العودة للفهرس

حوادث الحج بين الماضي والحاضر

مقترحات أولية للحد من الخسائر البشرية

لندن ـ عبد المنعم حسن: "وها نحن نعيش اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة وبفضل الله يتابع أخواننا الحجاج اكمال نسكهم بكل يسر وانتظام وأمن وأمان ويسرنا أن نهنئهم ونتمنى لهم إكمال نسكهم وهم في احسن حال". هذه الفقرة من كلمة وجهها الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز في اليوم الثاني للعيد، أي بعد أقل من أربعة أيام من كارثة منى لهذا العام والتي ذهب ضحيتها 342 حاجاً. لم يتطرق الملك فهد إلى ذكر الكارثة في الخطاب الرسمي ولم يعرب عن رد فعله كما فعل في حوادث حصلت في السنوات الأخيرة وذهب ضحيتها عدة مئات من المسلمين. ربما كانت الكلمة معدة قبل الحادث ولكن أما كان الأجدر بالمسؤولين السعوديين إضافة هذا الحادث الكبير إلى الكلمة لإظهار "الإهتمام الحقيقي" للحكومة السعودية بسلامة الحجاج وليس الإكتفاء بمجرد إطلاق الأمنيات.

وعلى الرغم من إنفاق المزيد من الأموال السعودية على تسهيل أداء فريضة الحج فإن نواقص تبرز بين الحين والآخر وتتسبب في وفاة العديد من الحجاج. وبسبب كثافة الحجيج فإن حادثة صغيرة ربما تتسبب في ضحايا عديدين اذا حصل التدافع وتكدس الناس في مساحات تضيق بأعدادهم الكبيرة. وتقول المصادر السعودية ان الحكومة انفقت 18,6 مليار دولار على توسعة الحرم المكي الشريف والمرافق المحيطة بمكة المكرمة لتسهيل أداء فريضة الحج، ولكن الكفاءة الإدارية لم ترتفع حسب ارتفاع النفقات ولو تم تطوير وسائل فعالة لضمان سلامة الحجاج لربما انخفض عدد الضحايا في مثل هذه الحوادث المحتمل حدوثها في موسم الحج. وفي كل حادثة تذكر التقارير نوعاً من سوء الإدارة السعودية، ففي عام 1990 تسبب إغلاق نفق المعيصم في مقتل 1426 حاجاً من مختلف الجنسيات معظمهم من أندونيسيا وتركيا، وقد ذكر ان انقطاع التيار الكهربائي تسبب في زيادة عدد الوفيات بسبب الظلام وتوقف أجهزة التهوية عن العمل. وفي عام 1994 كان التدافع وكثافة الزحام على الجمرات في منى قد أدى إلى مقتل 270 حاجاً.

أما حادثة الحرم الشريف في عام 1987 فقد نتجت عن سوء تصرف سلطات الأمن السعودية التي تعرضت لتظاهرة البراءة التي تنظمها بعثة الحج الإيرانية سنوياً. وقد أدى الأمر إلى مقتل 402 من الحجاج منهم 275 حاجاً وحاجّة من الإيرانيين حسب البينات الرسمية السعودية (وحسب ايران فإن ما لا يقل عن 400 حاج إيراني ومن جنسيات أخرى قد قتلوا علاوة على أعداد من رجال الأمن السعوديين).

وتقول مصادر شيعية كويتية ان سلطات الأمن السعودية هي التي دبرت انفجارين في مكة المكرمة عام 1989 لتوريط بعض الحجاج الكويتيين. وقد أسفر الانفجاران عن مقتل باكستاني واصابة البعض بجراح، واعتقال 33 كويتياً، حكم على 16 منهم بالإعدام وتم تنفيذه علناً، دون الاكتراث للإلتماس الذي قدمه أمير الكويت الشيخ جابر الاحمد الصباح.

