|
المملكة تحت مجهر الرقابة الدولية بدأت أضواء الرقابة الدولية مسلطة هذه الأيام على المملكة، كما يظهر ذلك من خلال التقارير المكثفة التي تصدر بصورة مستمرة عن وسائل الإعلام الأجنبية، مؤكدة على أن المملكة تشهد تحولا داخليا كبير او خطيرا، يتطلب تعاطيا مختلفا وجديا من قبل العائلة المالكة ومن الملك شخصيا. إن هذا التركيز المكثف من جانب كبريات الصحف والمجلات الأجنبية على مجريات الأحداث في المملكة، بعد أزمة الخليج الثانية لم يأت بصورة عبثية، وإنما جاء نتيجة التطورات المثيرة للأهتمام الدولي كما أنها تحاول تسليط الضوء على موقف الحكومة حيال هذه التطورات، حيث تجمع هذه التقارير، على أن تجاهل الحكومة السعودية لمعطيات هذا التحول قد ينذر بتفجرات غاية في الخطورة، كما تظهر هذه التقارير أن العائلة المالكة لا تمتلك لياقة كافية في استيعاب هذا التحول الداخلي، الذي ينظر اليه الخبراء والمراقبون لهذه المنطقة على أنه يشبه الى حد كبير بالثورة الكامنة. ونحن من خلال ترجمة هذه التقارير نحاول عرض النظرات السياسية السائدة في أوساط الغربيين، ومن يحاولون إيصال هذه النظرات إلى صنّاع القرار في الغرب وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية. هل الرمال على وشك أن تزحف على المملكة؟ جون روسانت ـ مجلة بيزنيس ويك 15 فبراير 1993م إذا أردت أن ترى المستهلك السعودي الثري جدا، فما عليك إلا أن تذهب إلى منطقة العيّا بالرياض في احدى الأمسيات، حيث المراكز التسويقية المكسوة بالرخام والمحلات النسوية المليئة بالساعات الذهبية والكافيار ومصممي الأزياء. إنها منطقة أو محلة تشبه ذلك القسم الصاخب والمزدحم بالحركة من شارع روديو في بفرلي هيلز. ولكن وعلى بعد ميل أو ميلين من تلك المنطقة أو المحلة، هناك مملكة عربية سعودية أخرى، حيث سوق البطحاء الصاخب ـ سوق عظيم وشرق أوسطي الطراز ـ الذي لا يؤمه الغربيون، وأما السعوديون فهم أفقر من أولئك الذين يتبضعون من أسواق العيّا. كما يفصل بين المحال المختلفة، محلات لبيع أشرطة الكاسيت، ولكنها، ليست أشرطة موسيقى وغناء، وإنما هي أشرطة دينية. وبينما يهاجم كثير منها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بشكل هستيري، يتجرأ بعضها على مهاجمة الأسرة المالكة السعودية. إن المظهرين المتناقضين ـ أحدهما غني وغربي، والآخر ضد الولايات المتحدة الأميركية ومتطرف ـ يحكيان الكثير عن الحقيقة الفصامية للمملكة العربية السعودية. ففي أقل من سنتين بعد عاصفة الصحراء، شهد الاقتصاد السعودي نموا لم يشهده من قبل أبدا، الأمر الذي وفّر للشركات الأميركية والأوروبية أرباحا ضخمة، ولكن التطرف الديني واللاثقة السياسية، هما أيضا في تصاعد ونمو. ومن هنا تطرح أسئلة حول الإستقرار ـ على المدى البعيد ـ لبلد هو الأول في العام من حيث تصدير النفط، والحليف الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية. الزيادة المفاجئة في أسعار التأجير في المستقبل القريب، تبدو الأشياء عظيمة، فالاقتصاد السعودي، المسنود بالارقام القياسية من الانتاج النفطي وتفاؤل ما بعد الحرب، ينمو بمعدل سنوي يقارب 6 بالمئة، وتشبه المدن الكبيرة في السعودية ـ بما في ذلك الرياض وجدة والظهران ـ ساحات بناء عظيمة، وارتفعت أسعار تأجير المكاتب خلال السنوات