العودة للفهرس

تفجيرا مقر العسكريين الأميركيين في السعودية

دأبت السعودية، ولسنوات طويلة، على القول أن "المملكة ليست بلد الثروة الدائمة، ولكنها بلد الاستقرار الدائم". فالثورة قد تهتز صعودا وهبوطا، أو ربما تتلاشى، لكن الأمن لن يكون في يوم من الأيام من بين الهواجس التي تشغل بال الحكم.

قليلون من المتابعين لتطور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في المملكة شككوا في صحة العبارة التي روج لها الحكم هناك، وعلى نطاق واسع، في اجهزة الإعلام وفي المساجد والمنتديات وفي "اعلانات مدفوعة" وردت في صحف اقليمية ودولة على شكل" دراسات وتحقيقات وتحاليل" تدافع في مجمل ما تقوله عن "الاستقرار والأمن" اللذين لا يتزعزعان في مملكة تسير في اتجاه غامض وتثير تساؤلات جدية حول مصيرها السياسي.

على ماذا كانت تعتمد الرياض عندما تحدثت بقوة وثقة عن الإستقرار والأمن الدائمين؟

الأرجح، أو الاحتمال الوحيد، اعتمدت بشكل رئيسي على شبكة معقدة من العلاقات مع الولايات المتحدة، سياسية وعسكرية، وعلى قواعد برية وبحرية وجوية أميركية على اراضيها، ظن أهل الحكم في الرياض أن هذه القواعد من شأنها، ووظيفتها، أن تحمي النظام وتجنبه "مغامرات غير محسوبة" من قبل معارضين سعوديين جاهروا، في السنوات الأخيرة، في معارضتهم وتحديهم للسلطات. غير أن الانفجار الذي دمر مقرا عسكريا للقوات الأميركية في الرياض، الأسبوع الماضي، أثبت أن الاعتماد على قواعد عسكرية أميركية "لضمان أمن واستقرار المملكة" ليس رهنا في محله.

الأميركيون يعرفون ذلك على وجه اليقين، وهم كعادتهم لا يطلعون "حلفاءهم واصدقائهم" على كل ما يعرفون ، خصوصا الإدارة السياسية في الرياض تصفها واشنطن بـ "أضعف الحلفاء بسبب ارتبا وتوترها أمام أي أمة كبر حجمها أو صغر".

فقبل سنوات، ومع انحسار "الخطر العراقي" دو الخليج، زار وفد عسكري ـ سياسي ـ أمني أمن السعودية وتوجه بسؤال محدد إلى المسؤولين في الرياض بعد القضاء على خطر صدام حسين، من أين تتوقع خطرا محتملا على المملكة والحكم؟ والمسؤولية السعوديون، وهم أيضا عسكريون وسياسيون وأمنهم احتاروا في الإجابة ولم تكن تقريراتهم متطابقة، باسناد مسؤول سعودي واحد قال: من المستهجن طرح مثل السؤال ولكم، هنا، قوات ضخمة هدفها الأول ضد الاستقرار والأمن وإبعاد الخطر عن البلاد.

واستنادا إلى دبلوماسي عربي روى الواقعة قال: إلحاح الوفد الأميركي على السؤال أكد مسؤول سعودي آخر بكثير من التردد: نعرف هناك أخطارا.. لكننا لا نرى، ولا نعرف من أين تأتي ومتى.

ويمضي الدبلوماسي في تذكر ما جرى وأضاف: بعد مغادرة الوفد الأميركي الرياض أجرت واشنطن ما وصف بـ "استفتاء للرأي" للدبلوماسيين الأميركيين المقيمين في الخليج حول "الأخطار المحتملة التي تهدد دول المنطقة"، وكانت الإجابة ـ وهي على كل لم تفاجيء الاستراتيجيين في واشنطن ـ أن وجود القوات الأميركية في المنطقة، وعلى وجه التحديد في السعودية حيث الوجود العسكري الكثيف للولايات المتحدة، هو مصدر الخطر الأول الذي يعرض أمن الخليج إلى اضطرابات. بالقوات العسكرية موجودة في الأساس لتقوية الأنظمة الخليجية، والسعودية أولا، غير أن مصدر القوة للرياض هو مصدر ضعف الحكم فيها "لأن المجموعات المتطرفة سوق تلجأ إلى استخدام المشاعر المعادية للأميركيين، ولوجودهم "كمستعمرين جدد" لتأليب الرأي العام ضد الأثنين معا، ضد الإدارة السياسية في المملكة وضد القوة الأميركية الموكل اليها حماية هذه الإدارة". البدبلوماسيون الأميركيون لم يستبعدوا اندلاع "أعمال عنف ضد الوجود الأميركي في السعودية" من قبل "ساخطين" على الولايات المتحدة وعلى أهل الحكم في الرياض"، وأوصوا بتقليص عدد القوات الأميركية البرية على الأراضي السعودية ـ فهي ستكون أهدافا سهلة للمعارضين ـ وتكثيف وجود القوات البحرية في مايه الخليج التي ستبقى لفترة طويلة في منأى عن "عمليات تخريب".