هذه الحوادث هي سلسلة من تاريخ معاناة حجاج بين الله الحرام منذ أقدم الأزمنة، ولقد كثرت في وقتنا الراهن لأسباب عديدة منها كثرة عدد الحجيج، وتفاقم المشاكل الجديدية الناجمة عن التطور التكنولوجي، الأمر الذي جعل السلطات السعودية في مأزق حرج فهي بين أمرين خطرين:

الأول المحافظة على استفرادها بخدمة الحرمين الشريفين دون إشراك المسلمين من البلدان الأخرى في المسؤولية، ولهذا الاستفراد استحاقاته، خاصة وأن السلطات السعودية تجد نفسها عاجزة عن مواجهة مشاكل الحج المتجددة والمتعلقة بسلامة الحجاج رغم جهودها الحثيثة في هذا المجال. وحينما وقع الحادث عام 1990 وذهب ضحيته مئات الاندونيسيين طالبت منظمة "نهضة العلماء" الاندونيسية التي تضم علماء دين محافظين" السعودية بتحمل مسؤوليتها الكاملة عن هذا الحادث، والتحقيق في أسبابه لتتمكن من عدم تكراره. وقالت "أن الحكومة السعودية لا تستطيع التهرب من المسؤولية عن الكارثة بأن تدعي انه عمل رباني". وجاء قول هذه المنظمة رداً على تعليق العاهل السعودي الملك فهد الذي اكد بأن الحادثة هي "مشيئة ربانية لا يمكن تحاشيها"، وألقى ببعض المسؤولية على الحجاج انفسهم "لعدم إلتزامهم بالتعليمات التي تفرضها الحكومة السعودية".

أما الأمر الثاني فهو الإستجابة لمطالب من دول إسلامية بأن تكون إدارة الحرمين الشريفين إدارة اسلامية، خاصة بعد حادثة الحرم الشريف في آب (أغسطس) 1987 بعد تصدي الأمن السعودي لمظاهرة إسلامية سلمية تندد "بإسرائيل" والولايات المتحدة باعتبارهما العدوّان للأمة الإسلامية. وقد طالب الإمام الخميني وقتها بتسليم إدارة الحرمين الشريفين لهيئة إسلامية مستقلة عن السلطة السعودية، ومنع الحجاج الإيرانيين من الذهاب الى السعودية لأن سلامتهم كانت مهددة … بالخطر. واذا كانت السعودية تلح في كل موسم حج انه موسم عبادة "فقط"، ولا مكان للسياسة فيه، فإنها استعملت السياسة في كل شيء، في مواجهتها للتظاهرات الإيرانية والإسلامية وفي منعها لحجاج بعض البلدان الإسلامية او وضع العراقيل امام البعض منهم. ولقد قاومت السعودية هذه المطالب لأنها جاءت في اثر تصعيد الحرب العراقية الإيرانية وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 (صدر في تموز/ يوليو 1987) ورغبة الغرب ممارّة اكبر الضغوط الممكنة على إيران لوقف الحرب التي باتت تهدد المصالح الحيوية له. لكن ازدياد الحوادث التي تعرض الحجاج لها، وسماح الحكم السعودي للقوات الأميركية والغربية بالتمركز في الجزيرة العربية، مما عده اغلب المسلمين انتهاكاً لحرمة الحرمين الشريفين، اعاد السؤال المطروح من جديد وبإلحاح حول قدرة السعوديين على ضمان سلامة الحجاج وسلامة الحرمين الشريفين.

لم تكن المطالبة الإيرانية وغيرها جديدة على السعوديين فقد شعر المسلمون ان استيلاء الملك عبد العزيز بن سعود على الحرمين الشريفين في 1925، سيحول المقدسات الإسلامية إلى تراب مثلما فعلت مؤسسة آل سعود الدينية عام 1803 حينما غزوا الحجاز ودمروا الكثير من الأماكن المقدسة، بحجة انها مخالفة لاجتهاد أعضاء المؤسسة الدينية السعودية الذين كان اتباعها يعتقدون انهم يمثلون الإسلام "النقي الخالي من الشرك". وهو ادعاء تصدى له علماء المسلمين السنة والشيعة على حد سواء، وفندوة منذ ظهور (تلك المؤسسة) في القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الوقت الراهن.