الأخيرة بمعدل 25 بالمئة، كما شهدت أسعار العقارات إرتفاعا يزيد على 200 بالمئة في بعض الحالات. وفي هذا المجال يقول السيد ديفيد رهفس، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض المحدود "من المحتمل أن تكون السعودية هي المكان الوحيد في العام الذي ترتفع فيه أسعار العقارات". وعلى عكس موجات النمو السعودية السابقة، يتغذى أو يتزود النمو الحالي على "أو من" ثقة القطاع الخاص الجديدية. وعلى الرغم من هروب عشرات المليارات من الدولارات الى الخارج عقب غزو صدام حسين للكويت، إلا أن أكثر منها قد عاد بعد ذلك، كما أخذ السعوديون يزودون المشاريع المحلية بالمال. ويقول عبد الله الدباغ، السكرتير العام لغرف التجارة والصناعة في السعودية: "إنك ترى المال يتدفق من تحت الفرش". وحسب تقديراته، فإن هناك ما يقارب الثلاثين مليار دولار في يد القطاع الخاص داخل المملكة، جاهزة للاستثمار. ومع ذلك فإن ذلك الزيد يخفي خلفه بعض الاتجاهات المثيرة للقلق. فالحكومة السعودية غير قادرة وبشكل متزايد على كبح وتقليل مصروفاتها. كما أن تمويل عاصفة الصحراء والصرف السخي على المشاريع، رفعا ديون الحكومة من الصفر عام 1988م إلى الخمسين مليار دولار في الوفت الحاضر، أي أكثر من نصف الانتاج الكلي المحلي للمملكة. أما البنك المركزي السعودي، والذي كان يملك احتياطيا من المال يقدر بأكثر من مائة مليار دولار في الوقت الحاضر. يقول أحد المستشارين الاقتصاديين في الرياض: "يبدو أن لا أحد يرغب في كبح ذلك. ومن المؤكد أن يكون الملك فهد كذلك". إن مثل هذا الأسراف الذي يخيف البعض، يخلق وبشكل متزايد وضعا خادعا سهل التخريب، فاذا ما تدهورت أسعار النفط ـ كما حدث في منتصف الثمانينات ـ فلن تمتلك الرياض أية وسادة اقتصادية، وقد تكون الآثار مؤلمة وجارحة. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين في الرياض: "تذكّر أنه، وفي فترة تدهور أسعار النفط في الثمانينات، لم تكن هناك أية حركة إسلامية موجودة. كما وأنك لم تكن تمتلك حركات مستعدة لتحمل تبعات خلق المشاكل، أما الآن، فإنك تمتلك ذلك". ومع ذلك، فإن قليلا من الشركات الأميركية هي المهتمة بمثل تلك المسائل، وتمثل الأسواق السعودية حلما بالنسبة لمئات من الشركات الأميركية. ففي السنة الماضية، حصلت الشركات الأميركية على ثمانية مليارات دولار لمبيعاتها غير العسكرية للمملكة مما جعل الأخيرة المستورد الرئيسي للبضائع الأميركية. وبمعنى آخر، إن ما يدخل الأسواق السعودية الآن من مكيفات الهواء وسيارات الجيب ومن البضائع المختلف الأميركية الصنع يزيد على ما يدخل منها الأسواق الصينية. وفي السنتين الأخيرتين فقط، ارتفع نصيب الشركات الأميركية في الأسواق السعودية من 15 بالمئة إلى 21 بالمئة في الوقت الحاضر، مما جعل كثيرا من الموردين الأوروبيين واليابانيين في حالة تذمر. ويحصل ـ بالأضافة إلى اصحاب الصناعات الاستهلاكية ـ أصحاب الصناعات الدفاعية والجوية على الكثير من المال السعودي. فصفقة طائرات "إف ـ 15) التي زادت قيمتها عن خمسة مليارات دولار "72 طائرة نفاثة"، تستطيع أن تفتح أبواب مصانع سانت لويس التابعة لشركة ماكدونالد دوغلاس طيلة المدة المتبقية من هذا القرن. كما أن شركة بوينج هي في طريقها للحصول على صفقة بيع طائرات للخطوط الجوية