|
"إلكفاح العربي" تنفرد بهذا التحقيق الخاص اخطر المعلومات وأدقها عن حرّاس المملكة هذه الشركة الأميركية تحمي العرض السعودي جددت حكومة المملكة العربية السعودية عقدها مع شركة "فينيل" الأميركية لمدة ثلاث سنوات أخرى حتى آخر عام 1998. تم ذلك اثناء تولي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ورئيس الحرس الوطني مسؤوليات.. لأسباب صحية. تم ايضا بعد أسابيع قليلة من الانفجار الذي وقع (يوم 13/11/1995 ) في مبنى البعثة العسكرية الامريكية في الرياض المختصة بتدريب الحرس الوطني. فيما عدا مدة تجديد العقد مع شركة "فينيل" الأميركية لا يكاد أحد خارج الموقعين على العقد يعرف شيئا من نصوصه… وبالأخص قيمة هذا العقد، وكم سيكلف الخزانة السعودية. فهذه أسرار تخص الحرس الوطني السعودي، وتخص المخابرات الأميركية. لكن الأمر المؤكد ان شركة "فينيل" جددت العقد مع الحكومة السعودية بزيادة كبيرة في المبالغ التي تحصل عليها مقابل أداء المهام المنوطة بها في هذا العقد.. وإذا عرفنا أن مهمة شركة "فينيل" الأميركية في السعودية هي في ظاهرها الإشراف على تدريب الحرس الوطني السعودي، وفي جوهرها تولي مسؤولية الحفاظ على الأمن، أمن النظام السعودي الداخلي، نستطيع أن ندرك أن حجم "عمليات" هذه الشركة في السعودية ضخم للغاية… على الرغم من أن عدد "الأفراد" التابعين للشركة الذين يعملون في السعودية لا يتعدى سبعمائة من الأميركيين، الغالبية الساحقة منهم من ضباط "المارينز" ومن ضباط المخابرات الأميركية الذين احيلوا على التقاعد من الخدمة في الولايات المتحدة باختيارهم الحر من اجل الفوز بعقود عمل في السعودية مع شركة "فينيل". ولعله ليس هناك من يستطيع أن يدرك حجم مكاسب الشركة الأميركية في السعودية قدر ما يدركه هؤلاء العاملون فيها انفسهم. يقول احدهم (وفقا لتقرير وضعه وليام هارتونع الباحث الأول في "معهد السياسة العالمية" التابع للكلية الجديدة للعلوم الاجتماعية بجامعة نيويورك: "أن العاملين (الأميركيين) في الشركة يشعرون وكأنهم ماتوا وذهبوا إلى الجنة.. فأموال السعوديين تبدو وكأنها لا يمكن ان تنتهي". ويقول هارتونغ في التقرير نفسه ان ضابط مارينز تقاعد وعمل مع شركة فينيل لمدة خمس سنوات وقرر العودة إلى أميركا ليشتري مسكنا له بعدة مئات من آلاف الدولارات دفعها نقداً… الامر الذي لا يستطيعه ضابط مارينز أميركي بأي حال حتى اذا استمرت خدمته في السلاح خمسين عاما. مع ذلك فإن الفترة الأخيرة، وحتى قبل الانفجار في مبنى البعثة العسكرية في الرياض ـ كانت فترة قلق شديد لدى كبار الرؤساء والمديرين في شركة "فينيل"… فقد بدأ للمرة الأولى أن الأموال السعودية يمكن ان تنتهي. أن حديث العجز في الميزانية السعودية، بل وتردد الأقوال عن الاقتراب من الافلاس المالي كانت كفيلة بتفجير قلق شديد في مقر الشركة في أميركا في مقاطعة "فيرناكس" بولاية فيرجينيا… وهي تبعد عن العاصمة واشنطن مسافة 20 ميلا فقط (ويقع فيها ايضا مقر مكتب "الكفاح العربي"…). ولهذا