استذكار هذه التفاصيل جاء بعد الهجوم المدمر الذي استهدف مقرا للقوات العسكرية الأميركية في السعودية وراح ضحيته 5 قتلى أميركيون وجرح 60 آخرين، أكثر من نصفهم من عسكر الولايات المتحدة الذين كانوا يشرفون على تدريب قوات الحرس السعودي المسؤول عن الأمن والاستقرار في المملكة.

اذاً، هل سقطت مقولة "الأمن الدائم" التي روج لها أهل الحكم طوال السنوات الماضية؟

من الصعب الجزم بأن انفجار السيارة المفخخة في الرياض هو من "فعل فرد"، كما قال مسؤولون سعوديون، والقول إنه "آخر الانفجارات" فيه كثير من التبسيط لما حدث، لأن نتائج اسفتاء رأي الدبلوماسيين الأميركيين حول أمن دول الخليج عموما، والسعودية تحديدا، كانت صائبة بعدما كانوا أشاروا إلى أن وجود قوات أميركية كثيفة في المملكة السعودية هو من أهم عوامل عدم الأمن والاستقرار هناك على عكس ما ظنت الإدارات السياسية والعسكرية والأمنية في المملكة.

الرياض التي شعرت بصدمة من جراء الانفجار الذي قوض أحد أبرز الشعارات التي تعلقت بها لسنوات طويلة "الامن الدائم)، بدت في مرحلة ما "بعد "الزلزال" مرتبكة في الإجابة عن السؤال التالي: إذا كان وجود قوات أميركية مصدر متاعب، كيف يمكن توفير الأمن من دون هذه القوات؟

سؤال آخر يثير دوار لدى المسؤولين في السعودية: لقد أنفقتنا كل هذه الأ/وال على الوجود الأميركي في المملكة، وعل الأسلحة والطائرات، وعلى القواعد البرية والبحرية..بعد كل ذلك، ماذا أفادنا وجودكم (الأميركيون) هنا؟

هذا السؤال الذي يتردد همسا في مراكز القرار في الرياض، يردده صغار الضباط بصوت مسموع وهم يؤكدون أن تفجير المقر العسكري الأميركي ليس هجوما عارضا، أو من فعل قلة من الأفراد، أو بتدبير من قوى خارجية.. أو "فورة غضب" على موقف اتخذته المملكة من اغتيال رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين برصاص متطرف يهودي، فالمسؤولون السعوديون، حول اغتيال رابين، شجبوا العملية مداورة بتعليق درس بعناية لكنه لم يلغ غضب السعوديين. وما نقل عن مسؤولين في الرياض قال أن "المملكة تشجب كل أنواع العنف والارهاب"، في إشارة إلى اغتيال رئيس وزراء إسرائيل.

من الصعب التكهن بالإجابة التي قد يتوصل اليها المسمؤولون في المملكة حول أسئلة تتعلق بالأمن، ومع ذلك يمكن تجميع "أصداء الزلزال" في الرياض كما وردت على لسان مسؤولين خليجيين:

تفجير مقر عسكري أميركي يعني، ببساطة، إحداث ردود فعل وأصداء اقليمية حول الوجود الأميركي، إضافة إلى حلفاء واشنطن الفرنسيين والبريطانيين، الكثيف في المملكة. فيما أراد أن يقولوه مفجرو المقر أن الوجود الغربي غير مرغوب به في المنطقة، وإبعاده عنها لن يتم بغير محاربته وضربه في أماكن مؤلمة وغير متوقعة.

هنا، من المفيد التذكير بأن منظمة، قال الأميركيون أ،ها مجهولة، وجهت تحذيرا أواخر العام الماضي إلى الرعايا الأميركيين والأوروبيين بضرورة مغادرة البلاد، مهددة بعمليات ضد المنشآت العسكرية للولايات المتحدة على الأراضي السعودية، وخطف مواطنين غربيين. الولايات المتحدة هونت من جدية التحذير، واكتفت بابلاغ رعاياها بضرورة "زيادة الوعي الأمني واتخاذ تدابير معقولة" وذلك بسبب "عدم وجود أدلة على أن منظمات سعودية معارضة لديها قوة بدرجة كافية لشن هجمات في السعودية"، كما ذكر في حينه المسؤولون الأميركيون.

الأميركيون أخطأوا في التقدير، أذ تبين من انفجار الرياض أن ما قاله المسؤولون في واشنطن حول قدرات منظمات المعارضة لم يكن دقيقا.