وبعد احتلال الحرمين من قبل قوات بن سعود قررت إيران في 1927 منع حجاجها من الذهاب الى الحجاز، لكنها عادت وسمحت في 1929 بالحج بعد التوصل إلى "اتفاق صداقة" مع الحكام السعوديين. وتم توقيع معاهدة تقضي بمعاملة الحجاج الإيرانيين كسائر الحجاج من العالم الإسلامي، ودون تمييز مذهبي، والسماح لهم بممارسة طقوس زيارة العتبات المقدسة في المدينة المنورة، وغيرها لكن هذه الاتفاقية لم تمنع من المضايقات التي يعاني منها الحجاج الإيرانيين لأسباب مذهبية. وفي هذه السنة (1929) حدثت حادثة غريبة ومثيرة حينما أقدمت السلطات (الدينية) في مكة المكرمة على قتل 30 مصرياً كانوا يحملون كسوة الكعبة وهي الغطاء الحريري الخالص الذي كان المصريون يجددونه كل عام. وبعد هذه الحادثة تولّى السعوديون إعداد كسوة الكعبة. وكان السعوديون قد ارتكبوا مجزرة في مكة المكرمة حينما قاموا بسفك دم اكثر من 300 حاج يمني عام 1921 لأسباب طائفية.

وفي 1943 امر قاض سعودي بقطع رقبة حاج إيراني اتهم بتلويث المسجد الحرام لمجرد انه تقيأ داخل المسجد الحرام لعارض مرضي. وقد أعدم الرجل بسبب هذه التهمة مما دفع إيران إلى قطع علاقاتها مع السعودية ومنع الحجاج الإيرانيين من أداء فريضة الحج بسبب مخاطر يتعرضون لها في السعودية. وطالبت طهران بدفع دية القتيل الإيراني، وأدى الأمر إلى تصعيد الحملة الإيرانية ضد إدارة السعودية للحرمين الشريفين. وقد تم التوصل إلى اتفاق لإستئناف الحج الإيراني عام 1948. وفي الستينات كانت المضايقات مختلفة، فقد كانت العلاقات السعودية مع إيران الشاهنشاهية قوية وشكلت إيران والسعودية موقعاً مهماً في الاستراتيجية الأميركية في الخليج. لكن معارضة الشعب الإيراني لحكم الشاه ازدادت قوة في الفترة ذاتها، وانتقلت مظاهر هذه المعارضة الى اوساط الحجيج حينما كانت رسائل الإمام الخميني رحمه الله في الستينات والسبعينات توزع على الحجاج الإيرانيين، وهي تطالب ان يكون الحج مناسبة لكي يعبر المسلمون عن طموحاتهم وأمانيهم، ولكي يصعد في نفوس الإيرانيين روح الثورة ضد الشاه. وقد اسفرت هذه النشاطات عن اعتقال حجاج إيرانيين معارضين للشاه. ولم تستمر الأمور على هذه الحال فقد جاءت الثورة الإسلامية وطالبت قيادتها ان تكون رسالة الحج مختلفة ولا تقتصر على أداء المناسك وحدها، وإنما بإعلان البراءة من المشركين والكفار ويمثلهم في الوقت الراهن (إسرائيل والولايات المتحد)، فازدادت التوترات وتصاعدت الأمور حتى وصلت إلى قتل عدة مئات من الحجاج في حادثة الحرم لعام 1987.

وتقودنا الحادثة الأخيرة الى الوراء حيث يحفل تاريخ الحج بالكثير من المسرات والاحزان. وقد اهتم المسلمون منذ أول عهد المسلمين برعاية موسم الحج وتوفير اقصى درجات الأمان للحاج. وفي الزمن الماضي حيث الوسائل بدائية ومقتضيات الصحة محدودة ووسائل الخدمة صعبة، كان المسلمون قد نظموا السفر إلى الديار المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وكان السفر يتم ضمن قوافل تكون بمثابة مدن متحركة، ويكون لها امير يدير شؤونها وينظم مساعدوه كل امورها، كالتعامل مع قبائل البدو التي تقطن الصحراء وتتواجد على طريق الحج ويتم الاتفاق مع هؤلاء على توفير الماشية ووسائل النقل اللازمة وتوفير مياه الشرب. ويرافق قوافل الحج، اضافة إلى الحماية المسلحة، القضاة، الذين يتولون معاقبة وردع المذنبين، والاطباء والجراحون لمعالجة المرضى، وتهيئة البعض لأداء الفريضة ضمن شروطها (ومنها الختان) وقد سنّ الخلفاء العباسيون هذه السنّة، وسار عليها المسلمون من مختلف الاقطار ومختلف العصور حتى العصر الحديث، حيث تطورت وسائل النقل وتغيرت الأنظمة السياسية وبات العام الإسلامي مجموعة دول وحكومات مستقلة بينما كان في السابق دولة واحدة. او دولا قليلة.