فإن حديث تجديد العقد اكتسب اهمية كبيرة لإلزام الحكم السعودي بما يجب أن يلتزم به أزاء الشركة بصرف النظر عن اوضاع المملكة المالية. وعندما وقع انفجار 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كان ذلك بمثابة نذير خطر داهم على الشركة، وبالمثل على النظام السعودي. لكن مديري الشركة ادركوا دون اضاعة أي وقت ان الانفجار هو احسن فرصة ممكنة للانقضاض بشأن تمديد العقد وزيادة قيمته. إن الانفجار كاد ينسى في العالم الخارجي لأن أحداثا كثيرة جرت في السعودية بعده، ذهب الملك وعاد الملك خلالها، ونظمت أكبر حملة دعائية في التاريخ السعودي لتأكيد "استقرار" النظام.. لمجرد رسم صورة استقرار أمني ومالي في المملكة في اوج اضطرابها وصراعاتها… لكن خلال هذا كله لم تنس شركة "فينيل" أنها كانت هدف الانفجار رقم واحد. وهو مدعاة لقلق عميق… لماذا؟ لأن معناه ان الذي اختارها هدفا لهذا الانفجار يعرف أكثر مما ينبغي. لا يعرف أي دور تلعب في السعودية فحسب.. بل أي علاقة تربط "فينيل" بالمخابرات الأميركية.. بعد ان ظلت حقائق هذه العلاقة من أسرار الأمن السعودي وأسرار المخابرات الأميركية معا. حتى حرب الخليج بكل ما تخللها من أحداث لعبت فيها العلاقة الأميركية ـ السعودية الأمنية أكبر الادوار، لم تستطع ان تكشف تلك الأسرار. فما هي حقيقة شركة "فينيل"؟ انها واحدة من تلك "الشركات" الغامضة التي تلعب دور الواجهة لوكالة المخابرات الأميركية في البلدان التي تلعب فيها الولايات المتحد ادواراً مسيطرة.. وبالأخص في البلدان التي تخوض فيها الولايات المتحدة حروبا رئيسية او تستعد لخوض حروب كبيرة دفاعا عن النظام القائم فيها، دفاعا بالتالي عن المصالح التي ترتبط بوجود واستمرار هذا النظام. ولعله ليس من تصوير لدور "فينيل" في السعودية من الكشف عن حقيقة ان هذه الشركة كانت تلعب في "فيتنام الجنوبية" لسنوات عديدة قبل التورط العسكري الأميركي هناك في بداية الستينات وخلال هذا التورط وحتى نهايته في عام 1973 ..بل وبعد ذلك حتى سقوط نظام فيتنام الجنوبية النهائي في نيسان (ابريل) 1975 ظلت "فينيل" تؤدي دور المخابرات بعد انسحاب القوات الأميركية ـ ومعها المخابرات الرسمية ـ مهزومة من فيتنام. وكانت "فينيل" بمثابة "جيش المرتزقة الصغير للمخابرات الأميركية" هناك. وكان عدد موظفي الشركة في فيتنام في ذروة الحرب الأميركية هناك يربو على خمسة آلاف شخص.. على الرغم من ان "فينيل" لم تكن الشركة الأميركية الوحيدة التي تؤدي الجانب الخاص من أعمال المخابرات الأميركية. فقد كانت هناك شركات أخرى في مجالات التدريب والنقل الجوي والبحري. تأسست شركة "فينيل" في عام 1931 ـ وهي تحمل اسم مؤسسها آلان فينيل ـ كشركة مقاولات للانشاءات في منطقة لوس انجلوس حيث أسهمت في بناء عدد من الطرق العامة والسدود واستاد رياضي ضخم. لكنها مع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت قد وجدت طريقها إلى العقود العسكرية وبدأت العمل لحساب "البتناغون" ولحساب