السعودية "السعودية" بمبلغ يقدر بثلاثة مليارات دولار تقريبا، أما شركة هيوز ايراكرافت، التابعة لشركة جنرال موتورز، فقد حصلت عل عقد بمبلغ قدره مليار دولار. ويشمل العقد بناء عدة أقمار صناعية بمبلغ "258 مليون دولار" لمشروع عربسات الذي تموله السعودية. وفي هذا المجال، يقول السيد جون جريجلير الرئيس التنفيذي لشركة هيوز السعودية: "إنني أستطيع أن أقول وبكل اطمئنان أن السعودية في الوقت الحاضر تشكل سوقنا العالمي الأكثر أهمية". جماعات الولاء تشكل المملكة السعودية منجم ذهب بالنسبة لـ "جي.إم، وفورد، وكريسلر"، فالمدن السعودية تغص بسيارات الشيفروليت والكابريس والكاديلاك والموديلات الأخرى. وتعتبر سيارة السوبربان العائيلة المصنعة من قبل شركة جي. إم. هي الأكثر نجاحا، حيث تشكل مبيعاتها في الأسواق الخليجية "95 بالمئة من كل ما يصدر منها إلى الخارج"، وفي هذا المجال يقول السيد جاري رولي، نائب مدير المبيعات الخارجية في شركة جي. إم: "إن السوق السعودية تعتبر الاختراق الأعظم بالنسبة لمبيعاتنا خارج تكساس"، وتحاول الشركة بناء مصنعع تجميع لها في السعودية. وامتد النمو والازدهار إلى الخدمات المالية، فسيتي بنك يمتلك أحسن مراكزه المريحة في المملكة العربية السعودية. وقد حقق البنك التابع لسيتي بنك في المملكة ـ البنك السعودي الأميركي "سامبا" ـ أرباحا خالصة تقدر بـ 300 مليون دولار في السنة الماضية. وفي بلد يحرم على المرأة قيادة السيارة ولا تعمل فيه النساء، بدأ البنك بتوظيف النساء لتقديم استشارات استثمارية في البيوت. ويعود النجاح الأميركي ـ جزئيا ـ إلى انخفاض سعر الدولار والى مبيعات ما بعد الحرب، والمبيعات العسكرية السعودية التي بلغت "25" مليار دولار منذ انتهاء حرب الخليج ما هي إلا تعبير عن إيفاء الدين السياسي الذي تشعر به المملكة تجاه الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا المجال يقول رجل الإعمال السعودي، محمد جميل "إن رجل الشارع العادي يمتلك شعورا عميقا بالجميل تجاه الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وذلك لحضورهم لتقديم المساعدة لنا". ولكن الحب للولايات المتحدة يخلق ـ بعد ذلك ـ مشاكل في أرض الإسلام المقدسة. فمنذ الحرب الخليجية وحتى الآن، هناك زيادة عظيمة في نشاطات المتطرفين، والتي هي جزئيا عبارة عن انعكاس لما يحدث في بقية مناطق الشرق الأوسط فالمطاوعة ـ رجل البوليس الديني ـ يفتشون مراكز التسوق وأسواق السوبر ماركت الضخمة للبحث عن الأشياء التي يرون مخالفتها لمعتقداتهم. وفي الآونة الأخيرة، يقول كثير من السعوديين أن المجموعات المتدينة بدأت لأول مرة بدخول المنازل الخاصة بحثا عن المشروبات الكحولية والصور العارية. وفي هذا المجال يقول أحد تجار جدة: "إنني لا أشعر بالأمن وأنا في داخل بيتي، بعد هذا". ويصب الاقتصاد السياسي الخاطئ في صالح المتطرفين، فالنمو السكاني الذي يصل إلى 3,5 بالمئة سنويا، هو من بين النسب الأعلى في العالم. كما أن الأطفال الذين ولدوا بأعداد كبيرة أثناء ارتفاع أسعار النفط عام 1974 يواجهون أسواق العمل بشكل حاشد. بالطبع، أكثرهم غير مهيئين للعمل الإنتاجي. هذا بالإضافة إلى أن الشركات التابعة للقطاع الخاص تفضل المصريين والباكستانيين والبنجلاديشيين لأنها تدفع لهم ثلث ما تدفع