وعلى الرغم من الاهتمام الفائق بسلامة الحجيج، فإن قوافل الحجاج تعرضت لعوارض عديدية طبيعية ومن صنع الإنسان، اودت بحياة الآلاف من الحجاج. وقد كان الحج ـ على خلاف عصرنا الحاضر ـ يستغرق عدة أشهر وربما يستغرق سنوات تطول او تقصر لتباعد المسافات ولإتساع رقعة العالم الإسلامي وتخلف وسائل النقل آنذاك وقد تتعرض قوافل الحجيج لتقلبات الطقس مثل الحرارة، أو البرودة، أو العطش والجوع، او يتعرض لها قطاع الطرق، أو يصاب الحجاج بواحد أو اكثر من الأمراض الوبائية (المعدية). وبالنسبة للأمراض المعدية التي لم يتمكن الإنسان الوقاية منها أو علاجها، فإن الأمر يعتمد على القدرات الإدارية في الحرمين الشريفين، لتوفير الظروف الصحية الملائمة، وقد تظهر حكومات اجنبية للضغط على سلطات الحجاز لتوفر قدراً من الاهتمام بصحة الحجاج.

تروي كتب التاريخ ان الرحالة العربي بن جبير ادى فريضة الحج في العام 1183 ـ 1184 الميلادي، ووصف ما لاقاه في هذه الفريضة وما شاهده. وقد لاحظ بن جبير جماجم عدد من الحجاج من الموسم السابق منتشرة في الصحراء ربما بسبب العطش. ويروي احد النمساويين بعد ان رافق قافلة حج مصرية، وكان رفيقاً لأحد الحجاج المصريين (خلال القرن السابع عشر الميلادي)، ان قافلة الحجاج المصريين التي سلكت الطريق البري من السويس الى الحجاز (تستغرق الرحلة 15 يوماً ويمر الحجاج بصحراء سيناء ويقطعون فيها ما يزيد على ألف ميل)، فقدت في منتصف طريقها 1500 حاج مع 900 جمل. وفي عام 1824 توفي خُمس عدد قافلة الحجاج السوريين بسبب العطش والحر، وكان عددهم 20 ألف حاج. وبعد هذا الحادث بسنتين فقدت القافلة السورية 12 ألفاً من حجاجها.

وتواجه قوافل الحج السورية صعاباً أخرى لا تقل عن مصاعب الطقس وشدته، ومنها قطاع الطرق الذين يجوبون الصحراء ويأخذون من الحجاج ما يرضيهم من أموال أو ينهبون قوافل الحجاج ويقتلون بعضاً منهم. وقد حدثت في عام 1757 حادثة مهمة وفطيرة فقد نشب خلاف بين إمارة الحج الشامية والقبائل البدوية حول مقدار الأموال التي تدفع للقبائل. وغالباً ما يحدث التلاعب من قبل ادارة الحج العثمانية، التي كانت تحاول تقليص الأموال التي تدفع كجزية إلى القبائل. وكانت بعض القبائل ترغب في ان ترى الحكومة العثمانية وهي تتخلى عن تعهداتها المالية لتكون في حل من إلتزاماتها ولتصبح طليقة اليد في انتهاك حرمة الحجاج وأرواحهم وممتلكاتهم. ويتم ذلك من خلال التحايل، كأن تتفق مع هذه القبائل على دفع مستحقاتها مناصفة، تدفع نصفا في بداية الرحلة ونصفا آخر عند نهايتها. وفي نهاية الحج تحاول هذه السلطات عدم الايفاء بما تعهدت به، الأمر الذي يحفز القبائل على شن هجمات دافعها الانتقام والحصول على ما جلبه الحجاج معهم من الحجاز وعندما تفقد الثقة بين السلطة العثمانية والقبائل ينهار النظام القائم على تأمين سلامة قوافل الحج وتكون القبائل في حل من إلتزاماتها فتتجه بجشعها الى نهب قوافل الحجيج وكانت قبيلة بني صخر راغبة في تثبيت وجودها في المنطقة الواقعة بين دمشق وشمال الحجاز والتي تقطنها قبائل عنزة. وفي أيلول (سبتمبر) 1757م قامت هذه القبيلة بالهجوم على أحد القوافل الشامية بين القطرانة ومعان. وقد عرض هذا الهجوم القافلة السورية الرئيسية لخطر الهجوم من قبيلة بني صخر، والتي كانت وقتها في المدينة المنورة. وقد تحركت القافلة الرئيسية إلى مدينة تبوك ومعها أميرها حسين باشا الذي كان يشغل منصب متصرف دمشق. وقد حاول حسين باشا اقناع قبيلة بني صخر ببعض الأموال لمنعها عن مهاجمة قوافل الحجاج لكن جهوده باءت بالفشل ولم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار في التحرك باتجاه دمشق املاً في وصول البقاء إمدادات وإسناد وعسكري من الدولة العثمانية، لأن في تبوك يعني نهاية معظم الحجاج بسبب الجوع لعدم توفر الارزاق.