المخابرات فتولت تنفيذ عقود شحن المعدات العسكرية والأسلحة والذخيرة إلى القوات الوطنية بقيادة تشيانغ كاي تشيك في الحرب الأهلية الصينية ضد الشيوعيين بقيادة ماوتسي تونغ. ولم تفقد "فينيل" دورها المهم في آسيا بانهيار "القوات الوطنية"… توسعت في اعمالها فأسهمت في بناء معظم القواعد العسكرية الأميركية في اليابان (ومنها قاعدة اوكيناوا) وفي تايوان وتايلاند وفيتنام الجنوبية وباكستان. ففي حروب آسيا حققت مكانة مرموقة كشركة عالمية. ولم يكن يمكن ان تفوتها فرصة التوسع نحو "الشرق الأوسط". وقد ذكرها رجل المخابرات الأميركي الأشهر في "الشرق الأوسط" في حقبة الستينات ولبور كرين ايفلاند في كتابه الذي كان أكثر شهرة منه "حبال الرمال: فشل أميركا في الشرق الأوسط" (1980) أحدى عشرة مرة. وقد اكد انه علم بأمر هذه الشركة ودورها في عمليات المخابرات من حلقة الاتصال بينه وبين الوكالة. وعرف أن المخابرات تضع في هذه الشركة العملاء الذين تود ان يبقوا بعيدين عن الأعين "في العمق". ويتحدث ايفلاند عن أول لقاء بينه وبين مدير الشركة ومؤسسها الآن فينيل وكيف انه في ختام لقائهما طلب منه فينيل ان يحدد بنفسه الموقع الذي يجب أن يعمل فيه (لحساب السي.أي.إي) في الخارج كما طلب منه أن يكتب قائمة بالخدمات التي يريد من الشركة ان تؤديها لإنجاح مهمته في هذا الموقع… مؤكداً ان "كل النفقات ستدفعها السي.أي.إي". وهكذا ـ حسب مذكرات ايفلاند ـ صدر قرار من فينيل بتعيينه نائبا لرئيس الشركة، وصدر في الوقت نفسه أمر بمنحه بطاقة هوية من السلاح الجوي الأميركي برتبة مدنية رفيعة… وحدد مكان عمله في قاعدة الظهران في السعودية ليشرف على اعمال الصيانة فيها كقاعدة تابعة للسلاح الجوي الأميركي… وتلك كانت التغطية اللازمة لتبرير رحالات متكررة إلى "الشرق الأوسط". كان ذلك في عام 1960، ويذكر مؤلف "حبال الرمال" ايضا انه لعب دورا في توقيع عقد بين شركة فينيل والحكومة الملكية الليبية، وهو عقد خوّل الشركة حق الدخول في مشروعات الانشاء والحصول مسبقا على عطاءات الحكومة وحرمان الشركات المنافسة منها… مقابل انصبة لمصطفى بن حليم رئيس الوزراء الليبي آنذاك واشقائه من قيمة العقود. أهم كثيرا من هذا ما يقوله ويلبور في كتابه (ص 321 من الطبعة الأولى بالانكليزية) من أن "واحدا من أشد اشكال المساعدات الأميركية لإسرائيل خفية كانت تتم من خلال عقود انشاءات لشركة فينيل، وكان ذلك في وقت كانت توصف فيه اسرائيل بأنها" حليف جديد" للولايات المتحدة… ولم يكن هذا سوى الجانب التجاري من التحايل على القوانين (الأميركية) لمصلحة حليف أميركا الجديد. أما الآثار السياسية والعسكرية فكانت في النهاية اشد خطورة بكثير، اذ وافق الرئيس (الأميركي) جونسون على أول صفقة لبيع اسلحة هجومية لإسرائيل، وهو أمر يصعب للغاية تحقيقه لأن القوانين الأميركية كانت تقصر استخدام الأسلحة الأميركية على الأغراض الدفاعية. ونصل مع مذكرات ويلور ايفلاند عن سنوات عمله في المخبارات الأميركية في "الشرق