للسعوديين. ويشكل السعوديون نسبة تقدر بـ "2%" من قوة العمل التابعة للقطاع الخاص. وفي هذا الصدد يقول أحد سكان الرياض: "اذا كنت شابا هنا، فإمام أن تتجه إلى المخدرات وإما إلى الدين". وبينما تتغاضى الحكومة السعودية عن ـ وفي بعض الحالات تشجع ـ النشاطات الدينية، نجدها تعارضها عندما تمتد إلى المجال السياسي. وذلك هو ما يزداد يوما بعد آخر. ففي نوفمبر "1992"، نشر سعوديون متدينون مذكرة انتقدوا فيها المؤسسة العسكرية السعودية ودعوا إلى "أسلمة" أكثر. والأسلمة تعني التقليل من السياسات الموالية لأمريكا وللأجانب. أما الملك فهد فقد رد على ذلك محذرا بابعاد السياسة عن المساجد. وعلى الرغم من انتشار الشائعات في الرياض عن سجن بعض المتطرفين الإسلاميين، إلا أن "الحكومة لا يبدو أنها قادرة على السيطرة على مثل هؤلاء الناس وذلك حسب ما قاله أحد الدبلوماسيين الغربيين في الرياض. أحد المحللين المحليين خائف من أن يكون فهد غير قادر على معالجة أية أزمة. ففي فترة ما، أعتبر نشيطا نسبيا وأميرا ليبراليا. أم الآن فهو ملك عجوز يبلغ من العمر (74) عاما وفي حالة صحية غير جيدة وينام غالبية نهاره في واحد من مجمعاته السكنية الكثيرة. وعلى الرغم من أن الحكومة تمتلك مؤسسات قديرة ـ مثل البنك المركزي وأرامكو السعودية ـ إلاّ أن اتخاذ القرارات كثيرا ما يمسك بها الملك. وستبقى الرياض قادرة على إخفاء التشنجات في المجتمع السعودي، ما دام هناك ثبات نسبي في أسعار النفط. أما اذا ما حدث شيء ليفجر الفقاعة ـ كانخفاض أسعار النفط اذا مارفعت الأمم المتحدة الخطر عن أنتاج النفط العراقي فإن السلبيات سوف تزحف. بعد مرور سنتين على حرب الخليج.. الكثير من السعوديين يتصرفون وكأن شيئا لم يقع! ثوني هوروتز ـ وول ستريت جورنال ـ 13 يناير 1993م عندما افتتح مطعم باتريوت الوطني بجدة، في نهاية حرب الخليج، أصبحت أضواء "صواريخ" النيون تتلألأ على وجوه الوافدين الى المطعم، كما أنها اصبحت مصدر إهتمام الناس والصحافة المحلية. وقد قال أحد الوافدين للمطعم واسمه أسامة الإبراهيم وهو طالب في كلية الطب: "إن أمريكا حاربت من أجل مصالحنا"، وأضاف: "لو كان عندنا جيش حقيقي، لم نكن لنستعين بالغرب للدفاع عنا".. في ذلك الوقت كان أحد رواد المطعم، محمد لقمان، يستمع إلى الحوار بدون ارتياح، كالكثير من السعوديين، ولكن لم يسترسل كثيرا في شرح ما يطلق عليه بالعربية "الأزمة". ويقول أحد العاملين في شركة الهاتف "إن الأزمة جعلتني أشعر بالخجل وليس بالفخر"، ويضيف: "ويبدو من الأفضل لنا أن ننسى ما حدث، ونعيش فترة ما قبل الحرب". وفي محاولة مقصودة، حاولت الحكومة مسح جميع آثار الحرب التي انطلقت من أراضيها قبل عامين، فلم يحتفل بذكراها كما لا يوجد توثيق لها، ولم تعقد ندوات لمناقشة جوانبها، وفي الحقيقة لا توجد حتى نقاشات عامة حول هذه الحرب. ولكن الكثير من السعوديين ـ كالذين في المطعم ـ يعتقدون بأن الحرب ضد العراق لا زالت تحمل بين طياتها الكثير من التساؤلات المحرجة، والتي من الصعب الحصول على الأجابة عنها، إلا من خلال المساجد وعبر أشرطة الكاسيت وفق نظريات التآمر، والتي تقول: "إن السعودية ليست منطقة آمنة وغنية للأبد كحليف للولايات المتحدة الأميركية والتي تسند عليها كركيزة اساسية للطاقة وسياستها في الشرق الأوسط".