حينما تحرك ركب الحجاج الشاميين من تبوك تصدت له قبيلة بني صخر في المنطقة الواقعة بين تبوك وذات حج فاستولت على امتعة الحجاج ومقتنياتهم وقتلت عدداً منهم ومات القسم الباقي عطشاً. ومن بين القتلى كانت أخت السلطات العثماني، لكن حسين باشا نجا من الموت. تركت هذه الحادثة جرحاً عميقاً لدى الشاميين وهزت عاصمة الخلافة العثمانية اسطنبول وكانت سبباً لقطع رؤوس بعض المسؤولين الذين "لم يوفروا الحماية" الكافية للقافلة الشامية. لكن الأمور لم تتحسن في السنوات التي اعقبت هذه الكارثة، فقد استمرت القوافل الشامية والمصرية بدون حماية كافية مما كان يجعلها عرضة لهجمات البدو المنتشرين في الصحراء.

أما القوافل الإيرانية التي كانت تسلك طريق صحراء نجد فانها كثيرا ما كانت حتى نهاية القرن التاسع عشر عرضة للاهانة والاذلال. وكان مطلوباً من كل حاج ايراني ان يدفع 80 توماناً من الذهب كضريبة للعثمانيين. ولقد تولى رجال السلطة الدينية في نجد "رعاية" القوافل الإيرانية بعد ان تمكن الأمير فيصل آل سعود من اقناعهم بالسماح بمرور الحجاج مقابل مكاسب مادية. وحينما تصل قوافل الحجاج الإيرانيين إلى مكة المكرمة او المدينة المنورة يكون افرادها عرضة للإهانة المستمرة بل وللإتهام الباطل بتدنيس الكعبة، حتى اصبحت هذه التهمة وسيلة يفرض بموجبها الحجازيون ضرائب خاصة على الإيرانيين.

من المعاناة التي كان الحجاج ولا يزالون يواجهونها عدم توفر العناية الصحية الكافية التي كانت السبب في تعرض الحجاج لأمراض مختلفة وبعضها قاتل كالامراض الوبائية. ورغم حرص شرفاء مكة ومن بعدهم الحكام السعوديين على توفير العناية الصحية اللازمة، فالمشكلة الصحية تكاد تكون قضية مزمنة وأن قلت خطورتها منذ عقود قليلة بسبب تطور وسائل الوقاية والعلاج وإجراءات الحكومة السعودية التي تلزم الحجاج باتخاذ احتياطات صحية والتطعيم بأمصال معينة قبل التوجه إلى الديار المقدسة. لكن توثيق حالات الوباء لم تبدأ في الحجاز (مكة المكرمة) إلاّ عام 1831م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى 1912 تعرضت مكة المكرمة إلى 27 وباءاً راح ضحيته الآلاف.

كان وباء الكوليرا من اخطر هذه الاوبئة واكثرها شيوعاً في مكة المكرمة. ورغم ان وطن الكوليرا هو الهند، (ولم تسجل اصابات بهذا الوباء خارج الهند إلا عام 1817 و1823 بعد ظهور اعراضه في بعض جزر المحيط الهندي)، فإنه اصبح وباءاً شبه مستوطن في مكة منذ عام 1831. وقد ربط الاوروبيون انتشار الكوليرا في اوروبا خلال الاعوام 1830 ـ 1837، بالحج وفرضت بعض الحكومات الاوروبية قيوداً وعقد مؤتمر عالمي عام 1851 في باريس، فرض قيوداً صحية على الموانيء الشرقية.

