديدا، في حين ان الأمر الجديد لم يكون سوى التسرع في العمل. فمن الواضح ان السعودية هي حجر الزاوية في المشروع: ذلك ان احتياطاتها النفطية الهائلة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي يؤمنان اولوية المملكة (في المشاريع الاستراتيجية الأمريكية ـ المؤلف) لعشرات من السنين القادمة. كما ان التعقيد الدائم الذي يسم العلاقات السياسية بين الأسرة الملكية السعودية وواشنطن لا يعتبر كابحا لوتيرة تطور العلاقات في المجال الاستراتيجي، وذلك بسبب وجود وفاق سياسي بين الحكومتين يكفي لجعل واضعي الخطط الاستراتيجية يواصلون نشاطهم".

لهذا تواصل الولايات المتحدة، كعهدها في الماضي، تزويد المملكة بكميات كبيرة من الاسلحة: ففي آب (أغسطس) 1987 ذكرت الصحف الأمريكية ان إدارة ريغان تعتزم بيع دفعة كبيرة جدية من الأسلحة للسعودية بمبلغ 1 مليار دولار. ومن المقرر في اطار هذه الصفقة ارسال 14 مقاتلة من طراز أف ـ 15 وكميات من صواريخ، كذلك تحديث ما يتوفر حاليا لدى السعودية من سلاح امريكي الصنع، بما في ذلك الدبابات والمدافع الذاتية الحركة.

على هذا النحو نرى ان الولايات المتحدة، بعد سقوط نظام الشاه في إيران واخفاق مذهب "الركيزتين" السيء الصيت، لا تبخل بالجهود في سبيل اناطة دور شرطي الخليج بالمملكة السعودية.