ومن
الجدير
بالذكر، أن
تأثير
الإسلاميين
المتشددين في
ازدياد كبير،
كما أن تحرر
الناس من
الأوهام
الحكومية في
ازدياد كبير
أيضا، إضافة
إلى أن عدم
الثقة في
الغرب، وخاصة
الولايات
المتحدة
الأميركية في
حالة تزايد،
ومن جهة أخرى
جلس فريد قرشي
في شهر ديسمبر
وبالتحديد
عند دخول
القوات
الأميركية
للصومال، جلس
في مكتبه
يراجع خارطة
العالم،
فوضع خطا تحت سراييفو، وشطب على إسرائيل باللون الأبيض.. وقد تلقى فريد تعليمه في الولايات المتحدة الأميركية لمدة تسع سنوات، ويرأس الآن أكبر لجنة خيرية في العالم العربي. وبالنسبة لجهود الأغاثة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية يقول فريد "يعتقد بعض الناس، بأن المقصود من كل هذه العمليات، هو لإضعاف الدول الإسلامية المجاورة لإسرائيل، بدءا بالصومال، وبعدها السودان، ومن ثم مصر". والصومال ـ مقارنة بتراخي الولايات المتحدة في البوسنة، حيث يقتل المسلمون بواسطة الصرب ـ قد غيّر وجهة نظر السعوديين حيال حرب الخليج. تساءل فريد قائلا "هل الأسلحة الأميركية تجد طريقها فقط بسهولة عندما توجه ضد المسلمين" ويضيف "وهذا ما يتساءال حوله بعض الناس". ومن الجدير بالذكر، أن المعارضة تنمو، بواسطة بعض الناس، ويتحدث الدكتور القرشي عن المسلمين المتشددين، والذين نمت فعاليتهم منذ حرب الخليج. وبالمقارنة بمصر والجزائر، واللتين ولدتا مشاكلهما الاقتصادية معارضة شعبية وألهبتها، حيث أن المواطنين السعوديين، خدّروا ولسنوات طويلة بالقروض الميسرة، والأعمال السهلة، وبالأسواق المكدسة بالبضائع. لذلك نجد أن بعض الأمراء لا يلتقون الا مع عدد محدود من الناس. ومن جهة أخرى، فإن الظروف الراهنة تختلف عن السابق، فتوجد حاليا مؤشرات على أن الأمور ليست كما كانت عليه فيما مضى. ولذلك بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة والعجز في الميزانية.. والتي نجم عنها ازدحاما في المدارس وكثرة العاطلين عن العمل من الشباب السعودي، علاوة على حالة عدم الاستقرار والتي أعقبت الحرب، مع انعدام الحريات السياسية والصحافية.. والمنبر الهام الوحيد هو المسجد، وأن السعوديين الذين يرتادون المساجد للوعظ والارشاد، يجدون في الوقت الحاضر، حركة إسلامية قوية، أكثر تعقيدا وصلابة من السنوات السابقة، كما أنها مسيّسة. ويقول رجل أعمال من جدة، والذي يمتلئ جهاز الفاكس لمكتبه، بصورة مستمرة بالرسائل والملاحظات من المتشددين "العقلية لا زالت تعيش القرن السابع، ولكن الوسائل والمهارات هي للقرن العشرين" وأشار إلى أن بعض السعوديين يجدون صناديق بريدهم مملوءة بأشرطة الكاسيت تحتوي على خطب مناوئة للغرب.. بالإضافة إلى شبكة كوبيوتر، يستطيع من خلالها، المتأثر بالتوجه الديني أن يتابع الرسائل الموجهة من القيادات الدينية والمشايخ. ومن الجدير بالذكر، أن في الصيف الماضي، قام 107 من الشخصيات الدينية والعلماء بالتوقيع على عريضة "مذكرة النصيحة"، رفعت للملك فهد، تطالبه بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. والذي أدهش الكثير من السعوديين هو تنوع خلفيات الموقعين عليها وقد جاء في المذكرة انتقاد واضح لكثير من