الأوسط" إلى نقطة علاقة "فينيل" بالمملكة العربية السعودية. يقول ايفلاند وهو يتحدث عن امسية كان يقضيها في "بار" فندق السان جورج في بيروت في اوائل الستينات: "اشتغل اهتمامي بسماع رجل يقف إلى البار يصيح بصوت مرتفع بأنه يمثل اكبر شركة مقاولات أميركية في السعودية ـ شركة فينيل. بعد أن عرفته على هويتي باعتباري نائبا سابقا لرئيس الشركة، ابلغني بأنه بمقتضى عقد مع الحكومة السعودية وظّفت فينيل جنرالا أميركيا متقاعد وجندت محاربين قدماء (أميركيين) من حرب فيتنام لتكوين جيش من المرتزقة مهمته حراسة منشآت انتاج النفط ضد التخريب والهجوم الخارجي. بالإضافة إلى هذا كان الرجل يتباهى بصراحة بأن شركة فينيل أمنت هذا العقد بدفع رشوة بقيمة عدة ملايين من الدولارات لعميل سعودي… ولما كنت اتذكر كيف ادى الفساد إلى اسقاط الأسرة المالكة في ليبيا فإنني اعجب كم سيمضي من الوقت قبل ان يلقى حكام الدول الغنية الأخرى المنتجة للنفط مصيرا مماثلا". (ص 338 من الكتاب، الطبعة المذكورة). وجاءت اضخم "فتوحات" شركة فينيل المخابراتية في "الشرق الأوسط" ـ وربما في العالم كله ـ مع توقيع أول اتفاقية لتدريب الحرس الوطني السعودي… وقعت الاتفاقية في شباط (فبراير) عام 1975… بعد شهور قليلة من اغتيال الملك فيصل. وبينما اعطى هذا العقد قدرا من الأمان للنظام السعودي، إلا أن فائدته للشركة كانت أكبر كثيرا.. فإن قيمة العقد ضمنت إبعادها عن حافة الافلاس بعد ان انهار دورها في فيتنام بفشل ذريع في اداء عملية "تنظيف" القواعد العسكرية الأميركية من الأسرار التكنولوجية والوثائق التي خلفتها وراءها القوات الأميركية. بعد توقيع هذا العقد كانت الشركة موضوع تحقيقات واسعة في الكونغرس ضمن حملة كشف مؤامرات المخابرات الأميركية وأدوارها الداخلية والخارجية بعد فضيحة "ووترغيبت" التي اودت برئاسة نيكسون. وقد اتهمت بالتهرب من الضرائب بادعاء الخسارة لعدة سنوات متتالية. وعندما كانت تحت الضوء في تلك الفترة كتبت وكالة "اسوشيتد برس" الاميركية للأنباء تحقيقا عنها تناول في ما تناول دورها الجديد (آنذاك) في السعودية. في هذا التحقيق سأل المراسل بيتر أرنيت أحد رجال "فينيل" في الرياض عما اذا كان يعتبر نفسه واحداً من المرتزقة في حماية النظام السعودي. وهذه كانت اجابته" "أننا لسنا مرتزقة فنحن لا نضغط على الزناد، انما نحن ندرب الاشخاص الذين يضغطون الزناد وربما يجعلنا هذا الدور مرتزقة تنفيذيين". ودخلت هذه العبارة ضمن تحقيقات الكونغرس… وتبين وقتها ان عقد "فينيل" مع الحكومة السعودية انطوى على رشوة بقيم 4.5 ملايين دولار دفعت "لوسيط سعودي". بعد فترة لم تطل توفقت تحقيقات الكونغرس. لكن دور الشركة في السعودية لم يتوقف، وظل عقدها هناك يتجدد وارقام الدولارات التي تحققها الشركة منه تكبر وتكبر… ففي عام 1979 تعرضت المملكة لهزة امنية عنيفة عندما احتل مناهضوا النظام المسجد الحرام في مكة. على الفور استدعي نشطاء شركة فينيل ليؤدوا دورا مباشرا في اخماد "الفتنة".