في 1865م انتشر وباء الكوليرا في الحجاز بصورة مخيفة وأزهقت أرواح الآلاف من الحجاج. وقد حمل جرثومة الكوليرا حجاج جاءوا من جاوة وسنغافورة ذهب ضحية الوباء ثلث الحجاج، فبعد نهاية موسم الحج مباشرة كان 15 ألف حاجاً قد توفوا من اصل 90 ألفاً، وتوفي الباقي بعد مغادرة الديار المقدسة. وعلى سبيل المثال فإن السفن العائدة من جدة عن طريق قناة السويس، لم تذكر حدوث اصابات لركابها لأن جثث الموتى كانت قد القيت في البحر وقدر عددها بالمئات. وبعد اقل من شهر انتشرت الكوليرا في الاسكندرية وذهب ضحية الوباء 60 ألف مصري خلال ثلاثة اشهر. ومن الاسكندرية انتشرت الكوليرا في مرسيليا ومن بعدها في اوروبا حتى وصلت إلى مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، وبسبب انتشار هذا الوباء دعت فرنسا إلى مؤتمر عالمي ثان ضم هذه المرة 17 دولة، وعقد في عاصمة الدولة العثمانية عام 1866، واتخذت فيه عدة اجراءات منها تقليل عدد الحجاج وتعريضهم لنوع من الفحوصات والتحاليل المتوفرة في ذلك الوقت، وتعيين ثلاثة مناطق كمحاجر للحجاج القادمين من الحجاز، وطلب من الدولة العثمانية فرض عقوبات مالية على الذين يقدمون شهادات صحية مزورة.

نجحت هذه الاجراءات في الحد من انتشار الكوليرا في القارة الاوروبية لكن الحجاز استمرت في التعرض لهذا الوباء، فبين 1865 و 1892 تعرضت مكة المكرمة لثمانية اوبئة، غير أن الأسوأ هو وباء عام 1893 حيث توفي 33 ألف حاجاً من أصل 200 ألف حاج، في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة. وبعد هذا الوباء اصبحت مسالة انتقال الاوبئة وعلاقتها بموسم الحج قضية سياسية اكثر من كونها قضية صحية انسانية.

فقد عقد مؤتمر دولي صحي مخصص لموضوع الحج عام 1894م فرضت فيه قيود مشددة على الحجاج وأعلنت فرنسا وبريطانيا وهولندا استعدادها للتدخل المباشر في شؤون الحج الأمر الذي أثار غضب الدولة العثمانية واحتجاجها. واستمرت المشكلة، فكانت العتبات المقدسة عزة للأمراض الوبائية حتى الربع الأول من القرن العشرين.

اذا كانت المشكلة الصحية وانتشار الأوبئة بسبب موسم الحج وتدفق الحجاج من مختلف البلدان ومنها جنوب آسيا التي تتوطن فيها الكثير من الأوبئة، قد استدعت هذا الجهد الدولي المكثف من قبل القوى العظمى في القرن الماضي (نسبة رعاياها تزيد على 60 في المائة من الحجاج نظرا لاستعمارها رقعة واسعة من العالم الإسلامي)، فأن مشاكل الحج المعاصرة التي يدفع ثمنها الحجاج، من حياتهم وصحتهم وأموالهم وكراماتهم تحتاج إلى حلول جذرية قوامها تظافر جهود الدول الإسلامية، والكل يعرف مدى الجهود المبذولة في سبيل توفير الراحة اللازمة للحجاج لكن هذه الجهود لم تحقق المطلوب والمرتجى لهم.

واذا كانت السلطات السعودية تمانع في التنازل عن سيادتها الكاملة على اراضيها مهما كان الثمن، فلا يجوز لها الاستغناء عن قدرات المسلمين الهائلة لإنجاح موسم الحج وتقليل الخسائر الناجمة عن الحوادث والمسببات التي لا يمكن تلافيها. فالمسلمون قادرون معنوياً ومادياً على توفير العون والمساعدة للسلطات السعودية لإنجاح الحج. ونعرض بعض المقترحات الأولية الممكن تطويرها وتوسيعها وتفصيل بنودها اذا توفرت النية الصادقة والجدية والاهتمام اللازم بأرواح المسلمين من حجاج بيت الله الحرام. واذا تم الترفع عن الحساسيات السياسية والخلفيات التاريخية المؤلمة وتحلّى المعنيون بالمسؤولية وتجاوزوا التعامل الرخيص مع الكوارث التي كثر ضحاياها، ستكون هذه المقترحات مادة لنقاش واسع ربما تمخض عن اتفاق على تعاون جديد بين المسلمين لإنجاح هذه الشعيرة المقدسة. وهي:

الأول: دراسة الأسباب والموجبات التي أدت إلى العديد من الحوادث المؤسفة في موسم الحج خلال عقد من الزمان لمعرفة النقائص والأخطاء ولتجاوزها بأنسب الصور والأساليب المتاحة.