الأمور منها: الفساد الأداري الحكومي المتجذر، والجيش، ونظام القضاء الذي يمنع المحامي من الدخول الى قامة المحكمة". ويقول رجل أعمال، يرى شعبية المتشددين في البلاد، كشعبية روس بيرو، أثناء حملته الانتخابية "كل سعودي يستطيع الحصول على الأشياء، بالطريقة التي يتفقون عليها ومثل هذه الشعبية تجد صداها في الوقت الذي يكافح ويكابد ويعاني منه السعوديون، وطالما أن هذه ليست الصومال، وأيضا ليست أرضا دائمة الغنى والثروة كما يتصور الكثير من الغربيين، فيوجد في سوق جدة التجاري "وبالتحديد، خلف العمارات الزجاجية الحديدية الصلبة، الشاهقة، شوارع غير مرصوفة، مليئة بالذباب والقاذورات. كما أن الرواتب لم تتغير، فهي كما كانت عليه منذ عقد من الزمن، لذلك لا يستطع الكثير من السعوديين توفير أكثر من حاجته الأساسية. من جهة أخرى، لا يستطيع الكثير من السعوديين الحصول على وظائف.. بالإضافة إلى أن القطاع العام المتخم، لا يستطيع توفير وظائف للشباب السعودي، فيما يفضل القطاع الخاص الايدي الأجنبية، لرخصها، ولتدربها بشكل أفضل، خلافا للمتخرجين والجامعيين السعوديين الذين مازالوا يتلقون تعليمهم اعتمادا على المناهج السابقة.. وبالرغم من التوسع الكبير للدولة لسنوات، فإن نسبة موظفي القطاع الخاص من السعوديين لا تتجاوز 10 بالمئة. إن البنى التحتية، والخدمات الاجتماعية للدولة، تمت على أساس الطفرة الاقتصادية في نهاية السبعينات، وفي بداية الثمانينات، وقد بدأت تدريجيا بالتراجع. ويوجد الآن في جدة بعض الشوارع لا تحصل على الماء سوى يومين في الاسبوع فقط. كما أن الأطباء أكثر ما يجرون عمليات التوليد في غرفة الطوارئ، لأن الأسرّة بالمستشفيات محدودة جدا، بالاضافة إلى قروض السكن المرهقة، والتي تتطلب انتظارا من المتقدم إلى خمس سنوات للحصول عليها. ويقول شاب في الثالثة والعشرين من عمره، ويعمل موظفا في بنك، وكان ينتظر في صالة بنك التسليف "إن الحكومة لا تعمل لنا أي شيء إضافي الآن" ويضيف الشاب "إن الحكومة لا تعرف عن مشاكلنا أي شيء". ومشكلة هذا الشاب، أنه ينوي الزواج، ولكن راتبه 900 دولار في الشهر فقط، وهذا لا يغطي مصاريف حفل الزواج، والمهر، والأثاث، فهذه الاشياء تعتبر جزءا من تقاليد الزواج في السعودية.. وعندما رفض البنك إعطاء الشاب قرضا لكي يتزوج قام بطلب مساعدة من مجموعة إسلامية متشددة، لديها صندوق يدعى "الصندوق الخيري لتزويج العزاب"، وهذا الصندوق يساعد في ترتيب حفل الزواج بأسعار أقل تكلفة، كما يوفر لهم قروضا، بالأضافة إلى الاثاث وثياب الزفاف. ويقول مدير المجموعة محمود ولي، مشيرا إلى فستان زفاف للأستعارة "الزينة، الذهب، وما تحتاجه العروس وتحبه"، وهذه المجموعة رجال ملتحون، يلبسون ثياب قصيرة، وهو "يعتبر زي المتشددين. ويقومون باستخدام الكمبيوتر لمتابعة الشباب الذين يقومون بمساعدتهم "بما فيه مساعدة الشاب عندما يرزقه الله بمولود بـ 350 دولار"، وقد قام الصندق منذ تأسيسه عام 1987، بمساعدة مايريو على 1750 شاب، والرقم يتضاعف كل عام. وتجدر الأشارة، إلى أنه توجد مجموعات إسلامية أخرى، لسد الفراغ في مجالات أخرى، مغطية الفراغ الذي تشغله