وقتها نشرت "واشنطن بوست" انه في المراحل النهائية من
اقتحام المسجد الحرام بدأ الأمراء السعوديون الذين يقدمون العملية يعملون طبقا
لنصائح "بعثة التدريب العسكري الأميركية"…. بمن فيهم العاملون في شركة فينيل من
ضباط المارينز وضباط المخابرات "المتقاعدين" الذين كانوا على اتصال مباشر مع كبر
المسؤولين في العاصمة الأميركية واشنطن. بعد هذه الهزة الأمنية العنيفة سادت عقد الثمانينات في السعودية اقصى درجات القمع السياسي. اصبحت عمليات قطع الرؤوس علنا لمجرد التعبير عن أي رأي لا تسمح به الأسرة المالكة أمرا شائعا ومتكررا. واطمأنت الولايات المتحدة إلى ان النظام السعودي قد "استقر". وهكذا تراجعت "فينيل" ودورها الرئيسي في حماية النظام السعودي وتدريب حرسه مبتعدة عن دائرة الضوء سواء في السعودية او في الإعلام الأميركي نفسه… على الرغم من ان دور فينيل في توجيه السياسة السعودية امتد ليشمل قرارات السياسة الخارجية. تحت تأثير وتوجيهات فينيل في الثمانينات مولت السعودية بملايين وعشرات ومئات الملايين من الدولارات عصابات "الكونترا" اليمينية الموالية للولايات المتحدة في نيكاراغوا… التي لا يكاد مسؤول سعودي واحد يعرف اين تقع. في كتاب "محاربون سريون" الذي صدر في الولايات المتحدة عام 1988 يقول المؤلف ستيفن أميرسون أن دور هذه الشركة كان أكبر بكثير مما تحدث عنه الإعلام الأميركي في تغطيته لهذه الفضيحة ويروي ان ضابطا أميركي كبيرا برتبة كولونيل ـ أسمه ريتشارد غاد ـ كان يعمل مع اوليفر نورث أحد أبرز الشخصيات في هذه الفضيحة وكان مساعدا لمستشار الرئيس ريغان للأمن القومي الإشرف على برنامج سري كانت تنفذه "فينيل" كجزء من العمليات السرية للجيش الأميركي في السعودية. واستطاع بعد وقت قصير أن ينشئ لحسابه شركتين خاصتين للعمليات الأمنية تستعين بها المخابرات الأميركية على غرار شركة "فينيل" نفسها… وعلى غرار مئات من الشركات تعمل لحساب السي.أي.إي. ووكالات المخابرات العسكرية الأميركية وترتبط بعلاقات قوية مع الحكومة السعودية. والآن ـ وعلى الرغم من تجديد عقد الشركة مع الحكومة السعودية ـ تواجه "فينيل" تساؤلات في كثير من الدوائر الأميركية التي لا تظهر ارتياحا إلى هذ التورط العسكري والمخابراتي للاجهزة الأميركية في اوضاع السعودية الداخلية.. خصوصا بعد ان اصبحت المعارضة اقوى مما كانت في أي وقت مضى، وبعد ان اصبحت صراعات القصر جزءا من الواقع السياسي اليومي في المملكة. لكن هذه الأسباب نفسها هي التي جعلت فينيل ومئات ضباط المارينز والمخابرات "المتقاعدين" الذين يعملون لحسابها في السعودية أكثر انشغالا بالعمل المنوط بهم هناك مما كانوا في أي وقت مضى. لقد كشفت لجنة مراقبة حقوق الإنسان (مقرها في نيويورك) في تقرير اخير لها أن سنة 1994 شهدت اوسع عمليات الاعتقال في تاريخ المملكة ضد المعارضين النشطين وسجلت المملكة "أحط سجل لحقوق الإنسان". ويضيف تقرير المنظمة للعام 1995 "أنه لا بد أن التدهور قد حدث في اوضاع حقوق الإنسان في السعودية، وشمل ذلك "التنظيمات الإسلامية السلمية".. وكتبت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بعد