أنتقال المعارضة السياسية في السعودية إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الأميركية بطرح فريضية مفادها أن هذه المعارضة انتهت من تشكيل فرق مدربة جيدا قادرة على الوصول إلى أماكن "محمية" من قبل العسكريين ورجال الأمن الأميركيين، ما يعني أن القوات البرية والجوية والبحرية الأميركية لن يكون في مقدورها مواجهة مثل هذه النشاطات التي ربما لجأ منفذوها إلى "عمليات انتحارية" في المرحلة المقبلة ضد الوجود الأميركي في السعودية.

دبلوماسي خليجي وفي تعليق مقتضب حول تفجير المقر الأميركي قال ان "الأمن في السعودية في غاية الهشاشة، والقوات الأميركية كانت عاجزة حتى عن اقتفاء أثر منفذي الهجوم على الرغم من مستوى المحققين الرفيع من جهاز الـ (اف.بي.أي) الذي توجه إلى السعودية بأمر من الرئيس الأميري بيل كلينتون.. وهذا الوضع يفيد بأن الآراء التي توصل اليها الدبلوماسيون الأميركيون في الخليج اساء رجال الاستخبارات تقديرها، تماما كما حدث عام 1978 في إيران من أعمال عنف قوضت حكم الشاه من دون أن يتمكن رجال الاستخبارات من حمايته، وهم الذين كانوا بعثوا اليه برسائل تطمئنه على قدرتهم على احلال الأمن في البلاد.

دبلوماسي خليجي آخر يقول أن "الأمن الدائم" السعودية ليس أكثر من "وهم" من صنع الأميركيين الذين بدأوا يتبادلون اللوم مع رجال الأمن السعودي لفشلهم في منع الانفجار، أو أي أعمال عنق لاحقـ فالأميركيون، حسب الدبلوماسي نفسه، أخطأوا كثره مرة: أولا، استهانة واضحة في التغييرات الاجتماعية والسياسية الواقعة في السعودية منذ سنوات عدة ثانية التقليلي من أهمية المعارضة واتساع شعبيتها وقدرته على اللجوء إلى أعمال عسكرية ضد الوجود الأميركي السعودية. ثالثا، اعتماد فريضيات غير صحيحة بأن الحديث عن مجالس للشورى وحكومة جديدة، بوزر جدد، من شأنه أن يرضي السعوديين ويقنعهم بأن المملكة ماضية في "سياسة انفتاح" على المعارضة و "برامة تحديث" في البلاد، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

محلل سعودي، مقيم في المنفى، يدلي برأي إضا ويقول: ان التطورات السياسية المتسارعة على صعيد التسوية في المنطقة، بين العرب والإسرائيليين، عجل لجوء المعارضة إلى هذا النمط من العمليات ضد القوا العسكرية الأميركية في السعودية. ويذكر أن مسؤولين الرياض يقومون بدور خفي لتشجيع بعض أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي لتسريع التطبيع مع اسرائيل وينقل عن معارضين سعوديين قولهم أن ما يمكن تكسبه إسرائيل هناك (على جبهة المفاوضت) سوء يخسر الأميركيون أكثر منه هنا) في السعودية ودول خليجية أخرى).. وإذا ما خسر الأميركيون هنا فلم الملكاسب الإسرائيلية لن تكون ذات نفع، لن تل أبيب تتمكن من احداث اختراق على جبهة التطبيع مع دول الخليجية، في حال ساد الرعب في الأوساط الحاكمة عمليات تفجير على غرار ما حصل في الرياض.. ثم الأميركيين لن يكونوا في وارد لمجازفة لتشجيع اسرائيل والضغط على أنظمة عربية في الخليج، للتعجيل في إقامة علاقات طبيعية ووضعها (الولايات المتحدة) غير مستمر في المنطقة، بل هو مهدد بنسبة عالية.

ما يمكن استنتاجه من "زلزال الرياض" أن المملكة السعودية بدأت نفقد الأمن بعدما أوشكت عل فقد الثروة. فالجميع يعرف، والأميركيون أولا، أن الوضع الاقتصادي والمالي في السعودية ابلغ أدنى حالات التردد وهذا ما يفسر تأكيدات أطلقها مسؤولون سعوديون، أن انفجار الرياض لن يكون له تأثير سلبي الاستثمارات والوضع المالي والاقتصادي في البلاد.

فالولايات المتحدة التي تضمن منذ سنوات قروض السعودية ـ بعض السعوديين يقول "النسوات العجا ـ وتضمن منذ سنوات الامن فيها تعلم ان السعودية كدولة، مدينة اذا ما فقدت الاستقرار ـ الذي كان يشتري بالمال ـ فإن وضع القوات العسكرية الأميركية هنا يكون بخير.

أما ماذا ستفعل واشنطن، في غياب الثروة والأمن المملكة، فهذا من الأسرار الاستراتيجية الأميركية التي يبوحوا بها قبل مرور وقت طويل.