الدولة، مما يزيد من شعبية المتشديين في البلاد، ويقلل من شعبية الحكومة، والصندوق الخيري لتزويج العزاب، يعتبر بقيادة أحد المشائخ السلفيين الذين ينتقدون النظام. وتجدر الأشارة إلى أن حالة الأصولية الإسلامية، تنتشر شيئا فشيئاً بشكل قوي، في كل أنحاء البلاد، خاصة في صفوف الشباب البالغين من العمر 18 سنة، والذين يمثلون نصف سكان البلاد تقريبا، وتعتبر الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، أحد هذه الأسباب، كما أن تنامي الحالة الدينية في معظم بلدان الشرق الأوسط لدليل على ذلك، ولكن الحرب عجلت لها. "الأزمة كانت مربكة للكثير منا"، يقول وليد البغدادي، طالب، ويضيف "لذلك عاد الكثير للإسلام مرة أخرى، لأنه يجعل الأمور واضحة"، وبعد انتهاء البغدادي من الحصص الجامعية، كعادة معظم طلبة الجامعة يذهب إلى كشك لبيع أشرطة الكاسيت خارج الحي الجامعي، ليشتري شريط كاسيت بعنوان "الإسلام مقابل المسيحية"، ويعتبر من أسخن الأشرطة في ذلك الأسبوع، ويقول الشيخ المحاضر في بعض مقتطفات الشريط "وفي الجانب الغربي من جدة، يتعاطى المسلمون المخدرات والكحول.. لذلك سيقبلون بالمسيحية"، ويضيف الشيخ الذي سجل صوته مع الصدى ليكون مؤثرا "إنني أشجب توظيف غير المسلمين في البلاد واستخدام اللغة الانجليزية في مدارسنا". ويقول السيد البغدادي: الرسالة هي "الإسلام قوي، ولكن الناس غير ذلك، ولذلك يستطيع الغرب عمل ما يشاء". والجدير بالذكر، أن هذه المحلات التي تبيع أشرطة الكاسيت، جاءت شعبيتها مع حرب الخليج، وتغير هذه الاشرطة ضد العائلة الحاكمة، وهذا الأسلوب الجديد جلي وواضح من الكتابة على الجدران كهذه الآية القرآنية "الممنوعة" "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة". ويتوقع معظم السعوديين والمحللين الأجانب أن "20%" من الشعب السعودي يؤيدون برنامج المتشددين، والذي ينادي بإغلاق البنوك الربوية، وبالحرب المقدسة ضد إسرائيل، ولكن إذا أستطاع المتشددون المحافظة والسيطرة على المناظرة السياسية، والحكومة لم تغير من طريقتها، فأن معظم الناس سيكونون مع الخط المتشدد. في بعض المناطق، بدأ التغيير.. ففي وكالة الإعلان الأفقي، في جدة، كان إميلي شاربيني يعد إعلانيين تجاريين منذ سنتين، وفي أحدهما (الأعلانات)، أن جنّيا في بدلة فضاء يناول زيتا من الطعام لربة بيت شديدة الأهتياج، فعندما أراد بثة تلفزيونيا بعد حرب الخليج مباشرة، منعته الرقابة السعودية. ويقول السيد شاربيني "القوانين تغيرت".. وبالنسبة لبدلة الجني كانت ضيقة جدا، لذلك منعت، علما بأن تكلفة الإعلانيين الكلية "80 ألف دولار".. فمنذ اشتعال الحرب فرجال الدين السعوديون، والذي يطلق عليهم "المطاوعة" كانوا أيضا يحاربون في جبهة أخرى ما يطلقون عليه "الفساد" ويقومون بتحطيم الصحون الهوائية لأنهم يعتقدون بأنها قنوات لنشر فساد الغرب.. علاوة على القتل بالسيف، والذي علق لفترة أثناء الأزمة، فقد أستؤنف الآن، ففي الوقت الذي يؤيد فيه السعوديون، القتل بالسيف، حيث يزاول هذا العمل سيافون أما جمهرة من الناس في وسط المدينة، فالكثير منهم قد أستغرب وأندهش عندما أُعدم أحد أبنا | ||||||