|
حوادث الحج سجل لا يوحي بالتفاؤل في عام 1990 توفي حوالي 1400 حاج مسلم اختناقاً في نفق يدعى المعيصم. أما في العام 1994 فقد توفي 270 حاجاً في جسر الجمرات نتيجة الأزدحام الشديد أثناء شعيرة (رجم ابليس). في المرتين السابقيت لم يكن ثمة شك في ان الحكومة السعودية تتحمل عبء المأساة، فالنفق لا يتضمن شروطاً للسلامة كمسرب للذهاب وآخر للاياب، كما انه لا يصلح في مكان يتوافد اليه مليوناً حاج سنوياً. أما في موضوع مأساة الجمرات، فالحكاية ابسط مما يمكن ان يتوقع، مع العلم انه لم يحدث ان مضى عام الا وتوفي فيه اناس في شعيرة الجمرات، والسبب ببساطة هو في التقاء الذين انتهوا من عملية الرمي مع الذاهبين لأداء الشعيرة ومن ثم الازدحام وسقوط ضحايا بين الأرجل، وكان الحل الذي "اكتشف" رغم أن حاجاً باكستانياً أمياً كان يدركه، هو في وضع مسارب حديدية للذاهبين، وأخرى للعائدين، بعضها للرجال وأخرى للنساء، في عملية لا تكلف سوى بضعة الأف من الدولارات. "هناك صرف كثير على الشعائر لكن اغلبه من النوع غير المدروس"، هكذا تحدث احد الذين ينظمون رحلات الحج، مضيفاً ان احداً لا يمكنه انكار حجم الأموال التي تصرف على الشعائر، غير انها لا تتم وفق شروط تأخذ في الحسبان شروط السلامة وطبيعة الناس القادمين، وبساطة الكثيرين منهم، والعنت الذي يقابلونه مع متعهدي حملت الحج، ذلك الذي يؤدي إلى هيام الكثيرين منهم على وجوههم في المناسك، دون هدى. الزاوية الأخرى في قصة الصرف لتي تندرج في السياق غالباً، هي في تناسي حجم الأموال التي من المفترض ان توفرها الأعداد الكبيرة من الحجيج والمعتمرين للاقتصاد السعودي، والتي تتمناها أي دولة في العام، ويمكنها بالمقابل أن تصرف على الشعائر اضعاف ما يصرف، دون أن ينظر له على أنه خسائر أو خدمة مجانية للحجيج. حادثة موسم الحج الحالي تطرح الجانب الثاني من اشكالية التعاطي السعودي مع مسألة تنظيم الحج، الا وهو المتعلق باجراءات وشروط السلامة، في حالة حدوث طاريء، فان ترد مصيبة هذا الموم الى خطأ حاج معين ادى إلى الحريق في خيمة من بين اكثر من 100 ألف خيمة موجودة في منطقة منى، بل ان عدم حدوث امر كهذا هو الأمر غير المتوقع. ولذلك فأن وجود اجراءات سريعة وقادرة على التعاطي مع "طاريء" متوقع كهذا يجب ان تكون متوفرة، بل اكثر من متوفرة. اندلع الحريق في منى، فماذا كانت النتيجة لقد كانت ألافاً من القتلى والجرحى، عندما اتى ذلك الحريق على حوالي 70 ألف خيمة أي أكثر من نصف المنطقة التي تحولت إلى هشيم، فيما كانت اجراءات الاطاء ونقل المصابين عاجزة عن التعاطي مع المشكلة بتقنية عالية. الجانب الثالث فيما اسميناه اشكالية تعاطي الحكومة السعودية مع مسألة الحج، تتعلق بالبعد الإعلامي، ففي العام 1990، كان معيباً أن يخرج مسؤول سعودي كبير، ليعلق على الحادث، معتبراً انه كان شرفاً للحاج ان منحوا فرصة الموت هنا في الديار المقدسة، ويومها علّق بعضهم اخرين بأن حمدوا الله ان الحكومة لم تقرر منح هذه الميزة لبقية الحجاج، مع العلم بن لاشرع الحنيف يقول بأن حرمة المسلم عند الله اهم من حرمة الكعبة نفسها، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. هناك أيضاً مسألى الرقام وعادة التلاعب بها، وفي هذا الموسم، كانت الأمكانية موجودة، فالجثث متفحمة، ومن الصعب التعرف عليها وبالتالي احصاءها. من هنا كان حديث المعارضة السعودية محقاًن ولم يكن من باب المناكفة، خاصة عندما قالت انه "لو كان هناك احترام لأرواح الحجاج لا تخذت الحكومة السعودية خطوات جادة من اجل منع الحريق، مثل الزام المطوفين باستخدام خيام مضادة للحريق، ومثل الزامهم بدفن اسطوانات الغاز تحت الأرض، ولو نفذت تلك التعليمات لربما لم تتجاوز النيران خيمة لو خيمتين. ويتكرر الفشل الذريع في عملية الانقاذ التي اصبحت مضرب المثل في الفوضى وسوء التنظيم. ليس هذا مقام تقيم الاقتراحات لتحسين شروط عملية الحج، ذلك ان البحث عن مثل هذه الاقتراحات ليس بالأمر العسير، ولكنه مقام مناقشة العقلية التي تقف خلف عملية التنزيم، والتي ينبغي ان تتوقف عن نمط التعامل مع المسلمين بمنطق انها تتصدق عليهم حين تمنحهم فرصة الحج، وتقوم بالاجراءات التي تسهل هذه الفريضة. لقد كان العرب قبل الإسلام يتدافعون على شرف وفادة الحجيج، واليوم تبدو العملية اكثر جدوى، خاصة على الصعيد الاقتصادي الذي لا يلغب الجوانب الأخرى. ولذلك فان وقفة لأعادة النظر في مجمل القضية تبدو مهمة، خاصة وان صورة المسلمين في الخارج بتكرار مشاهد الموت في هذا الموسم الرباني، ستكون غاية في السوء، بدل ان تعطي مشهد الاجتماع الجميل صورة مليئة بقيم الخير والوحدة والجمال. |