هذا التقرير تصف النظام السعودي بأنه "مافيا تملك ثروة هائلة تحت تصرفها". وهي عبارة قالها المعارض السعودي محمد المسعري للصحيفة. وزادة التساؤلات عن مشروعية الاستمرار في استخدام ضباط المارينز والمخابرات الأميركيين في حماية النظام السعودي الحاكم من خلال عقد مع شركة أميركية لا تخفى على أحد حقيقة علاقاتها بالمؤسسة العسكرية والمخابرات في الولايات المتحدة. وذلك أثر قيام السلطات السعودية في 11 آب (أغسطس) الماضي بقطع رقبة المعارض السعودي عبد الله الحضيف الذي أدين في "محاكمة سرية" باتهامات من نوع حيازة اسلحة نارية وتوزيع منشورات تنتقد الأسرة المالكة. إن هذه التصرفات والانتهاكات المتوالية لحقوق الإنسان تحت حماية أمنية ومخابراتية أميركية قد أدت إلى توجيه تحذيرات من عدد من المنظمات الأميركية، من بينها لجنة "مراقبة حقوق الإنسان" و "معهد السياسة العالمية" في نيويورك من ان عمليات من نوع تفجير مبنى البعثة العسكرية الأميركية في الرياض وأعمال عنف مماثلة اصبحت قابلة للتكرار، وأنها عندما تقع ستكون شركة "فينيل" الأميركية مرة أخرى أداة القمع التي تستخدمها السلطات السعودية في مواجهة التطورات. العاملون الأميركيون في الشركة ـ خصوصا السابقين منهم الذين لا يترددون في الكلام عن مهمتها في السعودية ـ لا يقولون اكثر من أنهم يعملون من أجل هدف واحد: المال. ولقد كان قرار الملك فهد بالتنحي لشقيقه ولي العهد رئيس الحرس الوطني بشير خير للشرطة وموظفيها… لكن عودة الملك إلى ممارسة سلطاته لم توقف خطط الحرس الوطني لتوسيع برامجه وتدريباته وإعداده… ومعنى هذا مزيد من العمل للشركة. يقول الباحث الأميركي وليام هارتونغ ـ الذي أشرنا إلى تقريره في البداية ـ "ان سياسة استخدام فينيل ومدربيها والأسلحة الأميركية ومورديها للحفاظ على الأسرة المالكة السعودية في السلطة لا يمكن ان تستمر إلى الأبد، لسبب واحد هو ان المال السعودي أخذ ينفد، والبرامج الاجتماعية التي كانت تستخدم في شراء المنشقين تخفض الآن بصورة فادحة لترك المال ينفق على شراء احدث الأسلحة الأميركية والبريطانية والفرنسية".
ولقد بدأ بعض المحللين الأمنيين في مراكز البحث
الأميركية يتحدثون عن السعودية بأنها "إيران التالية"… فهي نظام حكم فاسد يواجه خطر
الاطاحة به إما بواسطة المعارضة الإسلامية أو عن طريق تطور نحو ديمقراطية تعتمد في
الجانب الأكبر منها على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل سياستها الراهنة، وهي
سياسة مساندة الحكم الملكي حتى "القطرة الأخيرة"… أم انها سترى استحالة استمرار هذه
السياسة. ويقينا فإن السؤال نفسه مطروح في داخل الحكومة الأميركية وعلى أعلى المستويات… ولكل من الاجابتين اللتين ينطوي عليهما السؤال من يناصره داخل إدارة الرئيس كلنتون في مجلس الأمن القومي وفي وزارة الدفاع وفي وزارة الخارجية. أما في شركة "فينيل" فإنهم مستمرون في التفاني في حماية النظام السعودي… فالأموال لا تزال تتدفق على خزائن الشركة والعقد الجديد يضمن استمرارها على الأقل حتى نهاية عام 1998. |