الثاني: مشاركة المسلمين في ادارة شؤون الحج من خلال تشكيل لجان مسؤولة عن ادارة شؤون الحج من سلامة الطرق وتهيئة السكن الاّمن، وتوفير الاجواء الصحية ووسائل السلامة، وتنسيق نشاطات الحجاج وبعثاتهم. وأن تعطى للبعثات المتعددة صفة تنفيذية بالتنسيق مع السلطات السعودية وبإشرافها.

الثالث: المساهمة المالية من الدول الإسلامية في توفير الخدمات الضرورية في موسم الحج ويمكن التقيد ببعض المسؤوليات المالية والمشاركة النسبية في تحمل مسؤولية الحج. على أن يتم رصد ميزانية خاصة تساهم السعودية بالنصيب الأكبر فيها وتتعهد الدول الإسلامية الأخرى بالتزامات مالية واضحة اعتماداً على قدراتها الاقتصادية وعدد حجاجها.

الرابع: عقد مؤتمر سنوي عن الحج قبل الموسم بشهر على الأقل يتم فيه تداول أهم القضايا المتعلقة بالحج والاستفادة من وجهات نظر المسلمين ووضع برنامج تتفق عليه الأمة الإسلامية. ومن الممكن الاستفادة من تواجد العديد من كبار المسؤولين المسلمين في ـ موسم الحج ـ لعقد اجتماعات ومؤتمرات تخدم اغراض الحج وتناقش تطوير أساليب خدمة الحجيج.

الخامس: من الممكن توسيع الخدمات الإسلامية إلى المجالات الأمنية والصحية والإدارية ضمن شروط السيادة وبالاتفاق مع السلطات السعودية.

السادس: اعطاء الصفة الإسلامية العالمية لموسم الحج من خلال مجموعة من النشاطات الفكرية والسياسية والدبلوماسية، وجعل الحج مناسبة للتفاهم والتعارف بين الشعوب الإسلامية ومذاهبها وطرقها الفكرية، وليس موسماً للتوتر والتنازع والتقاتل، من خلال توفير اجواء التلاقي والتفاهم بين علماء المسلمين ومثقفيهم. فليست الاجتماعات السياسية او التنفيذية بكافية في هذا الشأن أن لم يصاحبها نوع من الود بين الفعاليات الإسلامية التي يتصاعد نشاطها في وقتنا الراهن لترقى إلى المشاركة السياسية في اكثر من بلد إسلامي.

السابع: معالجة زيادة عدد الحجاج من خلال وضع سقف مرن يراعي الظروف الاجتماعية والسكانية والسياسية لأي بلد إسلامي ويراعي في الوقت ذاته، العدد الممكن استيعابه ضمن شروط السلامة. وما السقف الذي قررته منظمة المؤتمر الإسلامي حول نسبة الواحد من كل الف، إلاّ حد أعلى من أعداد الحجاج لكل بلد على أن تراعى بعض الاستثناءات وضمن مقاييس يتفق عليها بين الدول الإسلامية. ويمكن تقليل هذا المعدّل اذا تطلبت الحاجة، على ان تتم الموافقة عليه بمعزل عن الظروف السياسية، والهدف المتوخى هو سلامة الحجيج. وبالنسبة للحجاج السعوديين لا بد أن تدرس وسائل كفيلة بإتاحة فرصة معقولة لهم ولكن ضمن سقف عددي يتفق عليه إسلامياً.

الثامن: دعوة المبدعين والمهندسين البارزين من العالم الإسلامي للتخطيط لوسائل تقنية ومعمارية تساعد على تلافي الكوارث وأن يتم ذلك ضمن اشعارهم بأن ادارة الحج مسؤولية اسلامية قبل ان تكون مسؤولية سعودية من خلال مجموعة من الاجراءات التي اشرنا إلى بعضها في النقاط السالفة ومن خلال حوافز معنوية ومادية كأن تحضر جوائز لتكريم المبدعين.